الرئيسية » التاريخ » قراءة في كتاب ((دراسات في تاريخ الكرد الحديث وحضارتهم)) القسم الثاني

قراءة في كتاب ((دراسات في تاريخ الكرد الحديث وحضارتهم)) القسم الثاني

عرض وتعليق: استعرض الكاتب بعض رحلات للذين زاروا بلاد الكرد إن أخبار الرحلات الاوربية ومعلوماتها كثيرة ومهمة وتتوزع في كتب عديدة وفي لغات شتى وتحتفظ بطبعاتها القديمة مكتبات وكذلك قسم باقي كمخطوط لم يمتد إليها ايدي الباحثين لان بلاد كرد وبلاد ما بين الرافدين زارها عديد من رحالة العرب والترك والاوربيين، على سبيل المثال رحلة ج.ج. كينير في سنة1810ورحلة ج. س. بيكنهام في سنة1816م ورحلة ك.ج. ريج البريطاني والذي قضى فترة طويلة في بغداد1808ـ1821م وزيارته للموصل والسليمانية.
وان الباحث تطرق إلى رحلة مهمة وهي رحلة نصوح افندي السلاحي بن عبدالله قره كوز الشهير بمطراقي زاده الذي كان اصله من ولاية البوسنة والذي صاحب السلطان سليمان القانوني. وفي معظم حملاته منها حملته على بلاد الفارس كان يرافقه وقد دؤّن هذا الرحالة بعض من مشاهدته على شكل مذكرات عن تلك الفترة وصفاً بعض مناطق من بلاد الكرد التي مرّ فيها أو مكث فيها مدة من الزمن منها القلاع التي كانت في اربيل وحرير وشقلاوة وخفتيان التي كانت موجودة ضمن أمارة اردلان(دوران) وحران(وهي هيران) قرب شقلاوة،وقلاع اربيل وحرير وخفتيان وسرجه، وشمران، وسروجك، متصلة،(لعلها مشيخة، من القلاع القديمة المندثرة في مناطق جوانرود واورمان) وقلعة ظالم(زلم) وقلعة كلكون وهي قلعة(قزلجة). اضافة إلى ما كتبه عن بلاد شهرزور.
اما الرحلة الثانية وهي رحلة اوليا جلبي التركي وكتابه المشهور الموسوم بـ(سياحتنامه سى) وهو(تاريخ سياح).
وان اسم اوليا جلبي الحقيقي هو(محمد ظلي بن درويش) ولد عام(1020هـ / 1611م) من أسرة مثقفة بمدينة اسطنبول، فهو قد سلك في رحلته إلى بلاد ما بين النهرين ماراً بجيالها ووديانها وممراتها وقلاعها، ومدنها منها أربل، والموصل، والعمادية، والجزيرة، وحصن كيفا، وان ما دؤّنه عن هذه المناطق من ملاحظات ذات أهمية كبيرة لانها تتناول لمحات عن جغرافية بلاد الكرد الجنوبية ومدنها وتقسيماتها الادارية واحوال البلاد العسكرية. وان اوليا جلبي استخدم مصطلح كردستان بمفهومه الطبيعي لا الإداري فكردستان عنده هو ذلك الاقليم الذي تنحدر منه مياه الانهار المتدفقة في نهر دجلة.. اما ادارياً فكان معترفاً بها من قبل الادارة العثمانية والذي كان يشغل العديد من التشكيلات الادارية العثمانية وهو يتحدث عن ايالة شهرزور، ومن ملاحظات المهمة التي دؤنها عن الاقطاعيات العثمانية والتي كانت مقسمة إلى ثلاثة أقسام وهي الخواص، وزعامت، والتيمار وعن الخاص: والذي وضع منطقة(زنكاباد: يبلغ(270000) قرش، ومن جنكوله(2000000) قرش ومن قره داغ(804378) قرش، وقره خان(وهي جلولاء) (200000) قرش ومثلها آل صالح.
وان هذه المبالغ التي كانت تأخذه الدولة العثمانية كبيرة تدل على خصوبة تلك المناطق ووفرة نشاطها الزراعي وعندما يتكلم عن ولاية الموصل يشير إلى انها كانت تضم سناجق(بانه) و(باجوانلو) و(هورن) وهي مناطق كردية ضمت إلى الولاية لاسباب تتعلق بجباية الضرائب.وعندما يتكلم عن مصطلح اقطاعية العسكرية التي كانت ولاية الموصل قد وضعت ضمن اقطاعية العسكرية فان هناك وثيقة عثمانية تبين بان أراضي لواء كركوك كانت قد افرزت هي ايضاً ضمن النظاع الاقطاع العسكري العثماني.اما بخصوص موقف الامراء ومشيخات الكردية من الباب العالي فان اوليا جلبي يقول: ان جميعهم رؤساء العشائر والقبائل فيها والذي كان عددهم يزيد على ألف وستين أميراً ورئيساً وحسيباً، عرضوا الطاعة على السلطان مراد الرابع حينما استعادوا بغداد من يد الفرس عام 1048هـ/1638م وقد جلبوا معهم الهدايا والتحف.وعن أهمية بلاد الكرد بالنسبة للاستراتيجية الامنية للدولة العثمانية يقول اوليا جلبي((ان كردستان هذا لو لم يكن سداً منيعاً وحاجزاً قوياً بين آل عثمان والعجم لكان العثمانيون في حيص وبيص وقلق وخوف مستمرين من العجم الذين هم أعداء ألداء وخصوم شرسون)).سياحتنامة، مصر، ص92.وقد قسم اولياجلبي المجتمع الكردي في القرن السابع عشر إلى القبائل والطوائف فقال بان هناك ستة ألاف قبيلة وعشيرة كردية وان حياة اكثر القبائل الكردية كانت تعتمد على الترحال طلباً للماء والكلأ وتعتمد اقتصادياتها على ما تمتلكه من الثروة الحيوانية، لان الحياة في بلاد الكرد صعبه أراضيها جبلية وعرة يصعب الزراعة فيها لقلة أراضي الخصبة ولكثرة الشعاب والمنحدرات الجبلية.وكانت القبائل تنتقل موسمياً بين المصائف والمشاتي بحثاً وراء الكلأ والمراعي فمع حلول فصل الربيع تتجه نحو الزوزان (مصافي) حيث مرابعها ومصايفها المنتشرة في سفوح الجبال والشعاب وعندما يحل فصل الخريف ويشتد البرد تدريجياً وتنفذ المراعي تهبط القبائل إلى المناطق السهلية الدافئة وتعود إلى مشاتيها وقراها . ولكل قبيلة زموم ومراعي خاصة بها يعرف الواحد منها بالزوم(زومة) وتعني محال الاكراد.ان تاريخ العشائر الكردية يمثل أنموذجاً لما تعانيه دراسات المعاصرة من نقص فادح في مثل هذا المجال المهم من مجالات كتابة التاريخ فاكثر معلوماتنا في العصر الوسيط عنها مستمد من مصادر تاريخية كتبها مؤرخون مصريون أو شاميون، واغلب ما نملكه من معلومات عنها في العصر الحديث كتبه مؤرخون ايرانيون أو عثمانيون. ان ماكتبه”اوليا جلبي”في”سياحتنامه سى” يحتاج إلى اكثر من وقفه ودراسة لغزارة المعلومات التي وردت فيها.وكتب الباحث دور العلماء الكرد في النهضة العلمية في مدينة بغداد تلك المدينة التي كانت حاضرة العالم الاسلامي والتي أصبحت مقصداً لاقوام شتى قصدوها لغايات مختلفة، اقتصادية واجتماعية وثقافية، فسكنوا فيها، واسهموا في انشطتها الحضارية.؟ وان أول تجمع للكرد في مدينة بغداد كان في محلة(باب الأزج) وهي اليوم محلة(باب الشيخ) لقربها من ضريح الشيخ عبدالقادر الكيلاني(471ـ 561هـ). وكان عدد من تلامذته ومريديه من الكرد امثال(جاكير الكردي، والشيخ ماجد الكردي، وغيرهم، وقد أسهم هؤلاء في توسيع مدرسة الشيخ عبدالقادر الكيلاني والتي اشتهرت بالمدرسة القادرية. وفي القرون التالية نزلت بعض العشائر الكردية منهم “كلهر”إلى بغداد. ويضيف قائلاً: ان نقابة الأشراف في بغداد والتي اتخذت من تكية الشيخ عبدالقادر الكيلاني دكان هذه النقابة تتخذ من الكرد النازحين والمستقرين في منطقة “باب الشيخ” بالقرب من ضريح الشيخ عبدالقادر الكيلاني يستخدم كقوة ضاغطة على حكومة الولاية، لاسيما في القرن الثامن عشر. وكانت هناك عدداً من الأسر العلمية الرفيعة، مثل آل الحيدري، وآل الزهاوي، وآل القره داغي، وآل الزند التي وليت مناصب شرعية مهمة في القرن التاسع عشر، لاسيما الإفتاء والتدريس( ). وكان للاكراد زقاق عرف باسم(عقد الكرد) وعرفت فيما بعد بـ(تبه الكرد) وقد سميت بهذا الاسم نسبة إلى وجيهاً كردياً يدعى السيد محمد امين باشا إمام، أي رئيس الأئمة اشترى فيها دوراً كثيرة بلغت عشر داراً وقفها على ابنائه فصار يسكنها الاكراد النازحون من بلاد الكرد إلى بغداد.وان الوثائق العثمانية تكشف بان دماء الابناء الشعب الكردي امتزجت مع الدماء اخوانهم العرب في دفاع عن ارض العراق وجاء في الوثيقة المؤرخة في19رجب(دفتر مهمة 15الرقم 348) تتضمن تقريراً من امير امراء البصرة يشير إلى ان الاعراب(يعدون العدة للاعتداء على البصرة، ولذا فإن امراً صدر إلى (امير أمراء شهرزول) بدعمه. وفي28رجب صدر امر سلطاني(دفتر 5 الرقم 1024) يطلب فيه أمير أمراء بغداد(باتخاذ التدابير العسكرية الواجب اتباعها) لرّد هجوم الأعراب على البصرة. وهنا يبرز دور قوات إمارة بهدينان مرة أخرى في القضاء على هذه الاضطرابات، فورد في الوثيقة المؤرخة في 28 من رجب(دفتر مهمة 5 الرقم 1025) أن امراً صدر إلى كل من امير امراء شهرزول ودياربكر والبصرة و(سلطان حسين بك حاكم العمادية) يقضي(باتخاذ التدابير العسكرية) لرّد(عدوان اعراب الجزائر)، مما يؤكد أن دور امير بهدينان لم يعد يقتصر على المحافظة على إيالة شهرزور في مدة غياب امير امرائها بقواته للمشاركة في العمليات العسكرية في البصرة.وتشير الوثيقة المؤرخة في رمضان من السنة نفسها(دفتر مهمة 5 الرقم 1361) إلى أن تقريراً من البصرة ينوه بمن سماهم(فتيان الكرد) بوصفهم من القوات الموجودة في البصرة آنذاك، ففي سجلات الأرشيف العثماني عشرات الوثائق التي تكشف عن مشاركة فعالة للمقاتلين الكرد في حرب”اهوار” حقيقة، سجلوا فيها انتصارات باهرة.
وتطرق الباحث إلى اهمية العلم في كردستان واهتمام امراء الكرد بالعلم والعلماء وهو يشير إلى ما قام به امراء امارة بهدينان في العمادية والذين قاموا بأنشاء مدارس ووقفوا لهذه المدارس من الكتب واموال وأراضي واغدقوا من المال على العلماء والطلبة. ومن هذه المدارس منها مدرسة المسماة بـ(العتيقة) والتي كانت تعرف في عهد نشوء امارة البهدينان بـ(الزاهية) نسبة إلى مؤسستها الأميرة “زاهدة العباسية” (ت729هـ/1328م) ونسخت فيها مخطوطة(شرح الايجاز) سنة1040هـ/1630م ومدرسة(القضاء) والتي وردت الاشارة إليها في آخر مخطوطة(التحفة). ومدرسة(قبهان) التي تعد من أقدم مدارس المنطقة. وان”ابن الحاجب”النحوي(توفي سنة 646هـ) قد حصل على العلم من هذه المدرسة ودرس فيها حيناً من الدهر. وتم ترميمها ايضاً من قبل السلطان حسين امير امارة بهدينان التي كان مقرها في العمادية وسماها بأسم(قباد خان). ثم تحرف هذا الاسم إلى(قبهان).وتعد هذه المدرسة أنموذجاً للمدارس المتكاملة في خدماتها، حيث كانت تضم فناء واسعاً في قبلية مسجد واسع، له قبة، يتقدمه رواق ومصلى صيفي، وايوان يطل على الفناء وحجرات مختلفة الأبعاد خصصت لسكنى المدرسين، وغرفاً لسكنى الطلبة، ومسجداً له مئذنة،ومخزناً، وحماماً، وإسطبل، وطاحونة، ووصفها بعض من عاصر آواخر عهد التدريس فيها بإنها(كانت على الرغم مما طرأ عليها من عاديات الزمن مختلفة بوقارها وجلالها وشبء كثير من جمالها وكانت كأنها قطعة من الجبل.. صيغت صوغاً في قالب، وكانت فيها خزانة كتب حافلة بالألأف من المجلدات في مختلف العلوم اكثرها من وقف السلطان حسين. وقيل أنه كانت لمدرسة “قبهان” علاقات علمية بالجامع الأزهر في القاهرة وان وارداتها المالية التي كانت تصل إليها من بلاد الفارس فحسب تقدير بحقة من الذهب وحقتين من الفضة، فضلاً عن مائة حمل من الدقيق سنوياً، وتنفق على طلبتها الذين بلغ عددهم نحو مائة طالب. ومن مدارس اخرى في العمادية مدرسة”مراد خان” المنسوبة إلى مؤسسها الأمير مراد خان بك الاول(1048ـ1072هـ/ 1638ـ1661م) كانت تقع عند احد أبواب المدينة وكانت التدريس في مدارس العمادية يتم التدريس العلوم اللغوية والشرعية والأدبية. وكانت في العمادية مدرسة(الطب والاستشفاء) ظهر فيها شيخ بعمامة بيضاء، وهو يجلس على سجادة مزخرفة، وضعت على أرضية زرقاء، ويجلس امامه تلميذ شاب بعمامة بيضاء ايضاً وهو يرتدي الطليسان. على ان هذه المدارس لم تكن هي الوحيدة التي احتجنت حركة العلم والتأليف والنسخ في العمادية بل هناك مراكز اخرى في المنطقة شاركت في حركة ثقافية.
التآخي