الرئيسية » مقالات » ولائم من نار !

ولائم من نار !

فصل من كتاب (*)
———————

الخطأ لا يحمل معنىً سلبياً دائماً ,
فإذا كان واقع الإنسان مزرياً مثلاً وأمامَه إمكانية لتغييره نحو الأفضل وكانت هذه الإمكانية تحتمل النجاح والفشل أي تتطلب الإختبار فهنا لا بد من خوض هذه التجربة فإذا نجح الإنسان فيها فقد تخلَّص من واقعه الذي كان يؤلمه
وإذا أخفق فيكفي أنه حاول
حيث أن الإنتظار او التسليم بالقدر او اليأس هو الخطأ الفادح عينَهُ .
قالت السمكة لقُبَّرةٍ كسيرة الجناح وقد رأتها تقف على الضفة حائرة حزينة : كم تعطينني لكي أجعلك تعبرين الى الضفة الثانية من النهر حيث عُشُّك ؟
أجابت القُبَّرة : أعطيك حياتي !
فعرفت السمكة أن القبَّرة مستعدة للمغامرة ولا تخشى الموت
فطلبتْ منها أن تحطَّ على ظهرها ففعلتْ
وأوصلتْها برفقٍ الى الضفة الأخرى ودون مقابل !
من جهتي انا فربما لم أعش في حياتي يوماً واحداً يمكن أن أقول عنه أنه خالص السعادة إلا فيما ندر فقد كانت هناك دوماً منغصاتٌ
وهذه المنغصات تهجم عليك أحياناً دفعةً واحدة كحشد من الصقور يريد نهشك !
ياربُّ أما كان من الإنصافِ
– وحاشاكَ من الإجحاف –
أنْ تسقيَني آلامي على جرعاتٍ !؟
سبحانكَ لكنَّ عزائي وهو قليلْ
أوراقي المغمورةُ بالسلمِ
ونوباتِ التقبيلْ !

********

يتحدثون عن الحكمة …
الحكمة عندي هي معرفة الإنسان لجَدواه , وهنا لا تنفع الفلسفة بل كل الفلسفات تتجمع في أن يتأمل المرء ماضيَهُ فمنه يستمد المعنى حتى وإنْ كان ضئيلاً او مريراً ولكنه معنىً على أية حال .
كتبَ لي أحد أصدقائي الفنانين الماهرين في الرسم يقول :
انا أحمق , ان حزين , انا محروم , انا فقير … نعم ولكنني لستُ عدماً .
إبن آدمُ العادي لا يطرح على نفسه هذه الأسئلة بشكل جاد إلاّ حين توشك قدمُه أن تتزحلق قريباً من القبر , وهو بالتأكيد لن يحصل على جوابٍ شافٍ ولكنه يعوَّل على أيادٍ غيبيةٍ تنتشل فرائصه التي راحت ترتعد .
هذا هو الإنسان في كلِّ زمان ومكان .
دار نقاشٌ بين صوفيٍّ ومتديِّن ,
قال الصوفي في السياق : إذا متُّ فأتمنى أن يُلقى بجثتي الى الوحوش .
قال المتدين : إتَّقِ الله ! فهي ستفترسك كُلَّكَ .
ردَّ الصوفي : ألا تفعل الأرضُ الشيءَ نفسَهُ ؟
قال المتدين : ولكنْ لجثة الميت حرمتُها .
قال الصوفي : هذه قناعاتك ثم ما الذي يجرح هذه الحرمة ؟
ففي حالة الوحوش فإني سأفنى خلال دقائق أما تحت التراب فسيأخذ الأمر سنوات .
ثم غاب الصوفي في سكرته !

طواحين هولندةٍ إذْ تدور
يدور الفضاء ,
تدور الكؤوس ,
ومرعىً فمرعىً
وحاضرةً حاضرهْ
يقظتي قارةٌ واختفتْ مثلما باخرهْ
كان قاع المحيط كما الريف أخضرَ
والأفقُ أحمرَ كالآخرهْ

********
وقفتُ على بحر الشمال , ناديتُهُ :
قلْ لي كم من الأنهار المجنونة تضافرتْ حتى كوَّنتْكَ ؟
وهل للفرات او النيل نصيبٌ في صنعك !؟
أم انت دمعة حبيبة ظلت تتسع كلما طال أمد البعد , وطالما لا أملَ هناك في لقاء قريبٍ لذلك أصبحتَ أنت هكذا بلا سواحل !؟
العالِم الحاذق تحلَّلَ في مختبره وذاب
والطبيب هجرَ مرضاه وسكنَ القفار ليكتبَ مذكراتهِ بيدٍ ما زالت ترتدي قُفّازاً
والتلاميذ اعتصموا في مقاعدهم مطالبين بتعديل ملامح المُعلِّمين الجامدة
والنجوم راحت تتلاصق علَّها تشكِّل كتلةً تضاهي حجم الشمس حيث الناس ما عادت تعشق الليل .
أمّا انا فوحدي السهران !
وإذا فشلتُ فالحُب هو الذي ينتصر
وبالأمس أقمتُ ولائم من نارٍ
ودعوتُ الفراشات لتحترق
ورحتُ أخيطُ الأمواج بالعُشب
ودعوتُ الظباء لتغرق
وعلَّقتُ الكؤوس في رقبة غيمة
ودعوتُ السكارى أن يرفعوا أيديهُم للدعاء !
——————————————–
(*) فصل من كتاب قصصي نثري شعري بعنوان : النهرُ الأول قبل الميلاد .
(-) أعرق الحضارات هي تلك التي أقامها الإنسان على ضفاف الأنهار ويكفي أن نذكر حضارة وادي الرافدين ووادي النيل حتى نتبيَّن ذلك وأمّا عنوان الكتاب فهو الذي فرضَ نفسهُ او فاض بنفسه ِ !
———————–
كولونيا
شباط – 2009