الرئيسية » مقالات » رسالة حب مفتوحة الى أبنة رجل لا يلتفت *

رسالة حب مفتوحة الى أبنة رجل لا يلتفت *

صنوبر هو أسمك المستعارـ الحركي ـ . ومن مواليد مدينة السليمانية في 20 شباط 1970 . لم التقيك الا في شهر آب 1998 . والدك الذي عُرف بين الناس بأسم ” أسطة علي ” ، شيوعي معروف جيدا بين الناس وللاجهزة الامنية للنظام الديكتاتوري المقبور . كان الناس يهجسون نشاطه الذي لا يكل في مدينة حلبجة الوادعة التي تلتحف خاصرة الجبال . قلت لنا مرة :
ـ جئنا حلبجة هاربين من مدينة السليمانية التي زادت المضايقات فيها لوالدي . في حلبجة ، يستقوي أبي بعشيرته وبالجبال القريبة ، التي يعرف مسالكها ببراعة .
وكنت يا صنوبر تلميذة ابيك البارعة . فأنت ابنته الكبرى ، منه تعلمت فنون العمل الحزبي . اخفاء رسائل بين الكتب المدرسية ، بين طيات الملابس ، وايصالها الى رجال في طرف المدينة ، ملتحون ، جهمون لا يقولون لك اكثر من :
ـ سلمي لي على ابيك !
احدهم فقط تجرأ يوما وسألك :
ـ كيف تسير أمورك مع المدرسة ؟
كانت المدرسة عذابا اخر . المعلمات المتملقات لسلطة ديكتاتورية غاشمة ، لا يغيب عنهن اسباب نعاسك الدائم :
ـ هيه ، انت يا مدللة ، هذه مدرسة وليس فندق .
وتفيقين . تعتذرين مدارية خجلك . وتبتسم بعض من صويحاباتك . بعضهن لا يعرفن السبب الحقيقي ، فيتهامسن ببطر :
ـ العشق له احكام .
نعم يا صنوبر . اعرف انه عشق خاص . عشق لا طاقة لرده . معلمة التأريخ ، التي طالما أوصلت لبيتها بيانات ورسائلا من ابيك ، تعرف بهذا العشق ، لانها مصابة بناره ، فتتركك في بعض المرات تغادرين درسها لانك على موعد مع الحبيب . كنت لا تستطيعين كشف اسرارك لصديقاتك ، وكون حبيبك لا يمكنه الانتظار. كثيرا ما كنت تسهرين طوال الليل ، عند ناصية الطريق ملتحفة بالبرد والترقب تنتظرين ابيك الذي غادر نحو الجبل حاملا على ظهره ما تبرع به ناس شرفاء ، لمقاتلين هم والصخر صنوان :
ـ الشتاء يزداد قسوة ، وشحنة الاحذية للانصار يجب ان تصل يا ابنتي هذه الليلة . ساعود بعد منتصف الليل . نامي جيدا . لا تنتظريني سأزعل منك .
كيف لك ان تنامين ، وأبيك قال لك انه لو انه لم يعد حتى الفجر، فعلك ان تخبري عن تأخره الرجل الذي من سألك يوما عن اوضاع مدرستك . ويعود ابيك من مشوار الجبل سالما ، تعبا ، ويغط بنومه ، لينهض في اليوم التالي مبكرا ليرمم بيتا ، ويصقل حجارته . بينما معلمة الرياضيات تعنفك بشراسة ، وبعض صويحاباتك يتغامزن ، ومدرسة التاريخ تمسد على رأسك بحنان .
حين التقيتك يا صنوبر ، كان والدك ، الذي لا تزال بعض البيوت في السليمانية وحلبجة تشهد على مهارته في البناء ، قد استشهد في ايام حلبجة السوداء حين مطرت السماء خردلا وسيانيدا صداميا :
ـ لنهرب يا والدي . القصف يشتد والجيش سيجتاح المدينة .
كان يهمس لك :
ـ لسنا وحدنا في المدينة ، علينا الانتظار .
وانتظرتم طويلا . حين اشتد القصف لم يعرف في البدء احد نوعيته . صار الجميع يبحثون عن مكان أمن . توجه الكثيرين الى مدينة السليمانية ، واخرين الى الجبل . قال ابيك :
ـ سنغادر حلبجة جميعا الى مكان آمن ، لكن اولا عليّ الاطمئنان على مجموعة من رفاقنا .
تتعلقين واخواتك بذراعيه . يمسح على راسك بحب . تتعلق به اختك الاصغر ، فينحني ويقبلها .
ـ سأعود بسرعة .
قبل ان يغادر باب الملجأ ، يعود متثاقلا. وجهه مترب بالحزن ، وعيناه تقدحان بالغضب والقلق . وبذراعي البناء القويتين ، وبكفيه الخشنتين من تقطيع الحجر، يحيط بكتفيك يا صنوبر :
ـ لو لم اعد يا ابنتي ، فأنت مسؤولة عن اخيك واخواتك .
يغادر من الباب دون ان يتلفت خلفه .
وتتذكرين يا صنوبر تلك الليلة الطويلة :
ـ طوال الليل بقيت انتظر عودته . جاء من قال انهم يقصفون كيمياوي ، وبقيت انتظر. انتظرت طويلا … طويلا، لكنه لم يعد .
ومعك يا صنوبر انتظرنا طويلا … طويلا حتى سقط نظام الطاغوت والخردل !
كان ابيك بطلا نادرا . فثمة بطل تخلقه الصدفة ، وثمة بطل يخلقه الاخرون ، وثمة بطل يخلق نفسه . ابوك اختار بنفسه ان يكون بطلا دون ان يطلب من احد ان يعتبره كذلك . لم يشأ ان يغادر الى الامان قبل الاطمئنان على رفاق هو مسؤول عنهم . رغم انه لو غادر لن يلومه احد. يومها فعل ذلك كثيرين هم احياء وربما سيقرأون هذه الكلمات . ولو غادر معكم يومها ، بحكم رعايته لاطفال لم ينبت ريشهم بعد ، لكان ذلك حقه . لكن ضميره الحي منعه من ان يفكر بأمانه الشخصي . بمصيره الشخصي . كان يعرف ان الموت هناك . في مركز مدينة حلبجة حيث يشتد القصف ، فالطائرات تحوم حول المكان الذي قرر الذهاب اليه . يدرك انه قد يموت ومع ذلك ذهب غير هياب لاداء مهمته النبيلة . ذهب لانه يعرف معنى ان يكون مناضلا . ذهب ولم يعد . ذهب دون ان يلتفت . صار واحدا من الالاف الذين قضوا ذلك اليوم .
وكان يا صنوبر ان فقدتي البصر لحوالي اسبوع ، انت واخاك ، بعد تعرضكما للغاز الكيمياوي خلال بحثكما المر والمرعب عن جثة ابيكما بين جثث الاف الشهداء :
ـ كل جثث الشهداء التي تعرضها الصور شاهدناها قبل حضور المصورين . فجرا غادرنا منطقتنا ” كاني عاشقان ” المرتفعة نسبيا ، وتوجهنا نحو مركز المدينة . وبدات المفاجأت المخيفة . كنا نتجول وسط مشاهد مرعبة . مئات الجثث ممددة في كل مكان . الوجوه مبيضّة وكأنها مرشوشة بطحين ، وبعضها مسود . كان هناك اناس يحتضرون ويئنون بألم. كان المشهد فظيعا . لم ابك ولم اصرخ . أصابنا ذهول عجيب وخرس تام . جسمي كان يرتجف. حاولنا العثور على ابينا . فكنا ندور بين الجثث ونبحث . ذهبنا الى بيت رفيق لأبي وطرقنا بابه ، لم يرد احد. قريبا منه تسكن اخت صاحب البيت ، فذهبنا الى بيتها ، لكننا وجدنا امام الباب سيارة (بيكاب)، وفيها ناس ميتون يبدو انهم كانوا يحاولون الهرب. لم نسطع المواصلة. وقد تبين لاحقا ان والدنا استشهد في زقاق قريب ، لكننا انذاك لم نصل اليه . بدأنا نشعر بالتعب وما زلنا نشم الرائحة الغريبة ، أنه الكيمياوي دون ريب ، ولم نكن نعرف ماذا نفعل، وبدأنا نشعر بصعوبة في المشي ، ونحس بالتعب وبحرقة في عيوننا .
بعد اسبوعين ، تأكد لكم استشهاد والدكم :
ـ مع بدأ القصف جمع ابي بطاقات هوياتنا الشخصية ووضعها في جيبه ، وبقيت معه . بعد اسبوعين جاءني رفاقنا ومعهم ، احد الذين ساعدوا في جمع جثث الشهداء في المدينة . عرض علي بطاقة هوية شخصية لاتعرف عليها ، فوجدت انها بطاقة والدي . قال انه وجدها في جيب احد الشهداء ، الى جانب بطاقات هوية اخرى ، وقد اخذ هذه البطاقة ودس البقية في شق في الحائط عند المكان الذي عثروا على الجثة عنده . وصف لنا المكان ، وفورا ذهبنا الى المكان فعثرنا على بقية البطاقات ، وكانت هوياتنا التي اخذها والدنا معه !
وبعد ان تم دفن الشهداء ، غادرتم مع كثيرين الى ايران :
ـ كان علي التفكير بالمستقبل ، بمصير اخي واخواتي .
وكنت يا صنوبر امينة لوصية ابيك مع اخواتك . كنت لهم الاب والام والاخت الحبيبة . قبل ان التقيك لاول مرة، وبايام قال لي احد رفاقك :
ـ لو رأيت كيف انها وفت لابيها بتربية اخواتها باحسن صورة ؟
ابوك اعرفه . التقيته في مساء من توتر عند خاصرة جبل . كان يتحدث بهدوء وحزم مع المسؤولين عن رائحة خيانة تفوح من سلوك احدهم :
ـ لن اظلمه دون دليل لكني اود ان تكونوا على درجة من حذر منه .
رويت لنا ما حدث قبل استشهاد والدك بيومين :
ـ كنت عائدة من المدرسة ، حين كان المرتزقة الجحوش يحيطون ببيتنا . نجح أبي في التملص منهم والاختفاء في مكان امين . كان ذلك الخائن الذي حذر منه أبي يتقدم المرتزقة يدلهم على بيتنا ، ولا يزال حي يرزق .
يوم لقائي بابيك ، كان غاضبا لانه لم يحصل على نتيجة ملموسة لمساعدة امراة تريد عبور الحدود لزيارة طبيب في بلد مجاور. ليلتها كانت انوار حلبجة تبهرني وانا اطل من جانب من سفح سورين عليها . كنت احدق وانا استعيد صورة من كتاب قرأته يوما يتحدث عن اضوية المدن البعيدة والحنين **. لم ينتظر اباك كثيرا . قال لنا:
ـ هناك من ينتظرني ، والطريق وعرة ، وعلي ان لا اثير الانتباه بغيابي .
قبل ان ينصرف ، شد على يدي :
ـ آه انت من هناك ، من مدينة الصحراء والنخيل . عملت لفترة هناك وكادت ان تحصل لي مشكلة مع زملاء لي في السكن يوم ان طبخت ارنبا !
وعاد مسرعا دون ان يلتفت . ترك سفح سورين الى مدينة حلبجة . وكنت انت من ينتظره وبسببك لم يمنحنا المزيد من الوقت للاستماع لاحاديثه وتوجيه بعض الاسئلة أليه عن فترة عمله جنوب العراق .
فيما بعد ، صرت اوجه لك الكثير من الاسئلة عنه .
التقيتك في اب 1998 وسط الصخب الجميل لمؤتمر أتحاد الشبيبة الديمقراطي العراقي . كنا كلانا مندوبين الى المؤتمر. وبعد ان عرفت وعلمت من هو أبوك ، صار لكلماتك عندي وقع اخر، وكانت طريقتك في ازاحة شعرك الطويل كجناح طائر، ونظراتك المتفحصة حين تلتفين فجأة ، تجعلان قلبي يرتجف . بعد ايام لم تتعد الاسبوعين ، من تعارفنا ، دعوتك عند شلالات بيخال لتناول زجاجة ” بيبسي كولا”. كانت وللمفارقة تعبئة محلية !! لم انتبه لذلك ، كنت مشغولا بكلامي الذي اعددته لك ، وراجعته مع نفسي مرارا ، لكني اختصرته لك بجملة مفاجئة لكلينا :
ـ اعرف اباك . واعرفك الان . اتقبلين بي زوجا ؟
ماتت ذراعك من جرأتي ، كما رحت تروين فيما بعد ، فلم تشربي قطرة من زجاجة “الكولا” . بعد شهر كنا نقف في دمشق أمام القاضي الشرعي . لامنحك الحرية والحق لتكتبي بنفسك ارقام “المقدم “و”المؤخر” التي سألنا عنها القاضي ، فكتبت مبالغا لا تكفي لشراء عدة زجاجات “كولا ” تعبئة اصلية !
لو كان ابيك ، الشهيد الشيوعي البطل علي فتاح درويش ***، مارا بقربنا ، هل كان يمكن ان يلتفت الى ما فعلتيه ؟!

سماوة القطب
كتابة اولى الساعة الثالثة صباحا يوم 14 / 11 / 2008

* عن طريق الشعب البغدادية العدد 140 ليوم 15/3/2009 . والتخطيطات للفنان العراقي اياد صادق .
** ثمة مشهد في رواية “غاتسبي العظيم ” للمؤلف الامريكي ” فرنسيس سكوت فيتزجيرالد ” ( 1896 ـ 1940) ، من الجمال والروعة بحيث جعلني ارتجف حين قرأته لاول مرة وانا في الدراسة الاعدادية ، يتحدث فيه المؤلف عن شعور غاتسبي بطل الرواية وهو ينظر الى ضوء اخضر ينبعث عبر الخليج من منزل حبيبته “ديزي “. في أيام الجبل ، في كردستان ، كلما انظر الى اضوية المدن من بعيد اشعر بنفسي مكان غاتسبي ابحث عن ضوء اخضر !
*** مواليد 1937 .