الرئيسية » مقالات » التضييق والتجاوز على الحقوق النقابية هو خرق للدستور وتزييف للعملية الديمقراطية

التضييق والتجاوز على الحقوق النقابية هو خرق للدستور وتزييف للعملية الديمقراطية

لا ينص الدستور العراقي الجديد إلاّ على مادتين من بضعة أسطر بقدر ما يتعلق بحقوق مؤسسات المجتمع المدني وحق المواطن العراقي في تأسيس النقابات والجمعيات والاتحادات المهنية. فقد نصت المادة 22 الدستور على ما يلي:

أولاً :ـ العمل حقٌ لكل العراقيين بما يضمن لهم حياةً كريمةً.
ثانياً :ـ ينظم القانون، العلاقة بين العمال وأصحاب العمل على أسسٍ اقتصادية، مع مراعاة قواعد العدالة الاجتماعية.
ثالثاً :ـ تكفل الدولة حق تأسيس النقابات والاتحادات المهنية، أو الانضمام إليها، وينظم ذلك بقانون”.

كما نصت المادة 43 الفقرة الأولى من الدستور على ما يلي :
“تحرص الدولة على تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني، ودعمها وتطويرها واستقلاليتها، بما ينسجم مع الوسائل السلمية لتحقيق الأهداف المشروعة لها، وينظم ذلك بقانون”.
وعلى الرغم من هذا الاقتضاب المخل في المادة المتعلقة بأهم ركن من أركان الدولة الديمقراطية وأكثرها اقتراناً بمقومات المجتمعات العصرية، إلا أن الحكومة ومجلس النواب لم يبادرا حتى الآن إلى تشريع قانون لهذا البناء الهام من أركان الدولة الديمقراطية، في تأكيد واضح على تجاهل كل من السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية لأهمية مؤسسات المجتمع المدني ودورها الحساس في بناء العراق الجديد. وعلاوة على هذا التجاهل لمؤسسات تمثل قطاع واسع من القوى الاجتماعية الحديثة في المجتمع العراقي، فإننا نرى إن السلطة التنفيذية تتدخل في كل صغيرة وكبيرة في نشاط النقابات والاتحادات والجمعيات، وهي بذلك تتجاهل الاستقلالية التي حددها الدستور لهذه المنظمات وتخرق بفظاظة النص الدستوري الواضح.
لقد انتظر منتسبو النقابات والاتحادات ومنظمات المجتمع المدني بعد سقوط الطغيان أن يسدل الستار على ذلك الفصل المشين في التعامل مع منظمات المجتمع المدني. ولكن هذا الأمل قد تبدد عندما حرمت هذه المؤسسات من استقلاليتها ومن ادارة شؤون منتسبيها بعيداً عن هيمنة الحكم. فقد جرى التمسك بنهج الحكم السابق في التعامل مع هذه المؤسسات، بدءاً من قرار مجلس الحكم المرقم 3 لسنة 2004، والأمر الديواني المرقم 626 لسنة 2004، والتعميم المرقم 3908 الصادر عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء، وما تبعه من الأمر الديواني المرقم 8750 لسنة 2005، والقاضي بوضع اليد على أموال المنظمات والنقابات وتجميد أرصدتها، ناهيك عن التدخلات الفضة لمجلس الحكم ومبادرته إلى تشكيل لجان تحضيرية للانتخابات المهنية على أساس القرار الصدامي المرقم 150 لسنة 1987. لقد تعرض هذا المرفق الهام إلى ممارسات مخلة عديدة تعيق التنظيم النقابي والمهني، والذي بلغ حد التدخل حتى في شؤون الاتحادات الرياضية بحيث تحول الناطق بأسم الحكومة السيد علي الدباغ إلى مشرف على النشاط الرياضي وعلى الاتحادات الرياضية!!.
لقد تحوّلت وزارة الدولة لشؤون المجتمع المدني في الممارسة إلى وزارة لكبح أي نشاط مستقل للنقابات والاتحادات المهنية. وهي وزارة لا يعرف الدافع لتأسيسها وما هي وظيفتها، التي أكدت في الممارسة على أن مهمتها هي خرق الدستور بقدر ما يتعلق بالنشاط النقابي والمهني وأداة لتهديد للنقابيين. لقد كان آخر ما قامت به هذه الوزارة المبهمة الصلاحيات بإصدار بيانات وقرارات تقضي، وبشكل لا يستند إلى أي مسوغ قانوني، بتأجيل الانتخابات النقابية للاتحاد العام لنقابات العمال في العراق. وبلغ الأمر بهذا الخرق الدستوري من قبل أطراف في السلطة التنفيذية إلى ممارسة التهديد ضد واحدة من أقدم وأكبر النقابات المهنية في البلاد وهي نقابة المعلمين.
إن هذه الممارسة علاوة على كونها خرق فاضح للدستور، فهي في نفس الوقت تتعارض مع البيان الوزاري للحكومة أثناء استيزارها، كما أنها تخالف بشدة التأكيدات التي يطلقها رئيس الوزراء السيد نوري المالكي في كل خطاباته وفي حملته الانتخابية حول التزامه بالدستور، ودعوته إلى التمسك بالقوانين والدستور باعتباره هو المرجع والفصل والحكم بين العراقيين. فأين هذه الخروقات الفضّة من الدعوات المتكررة للسيد رئيس الوزراء؟. ولماذا لا يقف رئيس الوزراء ضد هذه الممارسات التي تلحق الضرر بجمهرة واسعة من المواطنين، كما تلحق بسمعة حكومة الوحدة الوطنية ومكانتها وتثير التساؤل حول مدى جديتها في خدمة العراقيين الذين انتخبوها؟.
إن تحويل مؤسسات المجتمع المدني إلى أدوات بيد الحكومة أو بيد الحركات السياسية لا يعني إلاّ مسعى مريب لإجهاض العملية الديمقراطية الفتية في العراق. وهذا المسعى ينطوي على خطر يهدد البلاد ويضعها على كف عفريت بعد أن حققت بلادنا خطوات على طريق الاستقرار وبناء دولة القانون. إن الأطراف المعشعشة في بعض مرافق السلطة التنفيذية من فلول العهد والسابق أو ممن تسلق في إدارات الدولة بعد سقوط الطغيان، تعمل على تهميش دور مؤسسات المجتمع المدني، لأنها تخشى من الانهيار التام للبناء الطائفي وتجار الدين السياسي والمتلاعبين بعواطف البسطاء وعقائدهم المقدسة كي يفرضوا هيمنتهم على البلاد ويعرقلوا البناء الديمقراطي الذي يهدد مصالحهم. فمؤسسات المجتمع المدني، خلافاً لتقليعة أحزاب الدين السياسي والطائفي، لا يمكن أن تكون إلاّ منظمات عراقية الهوية، ولا تخضع لأية فرضيات طائفية أو عنصرية أو عشائرية. فالمعمل والنقابة بحكم العمل المشترك هي حاضنة للعراقيين بكل أطيافهم، ولا يجمعها سوى جامع المهنة المشتركة والمصلحة المشتركة في البناء وفي التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية المتساوية. وهذا ما يتعارض بل ويهدد مصالح النخب الطائفية والعنصرية والمتاجرين بالدين والمعشعشين في مراكز هامة من مراكز الدولة. إن هذه الفئات تخشى الآن أكثر من أي وقت مضى من أن يؤدي دوران عجلة الصناعة والزراعة والنشاط الانتاجي إلى تفعيل دور المؤسسات النقابية والمهنية والاتحادات الأخرى، مما يسحب البساط من تحت المتاجرين بالمشاعر الطائفية التي عادت بالخراب ونزيف من الدماء على العراقيين بكل أطيافهم. ونأمل من كل من يحرص على العراق وعلى مستقبل الديمقراطية فيه أن يعمل بهمة وحماس على دعم مؤسسات المجتمع المدني، ويقف إلى جانب حق الطبقة العاملة في بناء نقابات مستقلة، وإلى جانب حق المهندسين والأطباء وكل أصحاب النشاط المهني الإبداعي في العراق من أجل إجهاض مساعي القوى المتشبثة بمواقعها في بعض مناحي السلطة من أجل إرجاع عجلة التاريخ إلى مرحلة التجارب المضنية التي عانت منها الطبقة العاملة والفلاحين وكل منتسبي النقابات والمنظمات المهنية والاتحادات الطلابية والنسائية والشبابية، ومن أجل نقابات واتحادات مهنية مستقلة حقاً وبعيدة عن هيمنة السلطة والأحزاب الشمولية. وما على شغيلة بلادنا إلاّّ أن ينظروا بجدية إلى مساعي مريبة لأطراف لها نفوذ في السلطة التنفيذية لتهميشهم والدوس على حقوقهم كي يتم دفع العملية السياسية والتحول الديمقراطي إلى مسار متعرج وخطر أيضاً.

11آذار2009