الرئيسية » بيستون » محاكمة المتهمين بجريمة تهجير وقتل الكورد الفيليين

محاكمة المتهمين بجريمة تهجير وقتل الكورد الفيليين

بدايةً استميح شاعرنا الجواهري الكبير لاستعير البيتين الآتيين، لاستهل بهما مقالتي عن جريمة العصر، عن الكارثة التي حلت بشريحة الكورد الفيليين ابتداءً من نيسان 1980 وسنوات الحرب العراقية- الأيرانية الذين لم يرق لهم أي أرض رغم ما قدمته بلدان أوربا لهم من رعاية انسانية فائقة.
البيتان:
ولست ببائع أرضي بأرضٍ
وان لم الق فيها ما يسر
ومن لم يرض موطنه مقراً
من الدنيا فليس له مقر
فالكورد الفيليون لم يعرفوا وطناً غير بلاد ما بين النهرين ولم يعرفوا أرضاً غير أرض العراق.. شواهدهم التاريخية تثبت ارتباطهم بهذه الارض المعطاء، ولم يرتضوا مقراً وموطناً لهم سوى أرض الرافدين والارتواء من مياه دجلة والفرات وهكذا تجدهم اكثر الناس التصاقاً واخلاصاً لهذه الارض وهذا الوطن، ولسان حالهم يقول:
أني وردت عيون الماء صافيةً
نبعاً فنبعاً فما كانت لترويني
ولدى بدء عمليات التهجير الشوفينية والفاشية، كان لسان حالهم يردد تغزل الجواهري بدجلة الخير:
حييت سفحك ضمآناً ألوذ به
لوذ الحمائم بين الماء والطين
يادجلة الخير يانبعاً افارقه
على الكراهة بين الحين والحين
وعندما زالت الدكتاتورية وتهاوت صروح الفاشية والشوفينية، عاد أبناء الوطن الكورد الفيليون الى أرضهم ووطنهم وهم يتغنون بابيات الجواهري في رحلته مع دجلة الخير: يادجلة الخير وما يغليك من حنقٍ
يغلي فؤادي، وما يشجيك يشجيني
ما أن تزال سياط البغي ناقعة
في مائك الطهر بين الحين والحين
ان ما حل بالكورد الفيليين في نيسان عام 1980، فصل همجي وجريمة بشعة لم تعترف دولة في العالم في النصف الثاني من القرن العشرين بحق شعبها ما اقترفته سلطة البعث الفاشي مع ابناء الشريحة الفيلية الذين أصبحوا هدفاً لأجهزة النظام القمعية لتمارس همجيتها بحق هؤلاء المواطنين من عمليات تهجير في انصاف الليالي التي طالت قرابة نصف مليون مواطن عراقي الى الحدود الايرانية على دفعات، وتم خلالها حجز اكثر من خمسة عشر الف شاب من أبناء المهجرين جرت تصفيتهم جسدياً بوسائل عديدة بينهم من دس في طعامهم سموم الثاليوم، آخرين سبقوا الى جبهات القتال، واجبارهم للسير في حقول الالغام المزروعة في ارض الحرام بين الجيشين العراقي والايراني، أو استخدامهم في تجارب الاسلحة الكيمياوية والغازات السامة، وآخرين جرى اعدامهم رمياً بالرصاص، أما عن رفاتهم أو المقابر التي تضم جثامينهم فلم تكشف لحد الآن عن مصيرهم بشكل رسمي وكشفت جلسات محاكمة المتهمين، اعتداءات جنسية وقعت على الفتيات اللائي جرى اغتصابهن، او دس السموم في الطعام المقدم الى النسوة التي أودت بحياة المئات منهن، بعد ظهور اعراض التسمم عليهن بعد فترة من تهجيرهن، ولم يجد نفعاً محاولات الاطباء في معالجتهن بعد استفحال التلف الذي اصاب الجهازين الهضمي والبولي لديهن.
وقد جرت عمليات التهجير المصاحبة لمصادرة الاموال والممتلكات والعقارات، وتجريدهم من المستمسكات والوثائق الرسمية التي تثبت اصالة انتمائهم للوطن العراقي والتي تثبت هويتهم الوطنية، (شهادة الجنسية العراقية، هويات الاحوال المدنية، دفاتر الخدمة العسكرية، هويات الموظفين في دوائر الدولة، أو سندات التمليك الصادرة من التسجيل العقاري) جميع تلك المستمسكات صادرة من دوائر رسمية، وقد القي بهم وسط حقول الالغام التي اودت بحياة العشرات منهم بين طفل وأمرأة أو رجل مسن، وآخرين أصيبوا بعوق مستديم نتيجة بتر اطرافهم.
ولدى عودة البعض منهم بعد زوال النظام الدكتاتوري كان أملهم أن يلتقوا بفلذات اكبادهم او اخوتهم أو الازواج المحجوزين لكنهم لم يهتدوا حتى الى المصير الذي آلوا اليه، أو المقابر التي تضم جثامينهم الشريفة، فضلاً عن طموحهم باستعادة بيوتهم وعقاراتهم واموالهم وممتلكاتهم المجحوزة والمصادرة. وها قد مضت ستة اعوام على زوال ذلك النظام القمعي لكنهم مازالوا على أمل انصافهم، والتعويض عن جميع الاضرار التي لحقتهم..
والمتابع للشأن العراقي، وبالاخص المهتمين بقضية الكورد الفيليين يعلمون جيداً مدى المعاناة المريرة التي تجرعتها هذه الشريحة منذ نشأة الدولة العراقية الحديثة في عشرينيات القرن الماضي، نتيجة لسياسة النظام الملكي واتباع سياسة تمييز طائفي وعنصري ضد الكورد والشيعة ولما كان الفيليون كورداً ومسلمين من أتباع المذهب الشيعي، فقد كان الاضطهاد مضاعفاً بحقهم، ومما اغاض تلك السلطات انخراط ابناء هذه الشريحة في الاحزاب والمنظمات الوطنية والديمقراطية ومشاركتهم الفاعلة في نشاطاتها وفعالياتها المختلفة فضلاً عن مشاركتهم في تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني عام 1946 وايضاً في تأسيس اتحاد نساء كوردستان واتحاد الطلبة والشبيبة الكوردستانية، ومشاركتهم مع القوى الوطنية الديمقراطية في الدفاع عن ثورة 14 تموز الوطنية عام 1958 ومساندتها ضد الاعداء المتربصين بها.
فضلا عن مقاومتهم الباسلة لانقلاب 8 شباط الدموي الفاشي سنة 1963. والمشاركة الفاعلة في ثورة أيلول عام 1961، من أجل الاقرار بحقوق الشعب الكوردي، في صفوف البيشمركة وتقديم الدعم المالي للثورة.. فضلاً عن اصطفافهم الى جانب المعارضة الوطنية ضد الانظمة الدكتاتورية التي تعاقبت على حكم البلاد في اعقاب انقلاب 8شباط الفاشي.
وقد جاءت هذه الهجمة الشوفينية ضد الكورد الفيليين انتقاماً منهم لمواقفهم الوطنية تلك ونضالهم البطولي في صفوف الاحزاب الديمقراطية، والكوردستانية والدينية كحزب الدعوة الاسلامية والمجلس الاعلى الاسلامي ودفعوا حياتهم ضريبة الانتماء لهذه الاحزاب. والان وبعد السنوات الست التي انصرمت منذ زوال جمهورية الخوف في التاسع من نيسان 2003..
تجد الجميع متعاطفاً مع قضية الكورد الفيليين من اجل استعادة حقوقهم وفي المقدمة منها اعادة الهوية الوطنية (الجنسية العراقية لهم) لكن الكل لم يفعل شيئاً وبقيت قضيتهم بين اروقة وملفات هيئة حل نزاعات الملكية، ودوائر الجنسية والاحوال المدنية.. ولا أظن أن أحداً يرضى بمثل هذا الوضع (اللاحل.. واللامعقول) وغير المنصف، ونعتقد أن أي منصف لا يقر بمثل هذا التأخير في اعادة حقوق هذه الشريحة المظلومة، الا الذين اصطفوا مع الطاغية صدام وحزبه الفاشي، وتقديم جميع المسؤولين عن تنفيذ جريمة التهجير الى القضاء وتنفيذ الاحكام التي تصدر بحقهم من القضاء العراقي العادل والمستقل، وعدم استثناء ضباط الامن والجنسية ومسؤولي منظمات حزب البعث الذين اصبحوا ادلاء للاجهزة القمعية الى بيوت الكورد الفيليين. والكشف عن مصير المغيبين والمقابر التي تضم جثامينهم الشريفة.
ونعيد القول: ما أهمية التعاطف مع المظلوم حين لا تنتصر له ولا يقدم اصحاب القرار حلولاً ومعالجات لمعاناتهم، باعادة الهوية الوطنية لهم من خلال اوامر حاسمة ومباشرة لدوائر الجنسية والاحوال المدنية بعدم عرقلة طلبات اعادة الجنسية لهم. وتعويضهم عن الاضرار المادية والمعنوية التي لحقت بهم جراء التهجير القسري، وتغييب الابناء والاباء والاخوة واعتبارهم شهداء الوطن وتخصيص رواتب تقاعدية لذويهم واعادة عقاراتهم وممتلكاتهم واموالهم. واصدار قرار من مجلس النواب والحكومة العراقية ومجلس الرئاسة للاعتذار الى هذه الشريحة عما لحقهم من اضرار وخسائر جسيمة نتيجة لمواقفهم الوطنية ضد الدكتاتورية المنهار.
مجداً لشهداء الكورد الفيليين مجداً لشهداء حركة التحرير الكودستانية مجداً لشهداء الحركة الوطنية العراقية وضحايا الدكتاتورية.
التآخي