الرئيسية » مقالات » صلح المالكي، حيرة بين امرين وحدين

صلح المالكي، حيرة بين امرين وحدين

تولت الملكة اليزابيث الثانية العرش في بريطانيا عام 1953، الا انها لم تحصل على طائرة خاصة الى اليوم.
وحين تقدمت الى الحكومة بطلب تخصيص طائرة ملكية لتنقلاتها قبل اشهر رفض رئيس الوزراء غوردون براون حينها، فعليها ان تستقل ما يتوفر للوزراء، الا انه وبعد مساومة القصر، اعلن موافقته، وعلى مضض، بشرط ان تفصل لها طائرة صغيرة لا تسع لاكثر من 12 شخصا.

اما السيد المالكي، وهو لم يتوج ملكا بعد، قد كشف عن اسطول طائراته الخاصة عندما اعاد بعض عوائل البعثيين الذين لجأؤوا الى مصر في اب/اغسطس الماضي، على هامش التقرب من رموز النظام السابق انذاك، في حركة استعراضية مبهرجه.

والرجل لم يستلم وضيفة في حياته، اذ اصبح رئيسا للوزراء دون ان يتدرج ولو برتبة مدير عام في وزارة، او حتى مدير مدرسة. اي انه عب كأس السلطة جرة واحدة وعلى معدة خاوية. فلفحه دوار الحكم بنشوة لا يحب ان يستفيق منها ابدا.

طائرات خاصة، بطانة منعمة وحاشية امراء، وما خفي كان اعظم، جاءت فجأة، لكنها لا تدوم له الا بشروط، وثمن. والثمن الذي على المالكي ان يدفعه، مقابل كل هذا العز، هو تهيئة الرأي العام المتضرر من سلطة البعث، في الوسط والجنوب تحديدا، لقبول عودة البعثيين للحكم، وجعل الامر مستساغا فقط.

من جهة اخرى فان السيد المالكي كان محكوما بالاعدام ابان حقبة البعث، حتى العالم 2003، بسبب انتمائه لحزب الدعوة الاسلامية الذي كان محضورا، وقد تربى وتثقف في كنف هذا الحزب على ان الصلح مع البعث كفر.

وهنا تراه محتار بين امرين وحدين، ايترك ملك المنطقة الخضراء، وهو منيته، ام يرجع مأثوما بأعادة البعث الى السلطة.

ولو نظرنا بتجرد الى السيد المالكي لوجدناه يتمتع بخصوصيات فذة تؤهله ليكون جسرا لهذه المصالحة، افضل من غيره بكثير، وهذا سبب اختيار الامريكان له ليقوم بهذه المهمة.
فهو شيعي، وفي نفس الوقت بدون شبهة فارسية كما هو الحال مع الجعفري والشهرستاني والاديب…الخ
وهو زعيم حزب الدعوة الذي يمثل انصع تاريخ في النضال ضد النظام القمعي السابق، وقد اعد بالتوقيع على قرار اعدام صدام حسين شخصيا، اي انه اخر من تصله شبهة الارتباط بالبعث، او انشقاقات اتباعه. وفي الوقت نفسه قريب من القوميين بحكم افتعال الازمات مع الائتلاف الشيعي والتحالف الكردستاني.
وفوق هذا، فقد اثبت بانه على استعداد لمصافحة الايدي التي احترفت لثلاثة عقود مهنة التعذيب في معتقلات البعث، وساهمت بازهاق مئات الالاف من المناضلين، بما فيهم مؤسس حزبه الشهيد محمد باقر الصدر.

مثل هذه الميزات لا تتوفر لدى الكثيرين، وهذه الميزات بالتحديد هي التي كانت وراء اقصاء رئيس الوزراء السابق ابراهيم الجعفري، ونقل السلطات اليه.

فهل يختار الاصطفاف مع عوائل الشهداء، ومبادئ حزبه ويرفض المصالحة، ليعود للفقر التي سأمه في السيدة زينب – في دمشق – والمشى للحسينيات ليلا من اجل طبق رز مجاني؟
ام يختار الاصطفاف مع الكرسي، والانخراط كليا في مشروع تأهيل البعث، مع الاحتفاظ بالبطانه المنعمة، والمأدبات المخملية والطائرات الخاصة؟

ولكن هل يضمن دولته بانه باق في السلطة اذا عاد البعثيين؟ خصوصا وان المخطط الذي كشفته صحيفة ” ليفتس كانك الالكترونية” مؤخرا هو تخطيط الادارة الامريكية بمشورة لندن وضغوط من عواصم عربية للانقلاب على العملية السياسة واعادة حكم البعث باعتباره الاقدر على الوقوف بوجه ايران والمد الديني للاحزاب الشيعية.

في رواية المقتل – واقعة كربلاء – للمقرم يذكر البيت الذي ارق عمر ابن سعد قبل خروجه لقتل الامام الحسين بن علي مقابل منحه ملك الري، ويصف حيرته:
“وفي قتله النار التي ليس دونها
حجاب وملك الري قرة عيني”

حسين القطبي