الرئيسية » شؤون كوردستانية » بعد ( 21 ) عاما من مأساة حلبجة والانفال

بعد ( 21 ) عاما من مأساة حلبجة والانفال

 ظهرت دولة العراق بشكلها الحديث عقب انتهاء الحرب العالمية الاولى وهزيمة الامبراطورية العثمانية. حيث وضِع العراق تحت الانتداب البريطاني في عام 1920. وفي عام 1921 توج الامير فيصل الاول ملكا على العراق ، وفي عهده وضِع اول دستور عراقي في عام 1925. و في عام 1958 تحول نظام الحكم في العراق الى النظام الجمهوري بعد الاطاحة بالنظام الملكي . في عام 1968 اتى حزب البعث الى السلطة في العراق ، و بدأت مأساة الشعب العراقي من ذلك التاريخ.
تعددت جرائم النظام البعثي التي ارتكبها بحق الشعب العراقي. واختلفت طبيعتها عما اقترف في السابق ، حيث امتد نطاق تاثيرها لتتجاوز الحدود الانساني والجغرافي، فكانت جرائم ضد الانسانية ، وجرائم الحرب ضد ايران ،والكويت واسرائيل.
لقد كان العراقييون هم أول ضحايا هذه الجرائم واكثرهم تضررا لما لحق بهم من اضرار جسدية، نفسية ، واقتصادية.
حلبجة ، الانفال، الدجيل، انتفاضة الشيعة في الجنوب، تهجير الكرد الفيليين، اخفاء وتصفية اكثر من 8000 من الرجال البارزانيين ، اسماء واحداث ستظل خالدة في ذاكرة كل العراقيين عربا وكردا واقليات ، كغيرها من الجرائم التي نالت من حياة الالاف من ابناء الرافدين.
بعد 21 عاما من هذه الفاجعة ، ما الذي فعلناه كمواطنين عاديين او سياسيين او قانونيين لكي لاتتكرر مثل هذه الجرائم في المستقبل؟ وهل ما تم انجازه لحد الان يكفل بعدم تكرارها مستقبلاً؟
بعد سقوط الصنم وتحرير العراق من براثن البعثيين ، شرعت قوات التحالف بالتعاون مع مجلس الحكم وبعد صدور الامر رقم (48 ) من الحاكم المدني الامريكي بريمر بتشكيل لجنة للقيام بصياغة مشروع قانون المحكمة الجنائية المختصة بمحاكمة رموز النظام البائد. وفي 2003 تم اصدار قانون رقم ( 1 ) للمحكمة الجنائية العراقية المختصة بالجرائم ضد الانسانية.
و المادة ( 10 ) من هذا القانون تنص على ما يلي:
“تسري ولاية المحكمة على كل مواطن عراقي أو غير عراقي مقيم في العراق متهم بارتكاب الجرائم المنصوص عليها في المواد (11) و(12) و(13) من هذا القانون والمرتكبة من تاريخ 7/7/1968 ولغاية 1/5/2003 في جمهورية العراق أو اي مكان اخر. وتشمل الجرائم الاتية:
أولا: جرائم الابادة الجماعية.
ثانيا: الجرائم ضد الانسانية
ثالثا: جرائم الحرب.
رابعا: انتهاكات القوانين العراقية المنصوص عليها في المادة (14) من هذا القانون”
هذه المادة حددت النطاق الزماني والمكاني لتطبيق هذا القانون. اي ان الجرائم التي ارتكبت قبل 7/7/1968 وبعد 1/5/2003 لاتخضع لولاية هذه المحكمة. وهذا يعني لو فكر اي قائد عسكري او سياسي في العراق ارتكاب جريمة مشابهة لجريمة حلبجة او الدجيل فان هذه المحكمة لاتملك اختصاص محاكمة هذا الشخص. كذلك فان جرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب التي ارتكبها تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين ، و مجموعات ما تسمى بالمقاومة العراقية ، وما ارتكبته اجهزة الحكومة والمنظمات التابعة لها او التي وفرت الحكومة الحماية لها على سبيل المثال لا الحصر افراد تنظيم ما يسمى بجيش المهدي، ستظل دون عقاب.
ان قانون المحكمة الجنائية العراقية العليا لايكفل منع ارتكاب مثل هذه الجرائم في المستقبل ولا يوفر الغطاء القانوني لمعاقبة مرتكبي الجرائم الدولية ان وقعت في المستقبل.
ومن اجل تفادي تكرار مثل هذه الجرائم او الحد منها في المستقبل على ممثلي الشعب العراقي على اختلاف اطيافهم وعلى منظمات المجتمع المدني والحقوقيين العراقيين اقناع الحكومة العراقية على المصادقة على اتفاقية روما الخاصة بالمحكمة الجنائية الدولية.
كانت المحكمة الجنائية الدولية حلما، ظل يراود البشرية منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى نهاية القرن العشرين حيث كان مؤتمر روما عام 1998 الذي اقر النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية وفتح باب التصديق عليها من قبل الدول التي وقعت بالاحرف الاولى على نظام المحكمة ، فاتحا الباب على سريان هذا النظام. والحقيقة ان الاتجاه نحو انشاء المحكمة الجنائية الدولية كان انعكاسا طبيعيا لما شهدته البشرية من جرائم بل مجازررهيبة راح ضحيتها ملايين الابرياء دون ذنب سوى انهم محكومون من طغاة متعطشين للدماء. ان مصادقة العراق على هذه الاتفاقية ستكون رسالة قوية جدا الى كل من تسول له نفسه في المستقبل بالاقدام على مثل هذه الافعال المشينة والتي يندى لها جبين البشرية. ومن اجل الوصول الى هذا الهدف على جميع اطياف المجتمع العراقي التكاتف من اجل اقناع الحكام الجدد في العراق على المصادقة على هذا الاتفاقية الدولية.
تكمن اهمية الانظمام الى المحكمة الجنائية الدولية في عدم افلات مرتكبي جرائم الحروب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية من الملاحقة القانونية العقاب، لان مركتبي هذه الجرائم هم عادة قادة عسكريين او سياسيين ورؤساء دول يملكون السلطة وليس في مثل هذه الانظمة نظام الفصل بين السلطات ويكون القضاء عادة غير مستقل ويخضع الى التاثيرات السياسية. والامثلة على ذلك كثيرة جدا منها نظام الدكتاتور صدام حسين، نظام ميلوزوفيج في يوغسلافيا، زعماء الحرب في رواندا وسيراليون، والتحضيرات الجارية لمحاكمة قتلة رئيس زوراء اللبناني حريري ومطاردة الرئيس السوداني عمر البشير. كل هذه الامثلة تدل على اهمية هذه المحكمة، فهي احد اهم مظاهر العدالة الدولية ولها صفة الديمومة والاستقلالية وبعيدة عن المصالح المتشعبة والضغوط السياسية.
من الجدير بالذكر ان انظام دولة معينة الى هذه الاتفاقية لايعني ان هذه الدولة سوف تفقد اختصاصها في ملاحقة مركتبي هذه الجرائم ومعاقبتهم لان المحكمة الجنائية الدولية هي مكملة للانظمة القضائية الوطنية ولا تمارس اختصاصها إلا عندما تكون هذه المحاكم غير قادرة أو متقاعسة عن التحقيق والمحاكمة، وأن الجرائم التي تدخل ضمن اختصاصها لا تسقط بالتقادم، كما وأنه لا يعتد بالصفة الرسمية (الحصانات) أمامها، مشيرة الى أنه ليس للمحكمة اختصاص إلا بما يتعلق بالجرائم المرتكبة بعد بدء نفاذ نظام روما الأساسي أي بعد 1 تموز/ يوليو 2002، وهدفها وضع حد للإفلات من العقاب وإنصاف الضحايا. أن المحاكم الموقتة تتعرض لبعض الانتقادات لناحية أنها تتشكل بقرار سياسي وهي انتقائية وأنها مكلفة وبطيئة جداً وتعمل فقط بعد مرور سنوات عدة على الانتهاكات، ما يضعف كثيراً من قوتها، ليس فقط كرادع قانوني أو وقائي بل كأداة فعالة لمنع الإفلات من العقوبة. ان عدم توقيع حكومة ما على هذه الاتفاقية دليل واضح على عمد احترامها لحقوق الانسان واحتمال ارتكابها مثل هذه الجرائم.

لذلك كله .. اقترح على منظمات المجتمع المدني واهالي ضحايا الجرائم الدولية في العراق مايلي:
1. تشكيل لجنة من اهالي ضحايا جرائم الابادة الجماعية، وجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب ، من العراقيين العرب والاكراد لتقوم بمهمة الضغط على الحكومة العراقية من اجل المصادقة على هذه الاتفاقية.
2. على منظمات المجتمع المدني القيام بدور توعية الجماهيرية وتثقيفها بفوائد واهمية الانضمام الى هذه الاتفاقية.
3. على المذكورين في فقرة 1 و2 القيام بحملة جمع التواقيع في كل انحاء العراق من اجل هذه الغاية.
4. على كلية الحقوق والقانون العراقية تنظيم ندوات ومؤتمرات (اكاديمية) حول النظام والتصديق على النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والاثار المترتبة عليه.
5. استحداث مادة القانون الجنائي الدولي في كليات القانون في العراق اسوة بالجامعات الاخرى في العالم.
6. تدريس مادة القانون الجنائي الدولي في الكلية العسكرية وكلية الشرطة.
7. اقترح على البرلمان العراقي تعديل نصوص مواد الدستور العراقي التي تتعارض مع النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية، تمهيدا للمصادقة على هذه الاتفاقية.
8. كذلك فان التصديق يتطلب تعديل بعض نصوص مواد قانون العقوبات العراقي الحالي التي تتعارض مع نصوص مواد النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية. 

باحث في القانون الجنائي الدولي والمحاكم الدولية