الرئيسية » مقالات » مناقشة لمشروع المهمات البرنامجية المرحلية لتجمع اليسار الماركسي في سوريا

مناقشة لمشروع المهمات البرنامجية المرحلية لتجمع اليسار الماركسي في سوريا

هناك بديل طوباوي عن الوضع القائم في سوريا يتحكم إلى حد كبير برؤية اليساريين السوريين بمن فيهم الذين شكلوا تجمع اليسار الماركسي كتيار فكري و سياسي و تنظيمي يريد أن يعمل وفق معايير مختلفة عن معايير عمل و تفكير اليسار السوري الرسمي , هذا الواقع يتركز من جديد حول تحالف سياسي و فكري جديد تلعب فيه برجوازية سورية ذات أهداف و قدرات إنتاجية “حقيقية” هذه المرة و بالتالي ذات أهداف “ديمقراطية” سياسيا دورا رئيسيا , لكن هذا التحالف الطبقي الذي سيجمع الطبقات المسحوقة مع برجوازية مختلفة , إن لم تكن جديدة تماما , مقارنة مع تلك الطبقة المترددة الانتهازية التي طلبت نجدة عبد الناصر للتخلص من الخطر الشيوعي “البرلماني” و تحالفت مع أنظمة لا تختلف كثيرا عن النظام القائم اليوم في دمشق إلى جانب نخب أخرى , سيتميز بنقطتين أساسيتين : أنه سينتج شكلا ديمقراطيا “فعليا” لحكم هذه الجماهير من جهة و أيضا سينتج تطورا صناعيا زراعيا حقيقيا هو الآخر هذه المرة , هذا هو جوهر ما يسميه مشروع المهام المرحلية بالتغيير الوطني الديمقراطي , و هذا المثال البديل بمركزيته و صفاته يتشابه بالتالي , رغم الخلافات السياسية و الفكرية الحادة في بعض الأحيان , مع مثال القوى التي تحولت ليبراليا بشكل صريح في السنوات الأخيرة كحزب الشعب مثلا , و يبدو الفارق الرئيسي هنا هو في الموقف من المشاريع الإمبريالية كما يسميها مشروع المهام المرحلية فقط , و ربما أيضا المبررات النظرية و الفكرية التي تؤدي إلى ذات النتيجة عمليا , و هناك اتفاق آخر , ضمني وصريح أحيانا , أيضا على معنى أو مضمون الديمقراطية الذي يعني إلى حد كبير الديمقراطية البرجوازية , و على أولوية النضال الديمقراطي على النضالات الاجتماعية , مع التشديد على أن الديمقراطية تعني في نهاية المطاف الديمقراطية البرجوازية , و لما كان الخلاف الأساسي هنا هو على الدور الذي يمكن للخارج الإمبريالي أن يلعبه في هذا التغيير فإن هذا يمتد أيضا إلى قضية دعم الحركات الوطنية المقاومة للاحتلال , هنا يتركز كل الخلاف و هنا ينتهي على الفور , هذا يعكس إلى حد كبير شيء من سيادة الصفة الذاتية على تحليل الواقع طالما صبغ إنتاج النخب الثقافية و المسيسة السورية , فكجزء من عملية نقاشها مع ماضيها وجدلها مع نفسها , تتناسى أو يغيب عن هذه النخب و هي ترسم صورة بديلها عن النظام , أو معه في بعض الأحيان , أن عملية لبرلة الحياة الاقتصادية , و السياسية بالضرورة , في سوريا ستنتج بالضبط نفس الواقع الاقتصادي الاجتماعي الذي نراه ينشأ و بتسارع أمام أعيننا نتيجة لبرلة الاقتصاد على يد النظام , و يمثل هذا أيضا تلك المساواة الضرورية عند النخب اليسارية , الحالية و السابقة , بين الديمقراطية و الشكل البرجوازي السائد دون أية قدرة على التفكير بأشكال ديمقراطية أخرى , خاصة تلك التي لا تحتاج إلى نخب أو مؤسسات سياسية فوقية , أو حتى دون توجيه أي نقد منطقي للشكل البرجوازي السائد من الديمقراطية عالميا , خارج حدود السائد السياسي و الفكري , رغم إشكالية هذه القضية حتى بالنسبة للفكر الرأسمالي في المركز , فقد رأينا أحد المحافظين الجدد المنشقين فوكوياما ( في كتابه بناء الدولة ) في سياق مراجعاته لمواقفه السابقة يحاول أن يستدرك في محاولة لتبرير و تفسير النتائج المدمرة للبرلة اقتصاديات أوروبا الشرقية و دول ما يسمى بالعالم الثالث و تكريسها لأنظمة الحكم القائمة , و ربما في محاولة رسم سياسات جديدة أو صياغة خطاب إعلامي أكاديمي جديد , أن يطالب بالمزيد من قوة بناء الدولة مع الإصرار على عدم تدخلها في الحياة الاقتصادية ( كتب هذا الكتاب قبل الأزمة المالية الأخيرة ) , هذه القوة يجب أن تخفف على ما يبدو من طغيان المؤسسات السياسية القائمة الذي يتهمه الأكاديميون و صانعو سياسات دول المركز الرأسمالي بالمسؤولية عن ظهور و صعود الإسلام الجهادي , مع العلم بأن هدف لبرلة الاقتصاد كان هو خلق طغيان رأس المال العالمي المتحالف مع برجوازية محلية تابعة لا تكريس طغيان الأنظمة القائمة عبر خلق أذرع اقتصادية مباشرة لها تمتد إلى كل مكان , هذا أيضا يرتبط بضرورة , تنبع من المركز الرأسمالي و ليس من الأطراف , لبناء شكل “مؤسسي” , كما يروق لليبراليين الجدد أن يرددوا , للحياة السياسية , بمعنى استبدال الفرد الحاكم ( أو الديكتاتور في حقيقة الأمر ) بمؤسسة حاكمة ذات مظهر “ديمقراطي” , هذا “التغيير” كان يفترض أن يستوعب كل طاقة الاحتجاج و الكبت و الرغبة في تغيير جذري عند الشباب و ضحايا السلطة القائمة , أن يحقق النصر في الحرب على الإرهاب و أن يضمن استمرارا هادئا لنشر أشكال أكثر مباشرة من هيمنة الرأسمالية الأمريكية أي أمركة هادئة لكل شيء , هذه المراجعة قد تمثل أيضا الشكل الممكن لمراجعات قادمة للنخبة المتلبرلة لمشروعها المحلي المرتبط بسياسات المحافظين الجدد , خاصة مع زيادة احتمالات قبول تعاون النظام مع مشروع الإدارة الجديدة في واشنطن , هذا يترك الناس , ضحايا الوضع القائم , أمام حائط مسدود نظريا , فالنخب بما في ذلك اليسارية تعتبر أن عبودية العمل المأجور هي قدر الجماهير , و أن التقدم نحو حريتها يشترط الاستسلام لهذه العبودية إلى أجل غير مسمى سعيا وراء تحسينات ضرورية “حتمية” باللفظ الماركسي , على طريق الحرية , تصبح العقائد الماركسية بهذا الصدد أقرب إلى آيات قرآنية بالنسبة لليساريين المتلبرلين و حتى المتمسكين بالماركسية بشكل أصولي , تمسكا بتراث ماركس بحرفيته , تبرر معاناة و مأساة المضطهدين و تدعوهم إلى الصبر بانتظار الفرج , لتصبح الماركسية أفيونا جديدا للشعوب , هذا أيضا يستمد جذوره من الموقف الستاليني الأصولي من كتابات ماركس و فكره الذي كان أول من استخدمه كأفيون للشعوب و من أزمة الديكتاتوريات القومية التي انحطت نهائيا إلى واقع ديكتاتوري مسخ , رغم أن العين العوراء لا تستطيع أن ترصد نظيرتها “المعتدلة” بل و “العلمانية أو المتنورة” , كنظام زين العابدين و أنظمة الخليج , التي تحقق بالضبط الشرط الذي يصفه د. عبد الرزاق عيد ببرجوازية الحثالة في طريقة تعاملها مع المال الذي وجدته بين أيديها على طريقة البرجوازي النبيل لموليير و مع ضحاياها على طريقة العبيد الرومان القدامى لا عبيد الاستعمار الفرنسي البريطاني القديم و لا الأمريكي الجديد الأكثر تحضرا , ما ينقص العمال الأجانب في السعودية و بقية دول الخليج هو فقط أن يستخدمهم الأمراء و أرباب العمل في مصارعة الحيوانات المفترسة لتسليتهم كي يتساووا مع أسلافهم عبيد روما , لا شك أن هذا المشروع متطور مقارنة بما يطرحه اليسار الرسمي , رغم تشابهه جزئيا مع أطروحات تيار النور , فيم يستمر سرب الرفيق بكداش بالقبض على الستالينية كما يقبض المؤمنون المخلصون على الجمر , مهما حدث , بل و كأن شيئا لم يحدث , و كأن الجالس في الكرملين ليس بوتين أو ميدفيدييف بل الرفيق سوسلوف أو أن الجنرال تشاوشيسكو ما زال يخطب في “الجماهير” المحتشدة في بوخارست التي تقاطع خطاباته بالتصفيق الحاد ! , لكنه يدور في ذات إطار الصيغة الرأسمالية التي استعارتها الماركسية عن مفهوم التطور الإنساني على أنه خط مستقيم صاعد دوما , و أنه يتمحور أساسا حول التقدم التقني , دون الالتفاف إلى معايير التقدم الأخرى , خاصة الأكثر ارتباطا بالإنسان – الفرد خاصة الحرية , فقد كانت الحرية هي ضحية العقد الاجتماعي الأولى الذي يعده منظرو الدولة البرجوازية مبرر وجودها الأمر الذي دفعهم نحو اختيار واع تماما بتقديم السوق , الربح , كرافعة “حتمية” للتاريخ و للتقدم تكون الحرية الإنسانية نتاجها الثانوي في أفضل الأحوال أو ضحيتها الضرورية في أحيان أخرى , فيم بقيت مؤجلة إلى مرحلة لاحقة وفق التسلسل التاريخي الماركسي , إذ تبدأ الحرية بالتحقق فقط في المجتمع الشيوعي , و حولها ستالين إلى كلمة فارغة من المعنى , بل إلى مبرر لإرسال المعارضين إلى معسكرات الاعتقال و فرق الإعدام , و لقمع كل صوت مستقل للتفكير خارج أوامر السلطة , هذا يكشف عن حقيقة بسيطة و مأساوية ببساطتها , أنه لا يوجد أي مشروع يعتبر نفسه ممثلا عن الفقراء و البشر العاديين , أكثر من الدعوة إلى شيء أقرب إلى دولة رفاه تأخذ هؤلاء البشر بعين الاعتبار أو بعين الرأفة في ظل سيطرة البرجوازية “الجديدة” “الوطنية و المنتجة” , التي تبقى الرافعة الفعلية للتطور , هذا هو في نفس الوقت جوهر المشروع الليبرالي لمجتمعاتنا , لكن كلا المشروعين لا يقولان لنا ما هي الخطة البديلة فيم إذا تبين أن مثل هذه البرجوازية لا وجود لها أو أنها أعجز عن أن تنفصل عن النظام أو تنشق عنه أو عن رأس المال العالمي المعولم , ماذا لو أن دولة الرفاه هي فقط نسخة عن دولة طائفية دينية مذهبية تستمد سطوتها من ولاء الشارع لها الناتج عن سطوة الثقافة الطائفية التقليدية من جهة و من سطوة المؤسسات التابعة لهذه القيادات الطائفية التي تحل مكان مؤسسات النظام البائد في ضمان ولاء الجماهير و تأطيرها , كما في العراق , أو ذات الوضع تماما لكن بصورة أكثر تهذيبا في لبنان , أية دولة رفاه يمكن الحديث عنها اليوم وسط انسداد أفق الرأسمالية المحلية و العالمية و وسط انهيار أوضاع الناس العاديين كنتيجة مباشرة للتنظيم الاجتماعي الاقتصادي السائد , الرأسمالي , هذه الطبيعة النخبوية الراسخة لليسار المحلي تفترض أن الإمكانية الوحيدة لفرض “تغيير” جدي , ديمقراطي بمعنى أنه سيغير فعلا وضعية الناس العاديين لا شكل السلطة فقط أو علاقتها بالنخب , يجب أن يكون نتاج نضال جماهيري خارج النخب باتجاه تأسيس مؤسسات ديمقراطية مباشرة شعبية تكون رافعة لتغيير جدي في وضعية قوى الإنتاج , لصالح الناس العاديين , لا مصلحة النخب التي تتحقق فقط عبر التزامها بدورها الهامشي و التابع لرأس المال العالمي , يمكن لليسار السوري , المحلي أو العربي أو العالمي , أن يلعب دور الحفاز هنا , لكن هذا ما زال بحاجة لمخاض ما , و غالبا لظهور قوي للجماهير على ساحة الفعل , أن تكون الأفعال النشيطة للجماهير هي الحفاز هذه المرة لمراجعات أعمق لكتابات و فكر ماركس أبعد من مجرد تحويله إلى أيقونة لا علاقة لها بالناس , أيقونة لها حياتها و كبريائها الخاص الأكبر بالضرورة من أي شيء آخر………..