الرئيسية » مقالات » الكبار لا يموتون

الكبار لا يموتون

نحن الآن في مقبرة نائية ، في دوار ناء جدا ، لم تلتزم الحكومات المتعاقبة على إيصال الكهرباء والماء الصالح للشرب إليه كما وعدت . نوسد التراب كل من كان يظن نفسه عظيما قبل موته : وزراء ، رؤساء أحزاب ، جنرالات ، رجال مخزن وسلطة ،…نح المواطنون العاديون ، والكتاب والصحافيون والمثقفون والمستضعون …منا من كان يتمنى موت هؤلاء ، ومنا من يتحسر عليهم ويحسبهم من شهداء القرن الواحد والعشرين ، بل وينظم قصائد الرثاء في حقهم . للأسف ، مازال منا من يحن لأيام المتنبي والفرزدق وجرير …
يحضر فقهاء الدواوير المجاورة ، يجلسون فوق القبور الأخرى التي شيدت من قبل ، قبور المقاومين الشهداء الذين دفعوا بدمائهم من أجل الاستقلال والتحرر ، ، يقرأ الفقهاء سورة (يس) ، ثم يردفونها بدعاء للأموات ويتمنون لهم مقاما طيبا في الجنة .
واقفا أحسست بقشعريرة مفاجئة ، ببرودة شديدة تستعمر جسدي ، بمخالب الموت تنخر عظامي ، وتهز أوتار أعصابي الحديدية ، التي ما اهتزت من قبل ، ولا شعرت بمثل هذه الأشياء أبدا .
كنت بين النهاية والبداية ، بين الفناء والبقاء ، بين الموت والحياة ،…بين الموت لأنني حلمت يوما من الأيام أنني أصبح وزيرا ، الحلم بالوزارة قد يفقدك لذة الحياة . هذا ما كان يقوله لي أحد الأصدقاء دائما . وبين الحياة لأنني ما زلت مواطنا عاديا أشارك في دفن هؤلاء الميتين والدعاء لهم وعليهم .
انتظرت الدعاة حتى ينتهوا من دعائهم ويرين الصمت بين الحضور في وقفة صمت على أرواح الميتين كما جرت العادة بذلك كلما مات عظيم في المجتمع بيننا . تحسرت كثيرا في نفسي لماذا هذا التمييز في وقفات الصمت بين البشر ؟ لماذا نقف دقائق صمت قدر تطول أو تقصر على كل شخص مشهور أو مسؤول ، ونعلن أيام الحداد والجوع والعطش ، ويكثر البكاء بيننا وبين نسائنا وأطفالنا وشعرائنا وفنانينا ، بينما يعم الضحك والفرح والسرور ، وتفتح البارات والحانات إذا مات شخص من العامة وكأنه كلب وزير ، أو قط زوجة كاتب عام لحزب ما …
كانت النساء الجالسات على بعد أمتار ، موشحات برداءات سوداء ، والعويل يعم المكان مثل سمفونيات فنانينا المعاصرين جدا . كانت النفس تتقزز ، وتستغرب لم البكاء على مثل هؤلاء ؟ ماذا فعلوا بحياتهم حتى يستحقوا منا الرثاء لهم ؟ العمل الوحيد الذي بقي لهم قبل مماتهم ، هو أن يبيعونا الشمس والأكسجين ؟ فالحمد لله على رحيلهم قبل أن يظفروا بهذه القفزة الحكومية …!
وبهذا العمل – قبض أرواح هؤلاء – صار في عرفنا نحن العامة أن ملك الموت هو المرشح الأكبر للفوز بالانتخابات المقبلة .
في أثناء مراسيم الدفن الأخيرة ، وردم التراب على اللحود ، شدتني صورة لطفلة صغيرة تصدرت جموع النساء بضحكتها الصغيرة البريئة ، وكأنها تحاول أن تشمت بالميتين . كانت صورة هذه الطفلة مثل كاميرا مخرج جديد انبعث من بيننا لينقل إلينا فنا جديدا بعيدا عن أعين السلطة ينفذ إلى قلبنا لينعش فينا الحياة من جديد . ترقبت كثيرا ابتسامة الطفلة والأفكار تتعالى في ذهني وترسم لوحة تشكيلية مختلفة عن كل المدارس الموجودة بالساحة الفنية . تساقطت الأفكار في عقلي : كيف تجرؤ هذه الصغيرة على السخرية من كبار المجتمع والضحك من موتهم ؟ ألا تخاف أن يروها وينتقموا منها ؟ أتظن هذه الجاهلة أن الموت قد أنهى أسطورتهم ، وأنهى بقاءهم ؟ فهي واهمة إذن !
لم يكن مشهد الجنازة العظيم حقيقيا في رأيي على الأقل ، أنا الذي عشت كثيرا على أمل نهاية هذه الأسطورة أكثر من سني ، أنا الذي خبرت كل حيل الحياة في بيتنا بين بيوت العالم جميعا ، ولم أجد سوى الكذب والنفاق ، واللاموت الذي يعم حتى يغطينا بلعاب الأرواح المتحكمة في مصيرنا ، أنا الميت بين أجساد أقبرت في لحود الدنيا ومازالت تمشي وتتحكم في مصير العباد …
شدتني حالة ، قليلا ما تنتابني في الحالات النادرة ، وخصوصا في حالة الفزع والخوف . بدأت أسناني تصطك وشعري يقف عن التنفس ويتشعث وتتداخل فيما بينها الشعرات الطويلة والقصيرة . وتحسست بشيء من الرهبة كأن الأرض تهتز من تحتي وتتشقق . ثم تنفتح القبور المردومة كلها . وكانت الصدمة الكبرى على الجميع ، والذين كانوا قد بدأوا قبل قليل الإحساس بالراحة والطمأنينة بإقبار هذه الأسطورة إلى الابد . وتساقطت صورة الجثث المدفونة وهي تخرج تباعا من قبورها ، على الجميع مثل صعقة كهربائية أنهت أحلامهم بكاملها إلى النهاية ، بينما تجمدت في مكاني لا أتحرك كتمثال محكوم عليه بالإعدام . ولم أعقل إلا عبارة خرجت مني دون أن أحس بها : الكبار لا يموتون أيها الناس ، إنها معجزة بيتنا هذا …!!

عزيز العرباوي
كاتب من المغرب