الرئيسية » مقالات » حرب وسجن ورحيل -18

حرب وسجن ورحيل -18

عام 1986

لقد وقع الشعب العراقي في أتون نارين مهلكتين ومدمرتين كانتا تزدادان آتساعا لتلتهما المزيد والمزيد من الأرواح – النار الأولى كانت نار أصرار النظام الأيراني على الأستمرار في الحرب ألى آخر الشوط نتيجة الحسابات الخاطئه التي كان يخطط لها النظام وتصوراته الوهمية بأن أطالة أمد الحرب ستسقط النظام العراقي رغم ماكانت تتكبده أيران من خسائر في الأرواح وفي البنية التحتيه والنار الثانية هي نار المليارات التي كان يقدمها حكام الكويت والسعودية للعراق لشراء أحدث الأسلحة لأعطاء زخم لتلك الحرب لتفتك بأكبر عدد من شباب العراق وأيران بالأضافة ألى الماكنة الأعلامية المؤيدة للعراق في البلدين وهذا ماكانت تأمر به الولايات المتحده وحكام الكويت والسعودية كانوا المنفذين المخلصين لأوامرها ومن مهازل القدر أن يصر حكام الكويت والسعودية اليوم على سلب آخر فلس من تكاليف غزو الكويت من العراق في هذه الظروف القاهرة واعصيبة التي يمر بها العراق بعد أن سلبوا عشرات المليارات من الدولارات من قوت الشعب العراقي وما يزالون يطالبون بالمزيد رغم كل المساعي التي بذلت من الحكومة العراقيه ورغم الزيارات المتكررة للمسؤولين العراقيين ألى هذه الأماره وقد صرح أخيرا وزير خارجيتها بأن الكويت لن تسقط ديونها وأن العراق أغنى من الكويت وموازنته تعادل ميزانية الكويت عدة مرات !!! وأقول لهم ياحكام الكويت والسعودية كفاكم طعنا وغدرا بهذا الأسد الجريح الذي هو العراق والذي لن يصبر على ضيم أبدا لقد تماديتم كثيرا وسلبتم من الأموال الكثير وقضمتم من الأرض التي لايمكن للشعب العراقي السكوت عليها في يوم من الأيام فمتى تصحو ضمائركم ؟ ولماذا تتنازل الدول الأجنبية عن ديونها وأنتم تصرون على ابتزاز العراق وطعنه من الخلف وكنتم تتبرعون لصدام بعشرات المليارات لكي يحرق بها الشعب العراقي واليوم تطالبون بها وكنتم ترتجفون منه خوفا ورعبا عندما كان يتنحنح وتقدمون له المليارات تلو المليارات لا للتنميه وأنما للأستمرار في الحرب أهذه هي الشهامة العربيه التي تتمشدقون بها ؟
في عام 1986 أشتد أوار الحرب اشتعالا فهاجمت أيران منطقة الفاو واحتلتها وادعت أنها قطعت الأمدادات العسكرية من دول الخليج ألى العراق واحتلت مناطق قريبة من البصره وأصبحت قواتها على مسافة بضع كيلو مترات من المدينه وأخذت تمطرها بوابل من أطلاقات المدفعية والراجمات ودمرت مئات البيوت وأزهقت مئات الأرواح من المدنيين في هذه المدينة العزيزة التي كانت تسمى ثغر العراق الباسم المطل على البحر وكثرت فيها المآتم والمآسي وعانى أبناؤها الذين عرفوا بطيبتهم ونبلهم وشهامتهم العراقية الأصيله الكثير من ويلات الحرب ومآسيها واليوم يدفع أبناءها الثمن الباهض الآخر وهو تلوث بيئتهم وانتشار الأمراض السرطانية فيها ولا من مجيب ولا من مغيث. أبناء البصرة الفيحاء الشرفاء الأوفياء كيف لايكونون هكذا ومدينتهم هي مدينة العلم والأدب والثقافةمدينة الفراهيدي والحسن البصري والجاحظ ؟ لقد هجرالكثير من أهلها الفقراء بيوتهم وفي أحدى أيام القصف كنت في هذه المدينة مع شخص آخر نبحث عن أبن أخت لي اختفت آثاره في الحرب فكانت المدينة أشبه بمدن الأشباح وكانت رائحة الرصاص والبارود تدخل ألى رئة الأنسان وكأنها السم الزعاف وكانت رائحة الغبار والبخار وأصوات أطلاقات المدافع التي كانت تنطلق بين الفينة والفينه لتحصد المزيد من الأرواح أمرا في غاية الصعوبه. كانت أوراق أشجار الكالبتوز التي تعج برائحة النعناع في الأيام السالفة لابسة السواد بعد أن اختفى منها اللون الأخضر وكانت أشجار النخيل حزينة ذابلة جافة الثمر وشتلات الجوري جافة تشكو الظمأ . وكانت الطيور منزوية مرعوبة تبحث عن أعشاش لها تؤويها من خطر شظية عمياءأما سمك الزبيدي التي اشتهر به شط العرب وهو من ألذ أنواع السمك فلم يبق له أثر وقد تحولت الكازينوات المتناثرة على طول شط العرب ألى أنقاض وكانت العشار تعج بالحركة والأضواء الملونة في الأيام الماضية رغم الفقر الكبير الذي يعصف بأهلها ولم يتسن لنا زيارة تمثال السياب ولا قريته جيكور ولا نهر قويق فلابد أن الأرض الخضراء التي كانت تحيط به قدتحولت ألى هشيم محترق ولابد أن السياب كان غارقا في حزنه لما وصل أليه حال مدينته الحبيبة في تلك الأيام الموحشة السوداء ولابد أن نهر قويق قد يبس وجف فيه نبع الحياة . ولا أدري كيف كان حال جبهات القتال في تلك الأيام المريرة الرهيبة حتما كان حالها كما قال الشاعر : تريك نجوم الليل والشمس حية.
أو كما قال شاعر آخر:
وأطبقت ظلم من فوقها ظلم
لايستضاء بها نور ولا نار
كنا نمر على ا لكثير من أشجارالنخيل المحترقة وهي واقفه نعم أن نخيل العراق يموت واقفا ولا ينحني لأي غاز أو معتد على مر التأريخ هذه النخيل التي ثمرها من ثمر الجنة ظلت تشكو ظلامتها ألى الله مما فعله صدام والخميني به نتيجة الجهل والتعصب واللهاث وراء الأمجاد الشخصية لقد كان الأحرى بالخميني وأتباعه أيقاف تلك الحرب الدموية قبل استفحال أمرها حقنا لدماء المسلمين في البلدين لاأن يقول ( أن شرب السم أهون عليه من أيقاف الحرب) وكان يعلم حق العلم أن معظم وقود الحرب كانوا من أبناء الجنوب المعدمين الفقراء وقد قال عنهم المقبور الطائفي خير الله طلفاح( نحن نحاربهم بكلابهم) وهذا الأمر يعرفه القاصي والداني وياليت فهم الخميني وأتباعه تلك الجملة على حقيقتها وأوقفوا الحرب مبكرا. والبصرة الفيحاء العزيزة مشهورة بجودة تمرها من البرحي والبريم والخستاوي وجمال الدين وأصناف كثيرة نسيت أسماءها تعتبر من أجود انواع التمور في العالم معظمها احترق والذي لم يحترق جف في مكانه بعدما شبع من الدخان والبارود المشبع باليورانيوم الكثير الكثير. لقد قضينا ليلة رهيبة في أحد البيوت الكريمة ولم نعثر على ضالتنا لأن الطرق العسكرية كانت مغلقة في وجوه المدنيين ولم يغمض لنا جفن في تلك الليلة وقفلنا راجعين في اليوم الثاني ونحن في أشد حالات الأعياء بعد أن ودعنا البصرة الحزينة وتحدثنا كثيرا مع مضيفنا عن البصرة وتأريخها وعن أيقاف الحرب وعن فقر أبناءها وعن انعدام الحياة الحرة الكريمة لأهلها وخاصة أنها ترقد على بحر من البترول وتفتقر ألى أدنى الخدمات وقد قلت لصاحبي أن حال البصرة ياصديقي :
كالعيس في البيداء يقتلها الظما
والماء فوق ظهورها محمول
وقد عقب صديقي قائلا أكو مثل عراقي يكول ( ابوي ياكل الطرشي وآني اتضرس سنوني ) قلت له أنه يأكل الدجاج والمحاشي مع الطرشي وضحكنا رغم المأساة التي كانت تحاصرنا من جميع الجهات وكما يقال ( أن شر البلية مايضحك ) أرجو من العلي القدير أن يمد في عمري وأكحل عيوني برؤية البصرة وأهلها الطيبين رغم استمرار معاناتها وكم أنا بشوق أليك ياعروسة البحر وكم أنا بشوق ألى أهلك الطيبين الكرماء الشرفاء.
أستمر زحف القوات الأيرانية على القاطعين الجنوبي والأوسط واحتلت جزر مجنون الغنية بالنفط وادعت أيران بأنها ستستغل تلك الجزر مثلما ادعى طه ياسين رمضان بأن العراق سيستغل نفط عبادان ويصدره أثناء تطويق الجيش العراقي لها!!! وشنت هجمات أخرى على قاطعي بدرة وزرباطيه واقتربت من هاتين المدينتين وأخذت تضربهما بالمدفعيه فاستشهد الكثير من المدنيين في بدره وزرباطية وجصان وشيخ سعد وعلي الغربي ثم خانقين بعد أن استردت القوات الأيرانية قصر شيرين التي كان يحتلها الجيش العراقي. وكانت القوات العراقية تتراجع وتنطلق الصواريخ بالمئات لتدك المدن الأيرانية وتقتل المئات من المدنيين فيها ردا على تلك الهجمات . وازداد عدد النازحين داخل المدن العراقيه وازداد عدد الضحايا من الطرفين بحيث غرقت المدن العراقية الجنوبية بالحزن الشديد واتشحت حيطانها بقطع القماش السوداء نتيجة كثرة توابيت أبناءها التي كانت ترد أليها من جبهات القتال في ذلك العام المشؤوم الذي ذكرته .
لقد وصف لي العديد من الضباط والجنود الذين نجوا من تلك الهجمات ممن كنت أعرفهم وأدرسهم في يوم ما بأنها كيوم القيامه حيث كانت الدبابات تسير على جثث الضحايا ولا تعرف تلك الضحايا هل أنها جثث عراقية أم أيرانيه وأشدها قسوة كانت معارك البصره حيث كانت ضحاياها أكثر من أية جبهة أخرى .
أزداد القادة الأيرانيون غطرسة وزهوا وعنجهية وأخذوا يصرحون بأن البصرة ستقع في أيديهم خلال ساعات أو أيام وأنهم سيزحفون نحو كربلاء والنجف لأسقاط النظام العراقي وعلى صدام و ما تبقى من جيشه الأستسلام!!!.
وبعد تلك المعارك الطاحنه والهزائم المستمرة للجيش العراقي بدأ باستعمال الأسلحة الكيمياوية التي كان قد استوردها من عديد الشركات الأوربية وغير الأوربية لصد الهجمات الأيرانية وأيقاف زحفها وكان منها غاز (الخردل) و(السارين) وكانت غالبا ماتقتل العراقيين والأيرانيين في آن واحد أثناء تغير مسار الرياح. وقد صدرت الأوامر بمنع العوائل من فتح توابيت الجنود الذين ضربتهم تلك الغازات وشوهت وجوههم وأجسامهم وغيرت ألوانهم ألى اللون الأزرق. وتم أنشاء التصنيع العسكري للأكثار من تلك الغازات السامة والصواريخ التي كانت رؤوسها تحمل بتلك المواد السامه و عين العريف حسينكامل زوج ابنته مديرا لهيئة التصنيع العسكري ومنح رتبة لواء ثم فريق وأخذ يرفع البرقيات لعمه كل يومين أو ثلاثة أيام باختراعه لمادة أو صاروخ جديد يزف ألى جبهات القتال ( لتلقين العدو الفارسي المتغطرس الموت الزؤام ) كما كان يدعي في برقياته.
وبحت أصوات القادةالأيرانيين من كثرة مطالبتهم الأمم المتحدة ومنظماتها الأنسانية وأطباء بلا حدود ولجا ن حقوق الأنسان بالمجيئ ألى أيران والكشف على ضحايا الغازات السامه ولكن الأستجابة كانت ضعيفة جدا مما اضطر الأيرنيين ليبعثوا عددا من هؤلاء المصابين ألى المستشفيات الأوربيه وضاعت كل هذه الأصوات وسط ضجيج الحرب لأن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تتعمد التعتيم على الأسلحة الكيمياوية وكانت غايتها الرئيسية استمرار الحرب للقضاء على مقدرات البلدين واستنزاف أمكاناتهما البشرية والأقتصادية لصالح أسرائيل.
لقد كانت القوة الجوية العراقية فعالة جدا في قصف السفن والبواخر الأيرنية المحملة بالنفط وتسرب الكثير من النفط ولوث أجزاء واسعة من مياه الخليج العربي وكانت جزيرة خرج الأيرانية تقصف باستمرار من قبل طائرات ( السوبر أتندار )التي جهزت فرنسا النظام العراقي بها حيث كانت تحتوي على منصات لتحميل البترول وترسو فيها السفن وكانت صواريخ (أكزوزيست ) التي تحملها تلك الطائرات تصيب معظم أهدافها بدقه وكان النظام العراقي يفتخر بتلك الطائرات ويعتبرها أنها ستحسم نهاية الحرب . ولا أدري أين أصبحت تلك الطائرات ومئات طائرات الهيلوكوبتر الحربية وآلاف الدبابات والصواريخ والمدافع الثقيلة والمصفحات وناقلات الجند وغيرها من المعدات الحربية التي اشتراها النظام العراقي من معظم دول العالم بمليارات الدولارات من دم الشعب العراقي وجهده وعرقه وماذا صنع الأمريكان بها بعد أن استنزفت معظم أمكانات العراق الماليه وجعلته يدفع أثمانها مضاعفة ألى حكام الكويت والسعودية اليوم من قوت شعبه الذي يعيش نصف سكانه على الكفاف . عسى أن تجيبناحكومتنا الموقرة المنتخبةعلى هذه التساؤلات !!! لقد كان راتب الموظف في تلك الأيام لايكفيه لبضعة أيام لكنه كان يساق للحرب كما تساق النعجة للذبح وأذا تنفس أو تأوه فالقتل مصيره الحتمي وفي عام 1986 والعام الذي تبعه بدأت حرب الناقلات بشكل جنوني وقد ردت أيران بقصفها السفن الكويتيه مما أرعب حكام الكويت فطلبوا الحماية الأمريكيةوأخذت ناقلاتها ترفع العلم الأمريكي وارتفعت رسوم التامين على السفن ألى عشرات الأضعاف وانفجرت عدة ألغام زرعتها أيران في تلك السفن .
لقد وقف هاشمي رفسنجاني رئيس النظام آنذاك متبخترا حيث أخذته نشوة تلك الأنتصارات بعيدا في عالم الخيال في أحدى جبهات القتال وادعى( بأن مليون جندي أيراني تحت السلاح وأن نهاية صدام قد باتت قريبه وأن الحرب ستضع أوزارها في حالة واحده وهي الأنتصار وأن الأنتصار قد بات قريبا على الأبواب !!!).
أستهزأ صدام بهذا الأدعاء الذي ادعاه هاشمي رفسنجاني في أحدى اجتماعاته التي عقدها مع ضباطه ورد على رفسنجاني قائلا (أذا كان رفسنجاني يتباهى بمليون من هذه الرؤوس العفنه أحنه انكله ونكول لأسياده من الصهاينه نستطيع نحشد من شارع واحد من شوارع بغداد مئات الآلاف من المقاتلين ونظل نرفد جبهات القتال بدماء جديده ألى اليوم اللي راح يركع بيه هذا العدو المتغطرس وراح يشوف نجوم الظهر من الويلاد في جبهات القتال) وكان القصد من ذلك الكلام هو أن العراقيين مستعدون للتضحية بدمائهم ألى آخر رجل بأشارة منه لأنهم أسرى لمشيئته على اختلاف أعمارهم يسخرهم كيفما يشاء وفي أي وقت يشاء ولابد أن تتحقق أهدافه في هذه الحرب ولو كلفت أرواح العراقيين جميعا مادام النظام الأيراني لايوافق على وقفها) . وعلى أثر هذا الكلام تم أبلاغ جميع الكليات والمعاهد في العراق رسميا بأمر من القائد العام للقوات المسلحة صدام حسين بتجنيد كافة طلابها في اليوم الأول من تموز عام 1986 وفتح معسكرات للتدريب لهم استعدادا لخوض المعركه أذا لزم الأمر.وكانت التعليمات صارمة ومشددة والطالب الذي يتغيب عن الحضور ألى المعسكر المخصص له سيفصل من كليته أو معهده ويرقن قيده ويساق ألى جبهات القتال كجندي مكلف والكلية هي الجهة التي تعلمه بذلك وسيتم نقل الطلاب بشاحنات أعدت لذلك الغرض
كان لي أبنين أحدهما في كلية الهندسه
جامعة الموصل وأسمه (عقيل )والثاني في معهد التدريب النفطي في بغداد واسمه (نبيل )وقد التحقا بزملائهم في تلك المعسكرات التي تم تحضيرها على المثلث الحدودي التركي العراقي السوري بعد أن ودعناهما أنا وأمهما وأعطيناهما مبلغا بسيطا وعملت لهما أمهما كميه من ( الكليجه ) ليتقوتا بها ولم نعلم ماذا كان يخبئ القدر لنا بعد ذلك التوديع.و( ياغافلين ألكم الله ) كما يقول المثل العراقي. وهذا الشيئ سأذكره في الحلقات القادمه.

جعفر المهاجر – السويد.