الرئيسية » مقالات » الأكثرية …. أكثرية حق وليست أكثرية دين

الأكثرية …. أكثرية حق وليست أكثرية دين

لن احاول البحث قي تاريخ المسيحية والمسيحين في العراق لكي استدل منه على نتيجة قد تقول انهم أصل البلد أوانهم سكنته قبل هذا الدين أو ذاك , أوقبل هذه القومية أو تلك , منذ ان تسمى هذا البلد بإسمه أوروك وصار بعدها العراق.

إن مسالة الأصول والجذور في بلد يحاول أن يكون جزء من عالم متطور لا تصلح مطلقا لأن تكون قوانين أو أصول لتحديد مسألة المواطنة , أو لتوزيع الحقوق الوطنية, فقد يكون المسيحيون أصل البلد أو لا يكونوا , وقد يكون هناك من سبقهم من الأقوام للنزول على أرض الرافدين أو قد يكونوا هم أول من نزل عليها فذلك لن يعدل من الأمر كثيرا , ولو أنه حصل لصار العراق متحفا للتاريخ الطبيعي وليس وطنا كما هي الأوطان الأخرى .

إننا هنا لسنا بصدد مطارحة تاريخية لتحديد الأفضلية على أساس سبق الإقامة أو أقدمية النزول ولو تحدد ذلك لخسر العرب بالحتم هذه الجولة لصالح أقوام هم ورثة لإمبراطوريات كانت قد سبقت الفتح العربي للعراق بقرون و لفاز المسيحيون على المسلمين أيضا في جولة كهذه .

إن مطارحة تاريخية بهذا الإتجاة سوف لن تخدم أي طرف من الأطراف , هذا إذا ما كنا نتحدث بلغة الأطراف وليس بلغة الشعب الواحد .

كما واننا هنا لا نتحدث عن حق ملكية لعرصة أو أرض أميرية وأنما عن وطن ومواطنة في عالم أوباما الرحب

وأقول عالم أوباما ليس إعجابا بالرجل ولكن إعجابا بالذين إنتخبوه وبالثقافة الإجتماعية والإنسانية التي منحتهم قدرة تجاوز كل عقد الماضي في بلد كان الى ما قبل عقود يحرم على السود المرور في حي أبيض, فإذا بهم يختارون أسود لكي يكون سيدا للبيت الأبيض , ويعلنون من خلال خطاب كهذا أنهم اكثر إستعدادا من الآخرين لبناء وطن معرف بهوية إنسانية متفتحة , فيكون لهم رئيس ما زالت جدته لأبيه تعيش في قرية أوغندية مجهولة وما زال إسم أبيه دليل على إنحداره من ظهر مسلم , بينما ما زلنا نحن ندينهم على جريمة عدوانهم على الهنود الحمر , وكأن تاريخنا ناصع البياض وماضينا كله وضاح الجبين بلا قاتل ولا مقتول وبلا ظالم ولا مظلوم حتى كأننا لسنا الأمة التي قتلت بن نبيها وسبت نساؤه .

ولن أنتظر طويلا لكي يحقق اوباما قفزته الإنقاذية لكي أستدل بها على نجاحه فأنا هنا لا أتحدث عن نجاح شخص وإنما عن نجاح أمة كانت قد حققت في يوم الإختيار إنتصارا مطلوبا على النفس .

وعندي ان الإنتصار على النفس لا على العدو هو شرط بقاء الأمم وشرط تقدمها وشرط إزدهارها فكم من أمة صالت وجالت وتوسعت وسيطرت ثم إذا بها تنهار في لحظة المواجهة مع الذات .

ثم ألسنا نحن المسلمين من قال ان جهاد النفس هو الجهاد الأكبر ثم يأتي بعده الجهاد ضد العدو .

وإذا كنا نحن ألعرب أو المسلمين أصحاب رسالة إنسانية كما ندعي أو مبلغي رسالة سماوية كما نقول فلتفحص هذا الدور وهذه الرسالة حتى نتعرف بصدق وبدون عنجهية وغباء عنصري على مكانتنا في عالم لا نضحك فيه سوى على أنفسنا , ولنتعرف بعد ذلك على أبسط شروط بقاء الأوطان والأمم دون أن نظن ولو للحظة ان بقاءنا يحرسه السلف الأخيار أو الأئمة الأطهار أو الملائكة الأبرار , الذين لو إنبعثوا أحياء لفضلوا أوباما الأميريكي على بن لادن المسلم أنطلاقا من حقيقة إسلامية تقول كافر عادل أفضل من مسلم ظالم , رغم ان أوباما هو قريب إلى روح الإسلام كما أقرب مسلم , وأن بن لادن بعيد عن روح الإسلام كما أبعد كافر .

وبعيدا عن الطقوس والفرائض فإن االإنسان لا يحتاج حتى يكون مسلما , أن يكون مسلما , أو أن يكون مسيحيا حتى يكون مسيحيا , هذا إذا ما كنا نتحدث عن الدين كروح وقيم وإخلاق وليس عن الدين كطقوس وفرائض , ألم يقل أحد فقهاءنا الأخيار بعد زيارة له لأحد البلدان (الكافرة ) وهي السويد كما أعتقد , أنه رأى إسلاما ولم يرى مسلمين , بعد أن بهرته روح العدالة والمساواة .

وأرى أن ذلك الفقيه كان صادقا في نيته وإن كان مخطأ في تعبيره , فليس الإسلام وحده دينا للقيم , فمع كل الإختلافات تبقى الوصايا العشرة هي أساس كل الديانات السماوية , وقبل كل الديانات فإن تلك الوصايا كانت نتاجا لتطور الفكر البشري قبل أن يتعرف هذا الفكر على الرسل والأنبياء وفي ذلك قال رسول الله محمد (ص) أنه آخر الأنبياء ولم يقل أنه أول الأنبياء .

وهذا أحد أعظم معلمي البشرية علي بن طالب يؤكد ان القتلى من جيش معاوية في صفين هم شهداء كما هو شأن شهداء جيشه لو أنهم كانوا قد حاربوا بصفاء نية وبنقاء ضمير ونراه يصلي على طلحة ويبكي على الزبير وهم أعداؤه في معركة الجمل .

ولأقف في حظرة الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبالعزيز الذي كان قد سأله إعرابي من العراق عما إذا كانت نقطة الدم التي سببتها عضة بعوضة وظلت ظاهرة على ردائه قد أبطلت صلاته فقال وأخاله قد فعل ذلك مقهقها ,ما أروع صلاة لا يبطلها دم الحسين و تبطلها بعوضة .

وأخال ان كثيرا من المسلمين الآن بإسلام ليس أفضل من إسلام صاحب البعوضة ذاك.

فيا له من إسلام رائع لا تبطل صلاته أنهارا من دم الأبرياء الذين يقتلون يوميا بسبب إختلاف على دين أو بسبب إختلاف في دين أو بسبب إختلاف على قومية أو بسبب إختلاف في قومية .

ولن أعرج على بابل أو أكد أو أقلب تارخ نينوى او البصرة أو أستعمل أسماء كسرجون وشبعاد وسنحاريب لكي اعثر على توثيق تاريخي هنا وهناك ولكي أدعم حجتي بالبراهين وأتمكن حينها ان اقول ان المسيحيين من الكلدان أو الآشوريين في العراق هم عراقيو ن بالتاريخ والثقافة ومسقط الراس ومسقط الجثة .

وبالإتجاه ذاته فسوف لن أذكر اسماء أولئك المسيحيين الفطاحل الذين أغنوا اللغة العربية والتراث وتحدثوا عنها بعشق ما بعده عشق ولا عن عدد الشهداء الذين سقطوا في المناسبات المتعددة دفاعا عن أرضهم ووطنهم العراق.

لا لست بحاجة مطلقا الى ولو جزء من جزء من ذلك .

ذلك ان التشكيك بهوية المسيحين الوطنية وبحقهم كمواطمين عراقيين هو أمر لا استطيع الوقوف عنده وليس لي إستعداد للحوار بشأنه , لإنه في حقيقته يمهد الطريق للتخلي عن كل موروثنا الثقافي العراقي الذي يفتخر انه علم البشرية حرفها الأول وأن على أرضة نزل البشر الأول ..آدم اب الخليقة .

ولن أكون بذلك متفضلا على أحد , لا على المسيحين ولا على غيرهم مما بات يدعى الأن بالأقليات في عراق أسموه بالجديد وليس فيه من جديد إلا ما يخالف الإخلاق وما ينافى المنطق وما يتناقض مع جوهر الدين .

ذلك اني أشعر أن لا المسحيين ولا الصابئة ولا غيرهم ممن ضمتهم قائمة الأقليات العتيدة هم في موقف الدفاع عن الذات أو أنهم في قفص الأتهام وإنما الذي يجب ان يقف في قفص الأتهام هم كل أولئك الذين ينظرون الى الوطن كاقطاعية لا يشاركهم فيها أحد والى الآخرين من خلال منطق عنصري بائد .

أنهم جميعا , مسيحيون وصابئة ويزيديون ليسوا بحاجة إلى أحد لكي يكون محاميا عن عراقيتهم ومدافعا عن وطنيتهم , لا بل ان من يتنصب للدفاع عنهم بذا الإتجاه قد يسئ اليهم إنطلاقا من قبوله لأن يكون طرفا في مناورة وحوار يناقش فيه بديهية اسمها عراقية المسيحيين .

وأخال ان أحسن مثال وأقوى حجة على عراقية المسحيين هو قبولهم لأن يكونوا عراقيين ولأن يضلوا عراقيين في مرحلة بدا الكثيرون يخجلون فيها من عراقيتهم وحتى يتبرءون منها .

ومع كل هذا السقوط نجد ان هناك من يتحدث عن الإخلاق العربية وكأن الأمم الأخرى لا إخلاق لها وعن التسامح الإسلامي وكأنه وصفة إسلامية خالصة لم يتعرف عليها العالم بعد , ثم يحاول من خلال منطق التفضل أن يتكرم على المسيحين وغيرهم ممن تضمه لائحة (الأقليات) العتيدة فيقبل بهم مواطنين ويرحب بهم كضيوف .

وهل هناك من معادلة أسخف من هذه المعادلة ومن منهج أسخف من هذا المنهج.

ولا أنكر ان إضهاد المسيحيين لم يبدأ ببداية العهد الجديد , ففي بلدنا هناك ثقافة عنصرية موروثة , ولكن هذه الثفافة لا تنال من المسيحين فقط بل انها تمتد لكي تعبر عن نفسها باشكال متعددة وهي نتاج لتخلف وإنحطاط إجتماعي مثلما هي أيضا جزء من موروث كان مقدرا له ان يتلاشى لو ان العراق سار على طريق مستو من التطور الأقتصادي والسياسي , غير ان الأمور لم تكن تجري بهذا الإتجاه وما قد مر به العراق من كوارث ومصائب نالت من الجميع يؤكد على ان قضية المسيحين هي جزء لا يتجزأ من القضية العراقية ذاتها , اي ان الهم المسيحي هو جزء من الهم العراقي الكبير والمؤلم , وأنه رغم خصوصياته المتفرقة يجب ان يعالج من خلال حلول وطنية عامة , لأن الدخول اليه كقضية خاصة , ولو أنه أدى الى إعادة بعض الحقوق إلا أنه سيؤدي الى ضياع حقها العام لأن ما سيحصل عليه المسيحيون عندها هو فتات موائد المتفضلين عليهم , كما وأن حلا بهذا الإتجاه سوف تكون له أضراره الكبيرة على عموم القضية العراقية ذاتها لأن التشريعات التي ستناله والقوانين التي ستنظمه سوف تكون قاعدة رديئة لمعالجات لا يمكن لها ان تساهم بوضع الحلول السليمة لقضية شاملة ولا يجوز تجزئها على الإطلاق , فتكون (القضية المسيحية ) سببا اساسيا من أسباب التدهور العام بعد أن تكون قد فقدت فرصة ان تكون إحدى البوابات الأساسية لمعالجة القضية العراقية بشكل لا يقبل التجزئة .

ولن أبالغ إذا ما قلت ان النصر المسيحي الأبرز والأكثر ديمومة وقدرة على الصمود هو ذلك الذي يؤكد على ان العراق واحد وان المواطنة فيه لا يقاس على ضوء اسبقية النزول ولا على أقدمية القدوم ولو صار ذلك هو القياس لفاز المسيحيون فيه من الجولة الأولى ومعهم و قبلهم لفازت الصابئة حتما .

ورغم كل ما يمكن أن يضاف , يمكنني ان أقول , برغم هول المأساة وجسامة التضحية وفداحة الخسارة , ان ما جابهه المسيحيون من قتل وتهجير هو من جانب آخر دليل أكيد على عراقيتهم , ففي هذا الزمن الكريه لو ان المسيحين كانوا بمنأى عن المأساة لصار ذلك مدعاة للشك بعراقتيهم غير ان وجودهم في لائحة الشرف , شهداء ومهجرين , قد أكد بدون شك أن ما لحقهم كان ثمنا لعراقتيهم وأن دمهم كان جزء من ضريبة دفعها أخوتهم من كل الأديان الأخرى في عراق يجب أن يكون دينه الأساس هو المحبة وليكن اسمه بعد ذلك ما يكون .

يا أيها المسيحيون أنتم لستم أقلية إلا في عقل من لا عقل له .

وكما جاء في بيان مجلس أساقفة نينوى إثر الحملة البشعة عليكم في الموصل : كونوا صوتاً واحداً بخطاب موحّد وانتماء وطني صريح ورافض بقوة كل مخطط يهدف إلى تهجيركم أو تهميشكم أو عزلكم في شبه واحات عن سائر مواطنيكم من مختلف الأديان والمذاهب والقوميات. فالعراق واحد للجميع ويجب أن يبقى المسيحيون، من شماله إلى جنوبه، أشبه بخميرة في العجين.

وأعلموا …..

إن الأكثرية هي أكثرية حق وليست أكثرية دين


والأقلية أقلية باطل وليست أقلية جنس .

ولا بأس أن تذكروا المتأسلمين من وقت لآخر إن أول من قدم الحماية للمسلمين كان هم مسيحيوا الحبشة .

وان من يحميهم اليوم عندما يهربون من ظلم حكامهم المسلمين هو الغرب الكافر كما يطيب لهم أن يدعوه .