الرئيسية » مقالات » هل يحق للكرد ما يحق لغيرهم ؟!

هل يحق للكرد ما يحق لغيرهم ؟!

سؤال يطرح نفسه بكامل الوضوح, هل يمكن أن يطرح علماء الاجتماع والأنتروبولوجيا, والسياسيون والمفكرون,مثل هذا السؤال على أنفسهم , وهم يبحثون في تاريخ الحضارة الإنسانية, وتنازعها وانتقالها , والقوانين والسنن التي تتعلق بمسار الحضارة وتطورها وارتقائها , أو تراجعها وانحسارها, على اختلاف في الزمان والمكان , والأمم والشعوب , وأدوارها والدورات التداولية؟؟!,وفقا لتلك السنن ” وتلك الأيام نداولها بين الناس ..” كما ورد في التنزيل, و هل ثمة فروق تكوينية في عرق ما أو تجمع إنساني أوقبيلة أو شعب, يحول دون تطوره وارتقائه؟!, أو أن من السنن والقواعد الاجتماعية والظروف الحائلة دون أن تتبوأ هذه المجموعة أو تلك دون سواها المقام الأسنى والأرفع في سلم الترقي ؟! وإن كان الأمر كذلك فما هي تلك السمات والمزايا التي اختصت بها دون سواها, لتنظر من منطق الاستعلاء والتميز إلى الآخرين ؟؟! , وبما يمكن أن نجمع بين الأسئلة المتقدمة في سؤال عريض يمكن طرحه وفق مفهوم جامع ومختصر , هل يمكن أن تختص مجموعة بشرية دون أخرى بمزايا وسمات ومواهب وهبات دون أخرى لعلة تفوق عددي أو نوعي أو ظرف تاريخي ؟؟!
لقد صيغ هذا السؤال المحدد ليقذف في وجه أولئك الذين لا هم لهم إلا البحث عن أي سبيل لتنحية الآخرين وإقصائهم , ومحو وجودهم, وإعلان الحرب بدعوى ما يخدش كبرياءهم , وينال من هيبتهم الجوفاء, وانتفاشهم الموبوء, وتفوقهم العرقي, وتخصصهم وتميزهم ونقاء عرقهم , وتفضلهم على الناس, مما لم تؤكده الشرائع السماوية منذ فجر الخليقة , ولا القوانين والتشريعات الوضعية الناظمة للعلاقات الدولية ,ولا المواثيق والمعاهدات المبرمة, والمستندة إلى الدراسات العلمية في العرق والإثنية والمذهب والدين , بعد الفراغ من المنازعات والصراعات والحروب وكوارثها, بأي تميز على مستوى الجماعات, وما وجده العلماء والدارسون في التربية والاجتماع وعلم النفس من فروق فردية متفاوتة, منها ما يعلق بعلم الأجنة والمورثات, ومنها ما يتعلق بشروط البيئة وأوضاعها , ودرجة استجابتها لعوامل التميز القائمة على تلك الفروق, ما وجده أولئك الباحثون لا يمكن أن يقوم دليلا على التميز الجماعي , لعدم انحصار التفوق الفردي في بيئة معينة دون سواها أو عرق دون آخر, أو مجموعة بحد ذاتها, وما ركز عليه العلماء والدارسون من القواعد العامة التي تسير وفقها قيم التطور والتمدن والخروج من الهالة التي تحاط بها مجموعة بشرية تتبجح بتفوقها , دون سند علمي مقبول , أو حجة تاريخية مؤكدة, بما ركز عليه هؤلاء يعد من ثمرات الدراسة المنهجية التي تسقط بشكل لا يقبل الجدل أي مستند, يعزز التفاوت القائم على ادعاء الاستعلاء والتميز كما فعلت النظرية العرقية , بما يوهي – إلى حد بعيد- مزاعم العنصريين ودعواهم الباطلة علميا وتاريخيا, ليأتي الجواب على الأسئلة المطروحة حول معنى التميز وأصوله , ورفض قيم المساواة , بين الناس بمختلف انتماءاتهم وأعراقهم ومكوناتهم ومذاهبهم مفتقرا إلى أي دليل علمي مما سوف يأتي الرد عليه معللا .
إن أي جماعة أثنية “”ethnic أو عرقية ” “race, لا يمكن أن تتحدث عن نقاء دموي أو صفاء عرقي, على الرغم من تباين العروق واختلافها , ودور التلاقي والتفارق وعناصرهما وأسبابهما, الواضحة المنظورة والأخرى الغامضة والمتداخلة, سواء في ذلك تلك الناجمة عن التبادل التجاري والثقافي والتجاور والتعاصر والتزاوج والتصاهر واختلاط العروق, أو تلك الناجمة عن النزاعات والحروب والتنافس عاى المصالح وما يترافق معها ويتبعها من قهر ونهب واستعباد, وما يحيط بها من تداخل وتمازج يفضيان إلى مزيد من التقارب بين الأجناس والأقوام والملل والشعوب, مما يصعب من مسألة التباين العرقي ويسقط دعوى التفوق والاستعلاء , وما يتبعها ويحيط بها من عوامل الكراهية والمقت وسحق رؤى وتطلعات الآخرين.
لقد حددت الشرائع السماوية ميزان التفاضل بين الشعوب بالتقوى والنفع والعمل الصالح , ونبذت الفرقة والتمييز والاضطهاد , فهم في معدن الأشياء أسواء , لا فرق بين الشعوب والقبائل والأعراق والأجناس ” كلهم لآدم وآدم من تراب “, متى استعبدوا وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا متساوين” , كما تنص الدساتير والمعاهدات والقرارات الدولية على” الإقرار بما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم,ومن حقوق متساوية وثابتة, يشكل وفقا للمبادئ العامة للأمم المتحدة, أساس الحرية والعدل والسلام في العالم, ووفقا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان, في أن يكون البشر أحرارا, ومستمتعين بالحرية السياسية والمدنية ومتحررين من الخوف والفاقة…” وهو ما نصت عليه الديباجة العامة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان المنبثق عن الأمم المتحدة , وما تبعته من عهود دولية ومواثيق ومعاهدات ., تقرر ذلك وتؤكد عليه , وترفض كل أشكال وادعاءات العرقية والصفاء ودواعي مثل هذا الادعاء الذي يطلقه دعاة البطولات الوهمية والأحلام الدونكيشوتية , شرقا وغربا.
والذي دعانا إلى هذا البحث ما أفضت إليه الهجمة الشرسة على الكورد شعبا وتاريخا وقادة وتراثا في جملة من الفضائيات والصحف العربية الموجهة بنزعة تغذي التحامل والتطرف وتذكي أوار فتنة عارمة بين الكورد والعرب في دفع هائل إلى المجهول , وبخاصة منذ دخول القوات الأمريكية أرض العراق , والإطلاقات التشكيكية المذهلة, حول دور الكرد في العملية السياسية في العراق, وما أثير وما يثار من حملات التخوين ومرض المؤامرة ومنطقها المتناهي في التأزيم , وحمل كل إخفاق وتدهور وتورط عليه هروبا من استحقاقات التخلف , ولغة الخطاب البالي والمتردي , وغياب التحليل العلمي الموثق والمسند, وبخاصة في مقابلات الفضائيات العربية مع الرئيس المناضل مسعود البارزاني , في التركيز على علاقات الكورد- المزعومة والمدحضة دون حاجة إلى جدل- مع إسرائيل , ودور الفيدرالية في تقسيم العراق لا ترسيخ وحدته , ومدى سعي الكورد إلى الانفصال, ومسألة كركوك والمناطق المستقطعة ومحاولات الأحزاب الكوردية في تغيير الواقع الديمغرافي في هذه المناطق, وغيرها من الأسئلة التي تصور الكورد كيانا غريبا وشاذا, وساعيا إلى كل بلبلة, كأنه مزروع في المنطقة , مع أنه من أعرق الكيانات ,وأكثرها قدما ورسوخا في المنطقة ومن أشدها التصاقا بالوجود, وأشدها دفاعا عن الكيان المشترك بين أبناء المنطقة وشعوبها , في التاريخ القديم والحديث والمعاصر , في صفحات ناصعة ومتألقة تدحض كل مزاعم التخوين والتقوقع والتواري خلف الآخرين والاستقواء بهم, فقد وجدت الثورة الكوردية, والتي كانت ملاذ أحرار العراق جميعا , والثقل الأساسي في لم شمل العراقيين, وحامية وحدة العراق وتلاقيه ومصالحاته في تسامح وتسام عظيم فوق جراح الأنفال والحصاد الكيماوي والإبادة الجماعية,كما وجدت الانتفاضات الكردستانية العارمة في كل جزء قبل بروز أي دور غربي أو أمريكي في المنطقة والعالم , وقد صيغت لوائح حقوق الإنسان -ومن صلبها حق الكورد- في حياة آمنة مستقرة وحرة بعيدا عن الظلم والاضطهاد والوصول إلى أي شكل من أشكال تقرير المصير , وفقا للظروف الدولية والإقليمية, قبل الرؤية العرقية والفاشية والنظرة العنصرية البدائية الطارئة والمتخلفة بقرون , لسبب بسيط وعادل ومشروع هو جواب جازم وحاسم وصريح ” إن للكورد – كأمة متجذرة في التاريخ – الحق الكامل كما للآخرين, لغة وأرضا وثقافة وتراثا ووضوح انتماء ” و ” أن أي كرامة أصيلة للأسرة الإنسانية لا توفر لهم ما منحته للشعوب الأخرى ,ظلم واعتداء على الكرامة الإنسانية ..” و ” أن ما يحق لشعوب البيرو والشيسل وقطر والكويت والبحرين وسواها ممن لا يتجاوز سكانها

مليون نسمة. “, هو بالضبط ما يحق لأربعين مليون كوردي يتجاوز وجوده في التاريخ أحد عشر ألف عام , بحكم الله والتاريخ والتشريعات والقوانين الوضعية وسنن الكون وقرار العدالة الإنسانية ومنطق المساواة , لقد آن لنا أن نراجع ضمائرنا ونحسن تحكيمها, بعيدا عن اختلال المعايير والأنانية القبيحة والعنصرية الممجوجة, لنضع أيدينا على الجرح النازف والكبرياء المطعون إن كنا نملك مسكة خير , لقدآن لنا أن نفتح أبصارنا وبصائرنا , ونلقي السمع وهو شهيد, ونذهب عنا غشاوة الباطل وعنت الطغيان و ونرحم أنفسنا من الضلال في غياهب التيه, وغرور الاستعلاء الأعمى والمعايير المزدوجة, لنحسن التعامل مع منطق العدل وحب الآخرين والجيرة والخؤولة والنسب ورحم الإنسانية و إخائها وتراثها .