الرئيسية » مقالات » التلفزيون يتسّلط على مجتمعاتنا !

التلفزيون يتسّلط على مجتمعاتنا !

مقدمة : غياء التلفزيون العربي

عذرا ان وصفت التلفزيون العربي بهذا الوصف ! انه بالقدر الذي يعتني العالم اليوم بهذا الجهاز العجيب الذي يدخل كل البيوت والحارات والمقاهي والنوادي والدوائر وحتى غرف النوم .. ويعرف العالم ما الذي يمكن ان يقدّمه الى الناس ، فان تلفزيوناتنا العربية تزداد غباء واهتراءا مع توالي الأيام ! وتزداد شراسة وحماقة مع تقدم الزمن ! وتزداد فجاجة وجهلا أمام ملايين البشر الذين لا يعرفون اليوم في حياتهم الا مشاهدة التلفزيون ! دعنا من كل فجاجات قتل الزمن باللهو والألعاب والغناء المضطرب والبرامج التافهة والافلام والمسلسلات التجارية .. ونقف عند برامج الحوار والسياسة والثقافة والدين .. فماذا نجد ؟ ليس أشقى على المرء أن يستمع إلى جملة من التضليلات والتزويرات في حوارات تلفزيونية غير متكافئة ولا منسجمة تعرض على الملايين في فضائيات عربية ، خصوصا إذا كان المقدّم والضيف لهما سماجتهما ووقاحتهما ، وهما لا يدركان ألف باء الثقافة العامة ، ولا الأخلاق العامة ، فكيف إذا دخلا معترك الفكر والايدولوجيا والسياسة .. ربما يغدو مثل هكذا نماذج أبطالا في بيئات متخلفة لا ترى غير هؤلاء الذين يقومون بإشباع رغباتهم الجامحة في حب الظهور على حساب البسطاء الذين لا يدركون معاني ما يحكى لهم ، وكل منهما يردد ما سمعه من مصطلحات واحجيات لا يدرك معانيها ، وآخر يلعب دورا تحريضيا على أشياء لا وجود لها يختلقها من العدم ويوهم الناس بأنها موجودة .. ويساهم اليوم ، البث الفضائي والالكتروني بمهام خطيرة في نقل كل الفجاجات التلفزيونية التي غدت ثقيلة الدم جدا على المشاهدين العرب الأذكياء. ومن فجائع هذا العصر ان تصبح التلفزيونات ادوات دعاية للتخلف المرعب ، والطائفية المقيتة ، وبث الاوهام والشعوذات .. والتبشير بكل المشاهد البشعة من دون اية مساهمات لنشر الوعي وبث المعرفة وحقوق الانسان .. ان هناك مساهمات ممتازة في اصلاح المجتمع ، ولكنها ضئيلة قياسا الى الانهيار الحاصل في القيم الاعلامية العربية ! وهنا ، أسجل بعض الملاحظات التي أتمنى أن يتنبّه إليها الجميع ، وخصوصا ، أولئك الأوصياء على الإعلام العربي المرئي ! دعوني أتوقف عند حالات عايشتها بنفسي :

مفكر إرهابي

لقد هالني قبل قليل احدهم من الذين يطلقون عليه صفة ( مفكر عربي ) وهو يحرض على القتل ، ويحّرض على الإرهاب تحريضا علنيا .. بل ويدعو إلى تكميم الأفواه .. وإلا .. ويسكت مهددا بأصابع يديه ومشيرا إلى قطع الرقاب ! انه يهذي هذيانا قبيحا في قاعة تمتلئ بالناس ، والناس تستمع إليه بشغف كبير ، وهو يقسّم على مزاجه بلا أي روداع ولا أية حواجز ..وبلا أي حدود ، ولا أي خطوط رجعة !

إن المشكلة في من يدرك بواطن الأمور ، إذ يزداد ما اعّبر عنه دوما بـ ” شقاء الوعي ” في منظومتنا العربية المعاصرة .. فالشّقي بوعيه العربي يضرب كفّا بكف عندما يجد بأن المعلومات تشّوه ، والأفكار تهمّش ، والمفاهيم تغّيب .. مع استخدام ثقافة القذف والتشويه والتكفير.. ثقافة الاهانة والتحقير .. ثقافة التصفيات بأبشع الوسائل ما دام لا يعجبك ، فأنت قادر على أن تخسف به الأرض بلا أي قانون رادع ولا أية أخلاق ! لم أكن أصدق نفسي ، وأنا أرى هذا الذي تجاوز السبعين من العمر بغترته وعقاله ، وكنت قد قرأت له ، وهو أستاذ جامعي مثلي ، يغدو اليوم يحمل كل هذه البشاعة ، ويطلق التهم جزافا ، ويحرّض على القتل والغدر والإرهاب وهو يحسب نفسه في عداد المثقفين والمختصين ويحمل لقب الأستاذية في جامعة عربية معروفة! انه يتوعد ويهدد نخب الكتّاب والمثقفين بالقتل إن وقفوا بوجه ( المقاومة والمقاومة عنده هي الارهاب الذي يتغّزل به ) انه يدعو الى ذبحهم ان دعوا إلى السلام ، او وقفوا ضد الارهاب !

إنني إن اختلفت سياسيا مع دعاة حرب مثل حماس ، أو دعاة سلام مثل محمود عباس ، أو دعاة مفاوضات مثل عريقات ، فهل من حقي أن أدعو إلى قتلهم والإشارة بيدي إلى قطع رقابهم ؟ هكذا أمام الناس يدعو إلى الإرهاب ؟ هكذا أصبحت شاشة التلفزيون ، أداة للإرهاب وفكره ؟ هل كان غاندي يقاوم بالتفجير والقتل أم انه سجل اسمه في التاريخ كونه استخدم وسائل مختلفة أخرى ؟ لماذا يسكت كل المثقفين وأساتذة الجامعات على من يدعو إلى القتل من بينهم ؟ دعوني انتقد أسلوبه المتوحش وهو يستخف بحياة الآخرين وأفكارهم التي تخالف تفكيره القاتل ! انه يتلبس بالدين ، فالدين عنده مشروعا للقتل ، ليس الا ! وهنا يستخدم الدين مباشرة للدفاع عن تفكيره القاتل ، وكأن لا يوجد في الدين سماحة ولا مغفرة ولا استنساخ ولا عذر ولا محبة ولا عدل ولا أي مساواة بين البشر !



السيدة فارغة !

صورة اخرى ملونة تجدها على التلفزيون .. صورة سيدة فارغة من كل المعاني .. وجدت من يخاطبها قائلا : ما لك أيتها السيدة المثيرة ، وأنت تختلقين أسئلة ساذجة من اجل إثارة من تقابلينه ، وانك بأسلوبك تتجاوزين الحدود عدّة مرّات بحجة تصنعّك كلما تطلّين علينا مرة في الأسبوع .. وكنت وما زلت تلبسين قناعا راديكاليا لا معنى له أبدا .. وأنك تصّرين على تصنّعك بمعلومات خاطئة يسكت عليها من تقابلينه احتراما لك . وكم كنت تغالين في إصرارك كونك تنتزعين اجوبة تحسبينها مهّمة وهي واهية لا نفع فيها .. تأخذين حريتك في تبادلك الرأي وأنت لا تدركين أصول الحوار ليس بفعل انعدام التجانس بينك وبين من تقابلينه ، بل لأنك كنت بحاجة إلى أكثر من دورة صحفية وإعلامية يعلمونك فيها أصول الحوار ، وكيفية صياغة الأسئلة ، فالسؤال فلسفة كاملة ـ كما يقولون ـ وبينك وبينها بون كبير .. انك ولا من أنصاف المثقفين . لقد وصل بك الحد إلى التمادي في الأخطاء ، وخصوصا ، عندما تتكلمين في موضوعات لا خبرة لك فيها ، ومن دون أن تعتذري أبدا عن أخطائك التي لا تغتفر !

لا ادري أين تخّرجت ؟ وفي اي معهد تعلّمت ؟ علما بأن زملاء لك من بلدك الرائع الجميل هم أروع ما يكونوا في حواراتهم واجتذابهم مشاهديهم بحلو حديثهم ، لا بعرض أشكالهم وأزيائهم ! لقد تجاوزت في الماضي كثيرا عندما كنت تقدمين برنامجا عدّه الناس ناجحا بسبب وزن الضيوف الكبار الذين سرعان ما يندمون على حواراتهم بعد تجاوزك الحدود معهم .. ولما هال احد الأصدقاء حجم الأخطاء في إحدى الحلقات كثيرا ، أرسل لك كتابا لتقرأينه وتتعلمين منه ، وفيه معلومات لمعرفتها ، واعتقد بأنك لم تقرأي سطرا واحدا من الكتاب حتى يمكنك الاعتذار على الأقل .. ولكن سرعان ما وجدت نفسك مكروهة الشاشة ليس بسبب انعدام حشمتك ، ولكن بعد جملة من تجاوزات مع هذا او ذاك !



البهلوان الأزرق

وتلك قصة أخرى، بطلها مذيع ( عربي ) ازرق اللون، كريه الصورة ، يتصنع الكلام بحدة ولا تعرف عضلات وجهه الابتسامة ابدا .. لا يعرف احد لماذا اختاروه يهيمن على المذيعين والمذيعات بشكل مقرف ومزعج فاصبح ديكا منفوخا مستهترا متبجحا ! وأسأله : لماذا تزجّ بنفسك في خضم موضوعات خطيرة لا تخصّك مباشرة ؟؟ إذ يخشى أصحابها إبداء وجهات نظرهم فيها ، في حين غدوت وصّيا عليها وعلى غيرها ، وأنت توزع الإحكام ، وتقحم نفسك بتعليقاتك غير اللائقة على ما يقوله ضيوفك الموقرين ! إذ ينبغي أن تكون حياديا وموضوعيا ما استطعت إلى ذلك .. فلماذا تفتقد أسلوب الحوار ، وأسس اللباقة ولا تعرف حدود الأدب ، ولا تدرك طبيعة الموضوع ولا سقفه ولا عناصره ؟؟ أجدك تبالغ كثيرا في نفسك وتعتبرها بموازاة الآخرين عندما تكلمهم من دون حواجز .. هل تعتقد بأنك محاورا كأولئك الإعلاميين العالميين ؟ أبدا ، فبينك وبينهم مسافات شاسعة ، خصوصا ، عندما نعلم بأنهم أعمدة في الإعلام والثقافة والصحافة العالمية .. لقد أحصيت عليك جهلك ببعض المصطلحات والمعلومات العامة ، فرابني حتى وجودك في الإعلام العربي المنكود .. ولا انتقد ضعفك في اللغة العربية فغيرك مثلك، ولكنك تقدم حوارك من قناة عربية ! وأنصحك باستدراك أخطائك التي لا تعدّ ولا تحصى .

إن ضيوفك ليسوا بحاجة إلى أن تناور معهم وكأنك تقول للعالم : ها أنا ذا أفحمهم أمامكم ، وأنت تصطنع أسئلة مضحكة تافهة لا يمكن ان يسألها سائل عادي . إن لأي حوار أصوله والأسلوب المتّبع في عرضه وأدارته ، فلا يمكن أن تجلس لتلقي بأسئلتك العادية ، وأنت غير مدرك لما تقول في حوار تشاهده الآلاف المؤلفة من الناس عبر العالم . إنني أريد منك ومن أمثالك التخلص من سطحية بالغة ، إذ لا أريدكم أن تحاوروا ضيوفكم ، وكأنهم من مستوى واحد ، أو كأنكم تجلسون في بيوتكم ، فشّتان بين الكلام العادي الذي نحكيه في بيوتنا وبين الكلام عالي المستوى الذي يتأمل صاحبه ، ويدقّق فيه نظرا لاستماع آلاف الناس إليه ! ان الإعلام العربي المعاصر الذي ابتلى بمثل هذه النماذج السيئة التي تقف اليوم حجر عثرة أمام نشر الوعي وأمام كل المبدعين والمثقفين الحقيقيين .. ليس الا لأنها نماذج زرعها الأباطرة الجدد !



مثقفة حقيقية

تلك هي قصة أخرى لمثقفة واعلامية عراقية ممتازة ، ذاع صيتها نظرا لخصوصيات ما امتلكته من قدرات رائعة . لم يزل يتذكر صفحاتها كل من كان يتابع عن كثب دورها الإعلامي الخصب على شاشة إحدى الفضائيات العربية الشهيرة .. ولكونها مثقفة حقيقية ، جريئة وشجاعة ومتكلمة .. واستقطبت من حولها الناس .. فلقد غدت خصما لدودا لكل التافهين والسطحيين والإملائيين كالعادة العربية القميئة عندما يحارب الإنسان المنتج الحقيقي في رزقه ، وان لم يطاولوه نالوا من سمعته ! ونحن ندرك كم هي طبيعة العلاقات الموجودة بين الإعلاميين العرب ومرؤوسيهم ! لقد حوربت تلك الإعلامية الرائعة حربا لا هوادة فيها ، وهي لم تخفض لهم أي جناح من الذلة والمسكنة والاستصغار أبدا ، إذ بقيت شامخة بوجوههم ، حتى وصلها كتاب بالفصل من العمل ، فلم تهتز ولم تبكب او تذل نفسها امامهم ، بل خرجت من تلك المحطة التي خدمتها شامخة .. وبالرغم من إلحاح الصحافة والناس بضرورة عودتها ، ولكن القرارات التي يتخذونها لا يتراجعوا عنها .. فخسرت التلفزيون العربي واحدة من المع الإعلاميات العربيات اللواتي تميزّن بثقافتهن الواسعة ، ولغتهن القوية ، وسحر موضوعاتهن .. ومدى ما اتصفن به من شجاعة واحتراف ناهيكم عن خبرتهن منذ سنوات . تركت عملها بأنفة واعتزاز من دون أن تتذلل لصناع القرار من ذوي الإمبراطوريات الإعلامية .. وتعيش اليوم من دون أي خدمة إعلامية تفيد الاجيال التي هي بأمس الحاجة الى التدريب والخبرات ، والى روعة التقديم ، وقوة العطاء . كان لابد أن تقدمها إلى كل مجتمعاتنا التي هي بأمس الحاجة للمثقفين الحقيقيين بدل هذا الموج العاتي من السطحيين والفارغين الذين لم يفتحوا كتابا واحدا في حياتهم !



روعة إعلامي

ها أنا ذا أمام جيل جديد ، ربما يمثّله إعلامي شاب لبناني رائع سجل ببرنامجه الممتاز ، انعطافة مهمة جدا في الإعلام العربي اليوم .. ليس لما امتلكه من كاريزما وعوامل جذب ، بل لأنه عرف كيف يستقطب الناس بأسلوبه الخلب.. كيف يعيش مشاكلهم ومآسيهم .. كيف يعالج وبمنتهى الدقة زمنه من خلال النماذج التي يظهرها معه .. واللباقة التي يتمتع بها . إن رجل الإعلام ينبغي أن يدرك اليوم أن ليس كل ما يرّوج له صحيحا في ميادين الإعلام .. وان لا يتخذ من الاملاءات التي تقع على رأسه أوامر مقدسة يمتثلها بكل دقة .. بل عليه أن يتحرر من طوق الاملاءات ، كي يعّبر تعبيرا حرا عما يريده الناس ، لا كما تريده السلطات ، مهما كانت طبيعة تلك السلطات سياسية أم إدارية أم دينية .. إن مرحلتنا الزمنية هذه تتطلب من الإعلاميين أن يكونوا معبّرين عن واقع حقيقي يعيشه المجتمع لا عن واقع مزيف تريده الأنظمة السياسية والسلطوية ! إن مجتمعاتنا العربية لابد أن تعالجها الإعلاميات كلها بكل وضوح وشفافية ، وان ينزل الإعلامي من برجه العاجي إن كان يعيش عاليا ، أو يتخّلص من سطحيته إن كان تافها .. وان يكون طبيعيا بعيدا عن التزييف .. إنني كثيرا ما أجد إعلاميين مزيفين ، فهم يحملون ثقافة وطنهم ، ولكنهم يتلبسون أشكالا أخرى من التفكير والتصنّع لإرضاء مؤسساتهم التي يعملون فيها ..

وأخيرا أقول ، بأن هذه ثمة نماذج من واقع إعلامي عربي يعج بالتناقضات ، فرض نفسه على مجتمعاتنا التي لا خيارات لها إلا أن تستسلم لها .. إنها رسالة أريد إيصالها إلى سدنة الإعلام العربي اليوم .