الرئيسية » شؤون كوردستانية » المستضعفون الكورد و اخوانهم المسلمين ( القسم الاول)

المستضعفون الكورد و اخوانهم المسلمين ( القسم الاول)

محاضرة علميه القيت يوم السبت المصادف 21.5.1994 في المؤتمر الاسلامي الثاني لحل القضية الكوردية و الذي عقد في مدينة كولن المانية

بمقدمة للبروفسور الدكتور
محمد صالح الكابوري


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, و السلام على العباد الصالحين, وبعد
هذا الكتاب المقرؤ كان محاضرة مسموعة لعلم من اعلام الكوردستان في المهجر, هو العلامة الدكتور جمال نبز . و القضية المطروحة من اهم القضايا على المستوى المحلي و الدولي , وقد عالجها من خلال التاريخ المر و الواقع الامر, وكانت الاعين و الاذان مفتوحة لسماع ورؤية الحقائق و الدقائق مع التساؤلات كثيرة . كيف استغل الدين بحيث اصبح مغرما على الكورد و مغنما للعرب و الترك و الفرس و لا يزالون يستغلون , و كيف احتال التركي والفارسي و العربي على اخيه الكوردي ولا يزالون يحتالون متناسين اخوة الانسان للانسان و حقوق الجوار للجار على الجار و بالذات حقوق الكورد . و الكورد هم حملة العلم و المعرفة , وهم حماة السلام و الاسلام خلال تاريخ المنطقة
كيف و كيف؟
ان المراقب المحايد يرى ما يؤلم عينيه و يسمع ما يؤذي اذنيه من الظلم الصارخ الذي لا يمكن تبريره و تمريره و تبرئته, و الدلائل قاطعة في الحكم على اخوتنا العرب و الترك و الفرس بانهم شوفينيون عنصريون حسب المفاهيم الانسانية , و بانهم طواغيت مستكبرون حسب المفاهيم الدينية الا من رحم ربك منهم وهم قليلون .
تعاليم الديانة الاسلامية الحنيفة و سيرة الرسول الكريم -ص- و جهود السلف الصالح اصبحت العوبة بيد الكثيرين من هؤلاء الذين يجهلون الاسلام بعد مرور اكثر من اربعة عشر قرنا على دخولهم فيه او دخوله فيهم , و جرمهم اكبر لو كانوا يتجاهلون .
ان على الكورد قبل غيرهم ان يقرؤا هذه المحاضرة اكثر من المرة ليس للعلم فحسب بل للتذكير ايضا . لئلا يستمر الخادعون الذين خدعوكثيرا و طويلا بما فيه الكفاية وليس هناك مجال للمزيد من المتاجرة بالدين و الانسانيه و الاخلاق و الضمائر … ولقد صبر المخدوعون كثيرا و طويلا و يكاد ينفذ صبرهم …. و قد حان موعد البشارة القرانية لهم , ازفها اليهم منزلة من رب العالمين لامثالهم , فليسمعها اعداء الله الطواغيت المستكبرون من العرب و الترك و الفرس و اخرون من دونهم ….. و هذا وعيد الله
(و نريد نمن على الذين استصعفوا في الارض و نجعلهم ائمة و نجعلهم الوارثين و نمكن لهم في الارض)

كولن 27.10.1995
البروفيسوردكتور
محمد صالح كابوري


ايها الحفل الكريم
ايتها الاخوات , ايها الاخوة
احييكم بتحية مشعشعة بانوار الوئام , وارحب بكم ترحيبا معطرا باريج الحب و نكهة السلام . و اني لاشكر مسوؤلي هذا المؤتمر لتلطفهم بدعوتي لالقاء هذه المحاضرة . كما و اشكر الحاضرين و الحاضرات اجزل الشكر على هذه المساهمة الكريمة في استماع كلمتي المتواضعة هذه , راجيا من الله العلي القدير ان يوفقنا لما فيه خير الانسانية جمعاء وفي مقدمتها حشود المستضعفين و المستضعفات في الدنيا المليئة بالانانية المفرطة و الشهوات المادية المثقلة بالتحاسد و التباغض و التنافر و التناحر و التهاتف و الجشع و الطمع و الاقتتال .
قبل ان الج صلب الموضوع ارجوا ان اوجه عنايتكم الموقرة الى امرين اثنين . اولهما يخصني شخصيا وهو انني تعودت في الحياة الدنيا ان اقول ما اعتقد انه حق وصدق . ففي الوقت الذي اتمسك فيه بمبدا اداب الكلام و اتقيد بسنن احترام الغير في الخطاب , لا اسمح لنفسي قطعا ان تبلغ بي قواعد المجاملة مبلغا يضر ببنيان ما اعتبره حقا و صوابا . وهذا الحق الذي لا اراعي فيه جانب قريب او بعيد ولا اخشى في ذكره وتاييده والعمل في سبيله لومة لائم . فابغض الصفات السيئه عندي هي التملق و الرياء و هما يستلزمان بدورهما الانتهازية و النفاق و الازدواجية في الاخلاق و اللسان . لذا ارجو مسبقا من الكل ان يفهموا اسلوبي الصريح في التعامل مع الناس و الاحداث فهما صحيحا , فهو اسلوب موضوعي بعيد عن المبالغه في المحاباة و المداراة , خال من المراوغة و اللف و الدوران . وشكرا لكم.
اما الامر الثاني فهو يخص ابناء وطني الكوردستانيين المشاركين في هذا المؤتمر و الذين استقبلوني اليوم فرحين مستبشرين. الا ان بعضهم اظهر استيائه عندما علم بانني القي كلمتي باللغة العربية التي لا يفهمونها , ولهم الحق في ذلك طبعا . انني ضيف وجهت الي الدعوة لالقاء محاضرة باللغة العربية . و لما اقترحت القاء المحاضرة باللغة الالمانية او الانكليزية لتكون الفائدة اعم و اشمل و نحن في اوربا , قيل لي بان المؤتمر اسلامي عقد خصيصا للمسلمين و ليس للاوربين . ان الضيف يجب ان يقبل ما يعرض عليه من الاكل و الشرب و لغة المحادثة و غيرها دون اعتراض و انا اطعت المضيف و ارجو المعذرة .

ايتها الاخوات ايها الاخوة
انه لمن بديهيات القول . اننا خلقنا دون ارادتنا , وقد وجدنا انفسنا على وجه الكرة الرضية دون ان يسالنا احد عن رغبتنا فيه , وفي ذلك تتجلى مشيئة الخالق جل وعلا باسمى معانيها و ابلغ صورها . تلك هي من ايات ربنا الكبرى الذي خلق السموات و الارض وما بينها و خلق الانسان من ذكر و انثى و على شكل اقوام متعددة و شعوب مختلفة ومن بينها الشعب الكوردي. يدل خلق الله الشعوب كما ورده في القران الكريم ليتعارفوا, اي ليتفقوا فيما بينهم لا ليتقاتلوا ولا ليستكبر احدهم فيستضعف الاخرين . من اياته ايضا اختلاف السنتنا و الواننا . فوجود الشعب الكوردي اذن كوجود غيره من الشعوب , هو امر طبيعي و حكمة الهية ولا يمكن لاحد ان يعتبر نفسه مؤمنا بربه ثم يعمل على ابادة الشعب الكوردي , او يجعل نفسه قيما عليه فيلعب بمصيره و مقدراته او يحجب عنه شمس الحرية فيضطهده او يحاربه باي عذر من الاعذار.
ان للشعب الكوردي ماضيا مجيدا و تراثا عريقا بعمق الاف السنين , وبلاده كوردستان كانت موطن الحضارات و مهبط الانبياء , ومهد نطفة بني الانسان , و ذلك بشهادة التاريخ و شهادة الكتب السماوية المقدسة ايضا. ان سفينة نوح قد وجدت لها على جبل جودي في كوردستان مستقرا مقاما . كما ورد في الذكر الحكيم حول سفينة نوح في الاية 44 من سورة هود
(و غيض الماء وقضي الامر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين ) ولم يزل جودي , ذلك المنيع في وسط الوطن الكوردي راسيا كالطود الشامخ , شانه في ذلك شان سائر جبال كوردستان المروية بدماء اهلها , يستقبل اليوم المستضعفين من الكورد زرافات ووحدانا وهم يجدون فيه ماوى و ملاذا . بعد ان اجبروا على الفرار من قراهم و مدنهم و اضطروا الى الدفاع عن ارواحهم و اموالهم و اعراضهم , لا من اعتداءات المسيحين و اليهود , بل من نكد الدهر ومع مزيد الاسف من اعتداءات اخوانهم المسلمين من الترك والعرب والفرس المستكبرين

ايتهاالاخوات ايها الاخوة
يقول ثقاة المؤرخين بان الديانة الاسلامية قد وصلت تخوم کوردستان في العام الثامن عشرالهجري (اي حوالي 640 ميلادي). وقبل ان يدخل الفاتحون العرب المسلمون ارض کوردستان اصطدموا بقوات الامبراطورية الساسانية (211ـ651) التي کانت تسيطرعلى کوردستان و العراق وبلاد الفرس وبلوجستان انذاك وقد جعلت من تيسفون {المدائن}الواقعة قرب مدينة بغداد محرفة عن کلمة (بک داتا) الکوردية القديمة ومعناها عطاء الله . ولکن قوات الدولة آلساسانية الجرارة المدججة بالقوس والسهام لم تتمکن ان تقاوم هجوم اعراب البادية المسلحين بالسيوف فقط ، امدا طويلا ، وذلك يعود لعوامل عديدة لا مجال للدخول في تفاصيلها هنا . وباختصار القول تمکنت القوات الغازية ان تسحق مقاومة الساسانين بعد ان سقطت المدائن في اذار 637 بيد المسلمين الذين وجدوا انفسهم في الواقع داخل کوردستان ، فتم اللقاء بين المسلمين العرب و الشعب الکوردي . ويجدر التاکيد هنا على نقطة هامه وهي انه کان هنالك اختلاف اساسي کبير بين الشعبين الکوردي والعربي من حيث تصوراتهما الاعتقادية بشان الاله وترکيبة حياتهما الاجتماعية . لقد کان المجتمع العربي قبل ظهور الاسلام ـ کما تعلمون ـ مجتمعا تسوده عبادة الاوثان والاصنام والطواغيت والغرانيق و تحکمه تقاليد وعادات بدوية جاهلية متخلفة ، کؤاد البنات والصراعات القبلية المستديمة والاخذ بالثار والسلب والنهب وتجارة الاقنان و تعدد الزوجات واحتقار الصناعة والفنون والابتعاد عن الحضارة . اما المجتمع الکوردي و بفضل الديانات الغيبية المنتشرة بينهم کالميثرائية والزرادشتية واليهودية والمسيحية والمانية التي ادت الى تکوين الميثولوجيا السنکريتيستية ، فقد کان يعمه الايمان بالله الواحد الحي القيوم العاقل المفکر المنطقي غير الملموس و اللامرئي للبشر.وقد کانت الزراعة والصناعة والفنون والتجارة تتمتع بمنزلة کبيرة من الاحترام والتبجيل سيما عند الکورد الکورانين وکانت المراة تتمتع بمنزلة اجتماعية مرموقة . ومما يلفت النظر ايضا هو ان العرب في الجاهلية کانوا کوردستان والعراق وهما بلاد الرافدين [بلاد السواد] اي بلاد الاشجار والانهار والخضار والخيرات ، بخلاف الجزيرة العربية التي کانت بلاد الجفاف والرمال والصحراء والتي خلقها الله بواد غير ذي زرع . هذا وقد قاوم الکورد انتشار الديانة الجديدة في کوردستان بادئ الامر . فقد وردت في بعض الکتب المعروفة ب المغازي وفي بعض المصادر الکوردية ايضا اخبار مطولة عن اصطدامات دموية مفجعة بين مواطني کوردستان والقوات الغازية . هذا وتوجد بعض المقابر والمعابر في کوردستان تدعى بعضها مقابر الصحابة اوالشهداء واخرى بمقابر الکفار ک [ دولي ئه سحابان ] اي وادي الصحابة [دولي کافران] اي وادي الکفار في کويه وکذلك{ گردى شه هيدان}اي تل الشهداء بين قه لادزه وکه لاله کما وان الصحابي المعروف ابو عبيدة الانصاري مدفون في قرية عبابيلي القريبة من مدينة حلبجة الشهيدة . و يوجد في السليمانية الحالية مرقد لصحابي مجهول الهوية يعرف باسم [ئه سحابه سپی ] اي الصحابي الابيض ، کما وان مرقد الثائر الاسلامي الشهير ابو ذر الغفاري هو في مدينة اديامان بشمال کوردستان . وتلك کلها دلائل تشير الی احداث هذه الحقبة الزمنية من التاريخ الکوردي و الاسلامي. الا ان هناك اسانيد تاريخية اخری وجود اتصالات مباشرة بين بعض المتنورين الکورد والنبي محمد (ص). لقد كان گابان الکوردي احد صحابة الرسول وقد روی عن النبي الکريم احاديث کثيرة عن الانکحة والشؤون الاخری هذا وقد روی العلامة محمود شکري الالوسي في تفسيره المعروف بـ روح المعاني مستندا الی الاصابة في تميز الصحابة للحافظ ابن الحجر العسقلاني بان المراد من القوم الذين ورد ذکرهم في الاية الکريمة رقم 16 من سورة الفتح [قل للمخلفين من الاعراب ستدعون الی قوم اولي باس شديد تقاتلونهم او يسلمون] هم قوم الکورد المعروفين بالجلادة والشدة فمنذ ذلك الحين والمسلمون الکورد يخدمون الاسلام و جماهيرالمسلمين علی اختلاف شعوبهم وطوائفهم خدمة جلی . وتلك هي من نواح عديدة منها العسکرية والسياسية والعلمية ومنها الحضارية.
واني ليحز في نفسي ان اقول بصراحة تامة بان الشعب الکوردي قد کوفئ علی فضله العميم بالجحود الذميم و علی احسانه الجسيم بنکران الجميل و علی حبه واخلاصه بالاسائة اليه واغتصاب بلاده واذلاله و يتضح ذلک مع الاسف منذ فجر الاسلام والی يومنا هذا.