الرئيسية » مقالات » التقريب وذكرى المولد النبوي

التقريب وذكرى المولد النبوي

تمر هذه الايام ذكرى المولد النبوي الشريف فتمتلئ الكائنات لمقدمه بالنور والضياء ، وما من فرقة اسلامية الا وتعتبر هذا اليوم المبارك من اهم الايام ، وتحتفل به فتنتشر مظاهر البهجة والفرح في ارجاء العالم الاسلامي، وهذه المناسبة فرصة ذهبية لاعادة الامة الى سابق عهدها من التلاحم والتآزر والتكاتف، ونبذ الفرقة والخلافات ، بعد ان وعت الامة خطورة الخلاف ومضاره وادركت اهمية الائتلاف وفوائده، ولا يخفى على احد الجهود الجبارة التي بذلها علماء الجانبين لرأب الصدع و وحدة الكلمة ، كما لا يخفى بان هذه الجهود لم تأت الثمار المطلوبة والنتائج المرجوة لسبب بسيط وهو عدم تحمس الحكومات في الدول الاسلامية لتبني هذه الجهود ، واستثني من ذلك حكومة ايران التي كانت وما تزال تدعم جهود التقريب ووحدة المسلمين بكل ما اوتيت من امكانات ، وبهذا تكون الحكومات امام مسئولية تاريخية وشرعية كبرى ، كما ان الانصاف يحتم ذكر جهود الحكومة العراقية وعلى رأسها دولة رئيس الوزراء الاستاذ نوري المالكي التي أولت اهمية كبرى لهذا الجانب بالرغم من انشغالها بمهام صعبة اخرى لبناء العراق الجديد ، وقد شاركت وفود عراقية رسمية في مؤتمرات الوحدة التي عقدت في لندن في الاعوام الاخيرة ، ولكن الجهود المبذولة من حكومة اسلامية واحدة او حكومتين ليست كافية لان المهمة عظيمة ويتوجب ان يهب الافراد والمؤسسات والجامعات والحكومات في عمل مشترك كبير للتقريب بين المذاهب الاسلامية ووضع اسس منطقية للتعايش السلمي تحت شعار التوحيد.
و لاشك بان الامة الآن تعاني من الانقسام وان هناك جدار عال من الشكوك قائمة بين المذاهب ، وقد طرح المفكرون والعلماء المخلصون بعض البدائل منها اعادة كتابة التاريخ ، او التقريب بين الال والاصحاب وغيرها ، ولكننا نجد حالة من عدم التقبل لهذه الطروحات لدى الامة بسبب ما يسمى بـ( حداثة الطرح) وهو أمر مهم يجب التوقف عنده الا اننا نجد ان بعض الاطراف تحاول التشكيك بجهود التقريب سرا وعلنا وتعمل على افشال اية محاولة للتقارب بحجة عمق الخلافات واختلاف العقائد وغيرها من الاعذار الوهمية، وصارت هذه الاطراف تمتهن صناعة افشاء الغل وزراعته وتوزيعه على عكس الاية الكريمة ( ربنا غفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا) ويحسب هؤلاء بانهم يحسنون صنعا ، وقد وصل الغل عند البعض درجة حتى صار يفشيه عن طريق الفضائيات والانترنيت علنا وغيرها .
وخروجا من الحالة النظرية البحتة الى الحالة العملية والتطبيقية اقول انه يتوجب ان تشارك اطراف المشكلة في مؤتمرات الوحدة مباشرة ، و أعني باطراف الخلاف السعودية وايران باعتبار ان الاولى تمثل المدرسة السلفية والثانية تمثل المذهب الشيعي بحضور المعتدلين من المذاهب الاخرى، وأيما مؤتمر لا يحضره مندوبون من هاتين الدولتين لن يحقق الغرض المطلوب ، وارى بان السعودية قد قطعت شوطا كبيرا نحو هذا الهدف باشراك علماء من مذاهب اخرى في هيئة كبار العلماء واتمنى لو يتعدى هذا الامر دائرته الضيقة ليشمل علماء شيعة من المنطقة الشرقية باعتبارهم يمثلون شريحة رئيسية من المواطنين السعوديين، ولا اجد ان ضررا ما سيلحق بالخط السلفي اذا ما تم ضم عدد من علماء الشيعة الكبار الى هيئة كبار العلماء .
وأرى من الضروري القول باننا كأمة يجب علينا ان نعلم اولادنا واجيالنا الاهتمام بالغد والتوجه نحو المستقبل لأنه الافضل والابقى من الماضي ، خاصة وان الماضي فيه ما يؤلف وما يفرق وعلينا ان نركز على الامور التي تؤلف بين القلوب لان فيه الخير الوفير والفضل الكبير ، فالمؤمنون اخوة والاخوة نعمة يجب المحافظة عليها.
وارى لزاما عليّ ان انوه الى كلام عقلائي جميل قالها احد المشاركين في مؤتمر الوحدة المعقود في لندن العام الماضي بدعوة من منتدى الوحدة الاسلامية ، وهو سماحة الشيخ عبد الحليم الزهيري مستشار رئبس الوزراء العراقي ، حيث دعا الى عدم الحديث عن التقريب والمشتركات والمذاهب والبدء فعلا بمشاريع مشتركة بين الطرفين ، وكأنهما طرف متحد واحد والبدء الفعلي بالتعايش والتعاون الاسلامي ، كأن يتم افتتاح مشروع ثقافي مشترك او مشروع لكفالة اليتيم يشترك فيه الشيعي والسني ويطلق عليه اسما مشتركا لا يشم منه رائحة الطائفية وبذلك يتم تفويت الفرصة على المتصيدين في الماء العكر ، وفيه تسريع للخطى نحو التكامل والعمل المشترك كأننا امة واحدة فيها تعددية الرأي يحترمها الجميع.
واتمنى لو تحذوا الدول الاسلامية كلها حذو ايران بجعل الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف لمدة اسبوع واقامة الاحتفالات المشتركة في مساجد الطرفين لزرع ثقافة الحب والتعايش والاخوة في نفوس المسلمين، وهو الهدف الاسمى الذي يدعو اليه القران الكريم كما في قوله تعالى ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا).