الرئيسية » الآداب » المونودراما في الشعر الكوردي

المونودراما في الشعر الكوردي

أيُّهما الأهم: كيف تقول القصيدة، أم ماذا تقول القصيدة؟ هل يوجد في الأدب الكردي مونودراما؟ لكن ما هي المونودراما؟
يقول الدكتور عبدالعزيز حمودة(إذا أردنا تاريخاً محدداً لظهور المونودراما فهناك اتفاق على أنَّ الشكل بصورته المعروفة الآن لم يظهر إلا في السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر ما بين 1775-1780 على يد ممثل ألماني اسمه براندز) . لكلِّ نصٍّ شعري عدة أسئلة يثيرها، متنُ النص، وعلاقات دواله ببعضها، لكن إذا أردنا البحث عن المونودراما، فعلينا البحث عن الأسئلة التي في بنية الشكل الخارجي للنص، لا نوعية العلاقات والمواضيع، لا تتمرد الدوال على دلالاتها بغير دليل، ولا تتمرَّد الأشكال الخاصة بكلِّ جنس، على الشكل السائد لذاك الجنس بغير إبداع، ربما لم يخطر ببال الشاعرة المغتربة خلات أحمد أنَّها تحاول مسرحة القصيدة بتهجينها بالمونودراما، ونحنُ لا نثقُ بنوايا الشاعر، بقدر ما نثقُ في القصيدة، والشاعر في جوهره: مشروعٌ لتحقيق غير الممكن بواسطة اللغة، كلمَّا حقَّقَ شكلاً جديداًً، سعى إلى شكلٍ آخر، والاختراع والاكتشاف هو طابع الوجود الإنساني، بإجراء حوار وهمي بين عاشقين، كَثَبْتْ تعريفي بمساعدة إحدى أخوات كان(لا زال)تعزف أغنية الصمت والوحدة والغربة والمنفى والحزن، وكلُّ هذا ما غَرْغَرَ النصَّ الشِّعري، فانسالَ بين الدوال المُثْبَتَةِ بنفيها ليعلن عن سرِّ الموسيقى في مونودراما الشِّعر الحديث(لا تنبعُ الموسيقى في الشِّعر الجديد من تناغم بين أجزاء خارجية وأقيسة شكلية، بل تنبعُ من تناغم داخلي حَرَكي هو أكثر من أنْ يكون مجرد قياس. وراء التناغم الشكلي الحسابي، تناغم حركي داخلي هو سرُّ الموسيقى في الشِّعر) ، في قصيدة “قامتي الرمح المزين بألف جديلةٍ” من ديوانها مذكرات “زهرة الأوكاليبتوس”:
(- لا زلتُ كما تعرفني جميلة وهادئة، أحبُّ السير تحت المطر وحدي, أمتلأُ بِكَ دُونَك.
لا زلتُ قادرةً على ابتكار ضوءٍ صغير والإدعاء أنَّكَ هنا). فتثبيت الصفات بالفعل الناقص لا زال، وهو من أخوات كان التي يُشترَطُ فيها كما في “انفكَّ وفتيءَ وبرحَ” أن يتقدَّمَها نفيٌ، نحو {لا يزالونَ مختلفينَ} و{لن نبرحَ عليه عاكفين}، أو نهيٌ، كقول الأعشى ميمون(ويا أبتا، لا تزل عندنا/ فإنا نخاف بأن نحترم، وقول الشاعر(صاحِ شَمِّرْ، ولا تَزَلْ ذاكِرَ الْمَوْ/ تِ فَنِِسْيانُهُ ضَلالٌ مُبِينُ)أو دُعاءٌ، نحو “لا زِلتَ بخيرٍ”. فالحبيبة تناجي حبيبها بأنَّ صفاتها ثابتة(جميلة، هادئة، تحب السير تحت المطر، ممتلئةً به مع غيابه) ثم يتكرر الفعل الناقص لا زلتُ كتأكيد لفظي على قدرتها على الابتكار والادِّعاء وهما من المخيال الشِّعري. ثم تقول الشاعرة:
(- هادئةً على نحوٍ ما/ طافحةً بالخصب/ سكنتُ لقلبك/ لتفيض الأنهار لي/ تنقشني الغابة بالحفيف/ وإضمامة يدكَ تدلني للمقاصد/ فأفوح/ قبل أن تخفت الأضواء/ وأترك العتمة تجرك إليها…كإنما أنسياب العرق على صدري في الحمى, مداعبتكَ لي. لا بد أنكَ تتنفس في هواء هذه المدينة وإلا فلماذا أرتعش؟) ثم يجيب العاشق(- قطفتُ لكِ من حديقتنا باقة نرجس, قرأتُ عليها اسمكِ, نفخت فيها, امتلأ فضاء المدينة بشذى أمسياتنا البعيدة. تعالي…… أيا ليتني الحمى ترتعشين فيها) وتقول الشاعرة:
)- عابرةً شوارع المدينة, لازلتُ أشذب النار ذاتها, أتعلم احتمال حزني لوحدي, أترك ” دلشاد ” يحّز قلبي بقوسه النغم, أخزّن لكَ كل ما في ملاحم الكورد من عشقٍ ولوعة, أرهقها ، على ذراعيك أنى أتيتني. هكذا…. أكمل الحلم فيضاً ففيضاً, أترك المساء يتلوني حزناً أوقد جناحيه للغياب.. وأبتسم. إذ تهبّ عليّ مساءاتنا البعيدة). فيجيب هو( – متعب ٌ يا حبيبتي وحزين/ تحيد الدهشة عني/ عائدٌ من الكهوف بذاكرة ٍ فاجعة, أسأل الجودي طيفك, أغمض عليه عينيّ, يتكاثف رحيلاً بعد رحيل. وحيدٌ لما تزال النار مشتعلة ً في داخلي. كيف أدون المحرقة ثانية ؟ ما أنا طائر الفينيق ولا أنت العنقاء يا نرجستي الحزينة.
هنا تشتاقكِ أعشاب أيار المكتنزة, تروي لي رغبة ً أضمرتُها في مرورنا بها صيف ذاك العام, وهذا نبضك ِ يؤرق ليلي) هذا المونولوج الشِّعري بين حبيبين، تأكيد الحبيبة للحبيب المُنتظَرْ، يتأتَّى من الحياة العقلية معجونةً مع الكلمات التي تحفرُ في أعماق النفس البشرية كَقِوَى مُتَخيِّلَة تبغي أنْ تكشف خبايا الحبيب والحبيبة، في حوار وهمي مُتَخيَّلْ من عجينة الماضي بالوهم كبديل عن الواقع، ومنذ قصيدة “بما يكفي” (قانيةً/ كانت أزهاري هذا العام/ موسمي زاخر/ أفلا تمر من هنا؟/ لأبذل لك حَبَّاتي)، لكنَّها مناجاة من جانبٍ واحد، وأنَّها لا زالت على عهدها، وردُّ الحبيب الذي من غير الممكن الاستيقان منه، مع محاولة استيهام وجوده(والإدعاء أنكَ هنا)، هذه المونودراما الشِّعرية هي تركيبة مسرحية قصيرة، من مونولوج داخلي، أو مناجاة، والمونولوج(نشاط أُحادي لمرسِلْ في حضور مستمع حقيقي أو وهمي) ، لكن إذا كان حقيقي، سيكون حواراً تقليدياً كأيِّ حوارٍ آخر، ويقول د.عبدالعزيز(المونولوج يقوم على لحظة نفسية معينة في تطور الشخصية باعتبارها جزءاً من الحدث الدرامي، فإنَّ المونودراما تعتبر تضخيماً لتلك اللحظة لتصبح: لحظات تمثل في مجموعها وتتابعها داخل نفس الشخصية الواحدة..ورغم أنَّ المونودراما تنحي نحو الدراسة النفسية، إلا أنَّ ذلك لا يلغي عنصر الحدوتة تماماً) ، والمناجاة شخص يفكِّر وحده بصوتٍ عالٍ أو منخفض(مثال: لن أنتظره طويلاً، نعم ولكنَّهُ سينزعج كثيراً، لا يهم) ، وللمناجاة طعمٌ خاص، تستلِّذُّهُ الأرواح البشرية، لما فيها من صفاء ونقاء، لأنَّها تأتي بألطاف الحبيب، ومناجاة المتصوِّفَة لربِّهم، لكنَّ ابن عجيبة يشرح لنا مناجاةً من نوعٍ آخر(يقول المصنف في التنوير في مناجاة الحق تعالى على ألسنة الهواتف أنا أجللنا قدرك أيها العبد أن نشغلك بأمر نفسك فلا تضعن قدرك يا من رفعناه ولا تذلن بحوالتك على غيري يا من أعززناه ويحك أنت أجل عندنا من أن تشتغل بغيرنا.. فإن أشتغلت بنفسك حجبتك وأن اتبعت هواها طردتك وإنْ أخرجت عنها قربتك وأن توددت لي بإعراضك عما سواي أحببتك..محبة الأشياء والطمع فيها سببٌ للذل والهوان والتعبد لسائر الأكوان وأنَّ الإياس من الأشياء ورفع الهمة عنها هو سبب العز والحرية والتيه على الأقران ولله در القائل حيث فالذل والهوان والتعبد لسائر الأكوان وأن الإياس من الأشياء ورفع الهمة عنها هو سبب العز والحرية والتيه على الأقران) . ما هي هذه الهواتف؟ هل هي خيالات ورؤى المُتَصَوِّفَة؟ و(المناجاة الثالثة بقوله إلهي أن اختلاف تدبيرك وسرعة حلول مقاديرك منعا عبادك العارفين بك من السكون إلى عطاء واليأس منك في بلاء” قلت اختلاف التدبير هو إقامة كل عبد في حكمته على حسب إرادته ومشيئته من فقر أو غنى.. إلى غير ذلك.. وسرعة حلول المقادير هو تبديل تلك الأحوال في أسرع حال، من فقر إلى غنى.. ومن علم إلى جهل.. ومن إيمان إلى كفر والعياذ بالله) ، لماذا التفريق بين اختلاف التدبير الإلهي وبين سرعة حلول المقادير؟ والتيمة المشتركة للمونودراما هي القهر التي تتعرَّض له شخصيات المونودراما، أمَّا المونودراما الشِّعرية هي محاولة لاستدعاء للحظات سعيدة من الماضي، في صورٍ مختلفة، كرد فعل لتلك اللحظة السعيدة أو الحزينة، كانت مفترق طرق، أو تَسَبَّبَت في جرحٍ غائر. كما تقول الشاعرة أرخوان في قصيدة “توقفت أزمنتي على ساعة الاشتياق لك” ومنذ عتبة العنوان تبدأ المناجاة(-2-أبحثُ عنك كلَّ يوم/ بين المارة/ حين يملأني اليأس/ من رؤيتك/ أبحثُ عن أحدٍ يشبهك/ وهل هناك من يشبهك؟-3- أبحث عنك في دفاتر الذاكرة/ أبحثُ عن/ كلمات تركتها/ عن قبلةٍ نسيتها/ عن أريج أنفاسك المتبقية/ عند تباشير الصبح/ من ليلةٍ ثَمِلَةٌ بالحب) ، الأنثى تبحث عن ذكرٍ، وتناجيه، زَارها في رؤيا منامٍ أو حلم يقظة مُتَخَيِّلاً، والذكر يبحثُ عن أنثى، ويناجيها، في رحلة العمر، ولا رجال ولا نساء.
ولا شكَّ أنَّ هذا الجنس الشِّعري الهجين، يمنحُ النص فرصةً أكبر لِيَمْتَح من تعدد الأصوات، للتعبير عن جوهر العلاقات الإنسانية، كما يقول الكاتب المسرحي أنطوني سفيرلينغ(المسرح كالشِّعر، هو أكثر الفنون قابلية في استخلاص ما هو جوهري) .
بطلة المونودراما الشِّعرية، كجميع أبطال المونودراما، تتسلَّى في انتظارها بالمناجاة، كما في قصيدة “غمام” (إذا مررتَ بالجرف المجاور/ توقف قليلاًَ/ إلتفت إلى الظبية الذبيحة/ تنفس قريباً منها/ قد تشمّ رائحتك/ تفتح عينيها/ وتراك/ قبل أن تمضي). فهو ماضٍ ولا يزال ماضٍ في دربه(إذا مررتَ/ توَّقَّفْ قليلاً/ قبل أنْ تمضي)وهي تنتظرُ ولا زالت تنتظرُ مُغْمِضَةً عينيها، وستظلُّ كذلك…
التآخي