الرئيسية » مقالات » ماذا لو نضب صلب الأديب وأجدب رحم الأدب؟!

ماذا لو نضب صلب الأديب وأجدب رحم الأدب؟!

العقلانية والروحانية والوجدانية والحيوانية، مفاهيم أربع، يحمل كل واحد منها مدلوله، كما له شخوصه ومصاديقه، فيقال لفلان أنه عقلاني أو عقلائي في قراراته وتصرفاته ويزن الأمور بميزان العقل، فيستفيد ويفيد، ويقال لعلان أنه روحاني يزن الأمور بعين البصيرة على خلفية دينية، قد يعتزل الناس فلا تنفع روحانيته إلا نفسه والعدد القليل من المحيطين به، وقد يعيش حياة الناس وينزل إليهم فينفع الناس ويطير بهم من وادي الحياة وشجونها إلى مراقي النجاة وحبورها، وقد يقال لثالث أنه وجداني، يضع قاطرة حياته على سكة الفطرة والعاطفة، فالأولى تعدل من ميلان الثانية، والثانية تلين من تصلب العقلانية، والأولى تلملم من فضفاضية الروحانية، وقد يعيش رابع حياة الضر والنكد، لا يقيم للحياة وزنا، همه من الدنيا مصلحته وإن تحققت على حساب معاناة الآخرين كالبهيمة همها علفها، فالعقلانية عنده تخلف والروحانية رجعية والوجدانية سلاح الخائبين.
والإنسان يتحرك في إطار هذا المربع، قد يقترب من أحد الأضلاع فيوصف به، وقد يبتعد عن ضلع فيوصف بالآخر، والإنسان السوي هو الذي يمارس حياته داخل هذا المربع دون إفراط وتفريط، يستهدي بالعقل وعيناه الروحانية والوجدانية، ولا تميل نفسه إلى الحيوانية وإنما يأخذ من الدنيا نصيبه ومبتغاه الدار الآخرة، وهذه صفات ندر حصولها إلا في الخلص من عباد الله، ولكن الإنسان يظل يصارع الحياة من اجل التأقلم ضمن هذه الأضلاع بما فيه سعادة الدارين.

زورق الوجدان
وحيث يميل التجريبي إلى العقلانية والعالم إلى الروحانية والجاهل إلى الحيوانية، فهل لنا أن نضع الأديب في خانة الوجدانية؟
لاشك أن الواقع يقول بهذا التلازم، ولكن من حيث الاستقراء فان من العظماء العقلاء عظماء في الأدب وإن من يقف على قمة الروحانية قد يقف في الوقت نفسه على قُلَّة الأدب، وإن من الهزبر في ساحة النضال صباحا تراه عبدا ذليلا في ساحة العبودية ليلاً، فليست هناك تقاطعات عند البعض وهم قلة، لكن الثابت أن الشعراء يتنقلون في مسار حياتهم الأدبية في محاذاة الأضلع الأربعة يقودهم في رحلتهم الأدبية حادي الشعور، وقد يكون الشعور ملتزما فتأتي القصائد قريبة من الوجدان القريب هو الآخر من الروحانية والعقلانية، وقد يكون الشعور منفلتاً فتبتعد أبيات القصائد عن دور الوجدان وتنأى بعيدا عن مدينة العقل والروح وتوغل في وديان الحيونة، فتكون الأبيات مرتعا للرذيلة من خدش للشعور الإنساني أو الطعن بالأعراض أو تعظيم المستبد، وللانتصار أو الإستغراق في التفاخر أو الهجاء.
والشاعر الصادق مع نفسه ومع الحياة هو الذي يبحر بزورق الوجدان ومجدافاه العقل والروح، سعيا وراء ربح الدارين والانتصار لقيم الحياة، وهذه الحقيقة وهذا الكم من المفاهيم طالما يؤكدها البحاثة والعروضي الدكتور محمد صادق محمد الكرباسي في مؤلفاته الكثيرة الخاصة بالأدب الحسيني، من أجل خلق تيار أدبي موزون، فقدر الأدب لا يثبت إلا على أثافي العقل والروح والوجدان، وفي هذا الإطار صدر في العام الجاري 1430 هـ (2009م) عن المركز الحسيني للدراسات بلندن، الجزء الأول من ديوان القرن الثاني عشر الهجري (15/10/1689-23/10/1786م) الخاص بـ (الحسين في الشعر العربي القريض)، في 530 صفحة من القطع الوزيري.

صورة ضبابية
ولما كان النظم لا ينبع من معين الشاعر فحسب وإنما هو يجري بفعل تقلبات الحياة وتأثيراتها على مشاعر الناظم، فان المحقق الكرباسي عكف في كل قرن هجري جديد أن يمهد لديوان الناظمين في الإمام الحسين (ع) بمقدمة وافية عن الظروف السياسية والاجتماعية لذلك القرن، لان الظرف الذي يعيشه الشاعر ينعكس بشكل كبير على قصائده، ومعرفة الظروف تظهر النقاط المخفية من لوحة الحياة، وتضئ الزوايا المظلمة من أبيات الشاعر، الذي قد يتستر بدرع التورية للابتعاد عن سياط الحاكم، بلحاظ أن الشاعر مع قصور وسائل الإعلام في تلك المراحل الزمنية كان يمثل سنام الإعلام، فإما أن يكون ناطقا بلسان الشعب أو أن يكون شاعر البلاط، ولكل موقف ضريبته، وفي مثل هذه المواقف الخطيرة لا يحسد عليها الشاعر الحر.
ويقدم الشيخ الكرباسي صورة ضبابية في قراءته لأدب القرن الثاني عشر الهجري الواقع معظمه في القرن الثامن عشر الميلادي، فعنده: “إن هذا القرن كان من القرون المظلمة بحق، حيث لم ينهض الأدب بجناحيه نهوض الأسد بعد رسوبه في خريف الغابة وشتائها، وظل يعرض تارة ويتقاعس أخرى، ولم يظهر فيه إلا بصيص من النور الذي جعله يوصل الماضي بالحاضر ليؤهله للمستقبل، فكان في حياة سريرية قلّ فيها كتاب النثر والقصيدة”، وأرجع ذلك إلى تأصل حركة ثقافية عثمانية في تتريك العرب من جانب، ومن جانب آخر ظهور الحركة الوهابية في الجزيرة العربية، حيث أضعفت الأولى الأدب العربي وساعد على تخشّب في صلب الأدباء وركاكة في رحم الأدب، وأشغلت الثانية الكتاب والأدباء في الحديث عنها بين مؤيد ومعارض.
ولم يقتصر ضعف الأدب بعامة والشعر بخاصة في منطقة بعينها، أو قوم أو شعب أو أمة، وإنما هي حالة عامة، وبخاصة وان هذا القرن كان يشهد صراعات محلية وإقليمة ودولية، ولذلك يرى المحقق الكرباسي أن التراجع في النظم شمل أوروبا أيضا التي استغرقت في الأدب النثري المسرحي، كما إن النقاد قالوا بسيادة المذهب الكلاسيكي في النظم في أوروبا في النصف الأول في هذا القرن، في حين شهد النصف الثاني منه شيوع المذهب الرومانسي، لكن الغرب في الوقت نفسه وعلى صعيد آخر أعطى للعقل مساحة كبيرة في حياته مما جعل حركة التنوير تأخذ طريقها في المجتمع الغربي الذي أثر ايجابيا على العطاء الأدبي، على أن الشعر في العالم العربي نزع فيه الشعراء إلى الأسلوب الفني السردي، بجانب عزوف السلطات العثمانية عن الاهتمام الكافي بالأدب العربي المنثور منه والمنظوم، وحسب المستشرق الألماني كارل بروكلمان (Carrel Brokelmann) (1868-1956 م)، إن: “الضعف الذي اعترى السلطة كان متوازيا مع ذلك التدني في الحياة الفكرية، فلم تكن شخصيات السلاطين العثمانيين أو وزراؤهم تظهر ميلا إلى رغبة تجاه النواحي الأدبية”، وحسب الكرباسي: “آثرت السلطنة العثمانية قوميتها ومصالحها على مصالح المسلمين ولغة القرآن فضعفت اللغة العربية وآدابها”، ولهذا دفع العرب الضريبة وبخاصة العراق الذي وقع بين كماشتي الصراع التاريخي القومي بين الدولتين العثمانية والإيرانية، الذي ألبسوه لباس المذهبية لدغدغة مشاعر المسلمين، وظل أسير هذا الصراع إلى يومنا هذا يدفع ثمنه الشعب.

أمة بعد أختها
وتابع المؤلف الواقع السياسي في العالمين العربي والإسلامي، وسقوط حكومات وقيام أخرى، وتأثير ذلك على الأدب، فقد نشأت دولة الإمارات العربية، وقامت دولة الكويت، وسقطت الدولة الصفوية وقامت محلها الدولة الأفشارية ثم سقطت هي الأخرى وحلت مكانها الدولة القاجارية، وسقطت الدولة الهشدرخانية في أفغانستان، وقامت في أفريقيا سلطنة زنجبار التي حكمها آل سعيد في عُمان، ونشأت المملكة العربية السعودية، وقامت دولة أوده بالهند، والدولة الدرانيّة في أفغانستان، وهذه حال الأمم، فبعضها قامت على أنقاض الأخرى بصورة سلمية وأخرى بصورة عنفية وكلما دخلت امة لعنت أختها، ولا يخفى أن الضحايا في طريق التغيير المسلح كثيرين، ومن ذلك الأدب الذي تغيب فيه قمم شعرية تحت جليد الإرهاب، وتظهر فقاعات شعرية بفعل سلطات تبحث عن نصر معجل أو موهوم!
وعلى ضوء القراءة السياسية للواقع في القرن الثاني عشر الهجري تستبين القراءة الأدبية، الأمر الذي كان في مرمى هدف المحقق الكرباسي، فتابعها في الجزيرة العربية والعراق وشمال أفريقيا والهند وإيران وغيرها، ووجد على سبيل المثال أن الحركة الأدبية في تونس: “قد ازدهرت حيث تأثرت بالحياة الفكرية من خلال الإيجابيات التي قام بها الحكام الحسينيون في الفترة ما بين 1127-1300 هـ، وكان لهذه الجهود العلمية آثارها في ظهور عدد من الكتاب الذين شغلوا مراكز إدارية هامة اعتمادا على مستواهم العملي والفكري”.

إنتعاش أدبي
وتابع الحركة الأدبية الحسينية في العالمين العربي والإسلامي، وتأثير السلطات عليها، ووجد على سبيل المثال أنه: “كان للدول الشيعية الإيرانية منها والهندية تأثير في إثراء الأدب الحسيني حيث برز في تلك البلاد العديد من الشعراء الذين نظموا باللغة العربية إلى جانب لغاتهم الرسمية والمحلية”، وهذا ما حمل المؤلف على تخصيص باب لكل لغة من اللغات بل ولكل لهجة من اللهجات التي نظمت الشعر في الإمام الحسين (ع) سواء بالشعر العربي القريض أو الدارج.
ومما يلاحظ على هذا القرن هو انتعاش الأدب الحسيني على خلاف القرون الماضية، بل إن هذا القرن يشكل بداية الانطلاقة الشعرية، واعتقد أن لتطور وسائل الطبع والنسخ الأثر الطيب في حفظ الشعر من الضياع، فضلا عن نشوء حكومات لا ترتبط بالآستانة كانت تمثل حاضنة للأدب العربي بعامة والحسيني بخاصة، وموطن آمن للأدباء الذين تضيق بهم السبل في مساقط رؤوسهم ومواطن سكناهم الواقعة تحت الحكم العثماني، إذ لم يكن الأدباء يأمنون الشر من السلطات العثمانية إن كان على خلفية قومية أو مذهبية، مثلما حصل مع الأديب العراقي والفقيه السيد نصر الله بن حسين الحائري الذي اغتيل صبرا في استانبول عام 1168 هـ رغم أنه قدم سلطانها محمود بن مصطفى العثماني (ت 1168 هـ) موفدا من قبل النجف الأشرف في مهمة لتوحيد الصف الإسلامي، وقد سجل الشيخ عبد الحسين بن احمد الأميني (ت 1390 هـ) في كتابه شهداء الفضيلة 22 إسما أدبيا وعلميا من أعلام المسلمين الشيعة اغتيلوا في هذا القرن، منهم الحائري الذي استأثر بأربعة قصائد من مجموع قصائد الجزء الأول من ديوان القرن الثاني عشر الهجري الواقعة بين قافيتي الألف والدال، وجاء في إحداها بعنوان “لا أنساه” من بحر الرمل في 48 بيتاً، ومطلعها:
واغريباً قُطنُهُ شَيبَتُهُ *** إذْ غدا كافورُهُ عَفْرَ الثَّرى
ثم يربط بين سواد الكعبة والحزن على الحسين (ع) من باب المجاز:
وثيابَ الحزنِ سوداً لبستْ *** كعبةُ الله لهُ طولَ المدى
ويختمها بالصلاة على محمد (ص) وآله (ع):
وعليكم صلواتُ الله ما *** لمعَ البرقُ وما الغيثُ همى

القصيدة الخاليّة
وتنسب إلى (الخال) الذي طالما تغنى به الشعراء لوصف حسن المحبوب وجماله بوصف الخال القمر في تمامه معلق في وجنة السماء يهبها رونقا وجمالا في عيون الناظرين، حتى وصل الحال بالشاعر أن يماثل بين حبيبه الداكن البشرة بالخال، فينشد من بحر البسيط:
لام العواذل في سوداء فاحمة *** كأنها في سواد القلب تمثال
وهام بالخال أقوام وما علموا *** إني أهيم بشخص كله خال
ولكن أن يستعمل لفظ (الخال) في كل بيت من قصيدة طويلة وفي معان عدة، فهذا هو الإبداع الفني بعينه، وهذا ما لمسناه في شاعر القرن الثاني عشر الهجري الأديب والمحقق سليمان بن عبد الله الماحوزي البحراني المتوفى سنة 1121 هـ الذي كتب قصيدته الخاليّة فانتشرت في الآفاق وراح الشعراء يعارضونها بالسياق نفسه.
جاء في مطلع قصيدة البحراني من بحر الطويل:
علامَ سقى خدّيكَ من جفنك الخالُ *** أمِنْ ربواتِ اللَّوْ لاح لك الخالُ
وعارضها الشاعر السوري بطرس بن إبراهيم كرامة المتوفى سنة 1267 هـ، في قصيدة من بحر الطويل ومطلعها:
أمِنْ خدّها الوردي أومضكَ الخالُ *** فسح من الأجفان مدمعك الخالُ
وحملها والي بغداد داود باشا المتوفى سنة 1267 هـ إلى شعراء بغداد فعارضها الشاعر عبد الباقي بن سليمان العمري المتوفى سنة 1278 هـ، في قصيدة من بحر الطويل ومطلعها:
إلى الروم أصبو كلما الخالُ *** فأسكبُ دمعاً دون تسكابه خالُ
ووصلت قصيدة العمري إلى النجف الأشرف وعارضها الشيخ عبد الحسين بن قاسم الجامعي المتوفى سنة 1271 هـ، في مدح الشيخ حسن ابن جعفر كاشف الغطاء المتوفى سنة 1262 هـ، ومطلعها:
يمين للندى في الجذب خالُ *** تجودُ حياً إذا ما ضنَّ خالُ
وعارضها الشيخ موسى بن شريف الجامعي المتوفى سنة 1281 هـ في مدح الشيخ حسن كاشف الغطاء، ومطلعها:
سقى الخال من نجدٍ وسكّانه الخال *** وأزهرَ في أكتافه الرفدُ والخالُ
وعارضها شعراء آخرون، كما طارت القصيدة إلى الشام واليمن، على أن القصيدة الخاليّة من حيث النشأة تنسب إلى إمام الكوفة في اللغة والنحو أحمد بن يحيى النحوي المتوفى سنة 291 هـ، حيث أنشد قصيدة من بحر الطويل ومطلعها:
أتعرفُ أطلالاً شجونك بالخالِ *** وعيشُ زمانٍ كان في العصر الخالي
ولاحظ المحقق الكرباسي في القصائد الخاليّة: “أن معظمها أنشئ من قبل الموالين لأهل البيت (ع) وأتباعهم ومن مختلف الأقطار العربية والأصقاع الإسلامية”.

هكذا أهل مصر
وجد المؤلف من خلال استقراء الشعراء وأعدادهم وجنسياتهم، أن: “عدد الشعراء المشاركين ممن وصلتنا أسماؤهم وقصائدهم فهم اثنان وثلاثون شاعرا أو ما يزيد، ينتمون إلى عدد من الأقطار العربية والإسلامية، ففيهم من الحجاز والبحرين والعراق ومصر وسوريا ولبنان واليمن وإيران، وقد حمل ثقله بالدرجة الأولى شعراء البحرين ثم العراق”، ولم يقتصر النظم الحسيني على شيعة أهل البيت (ع): “فقد نظّم الشيعي والسُني من غير فرق لأن الحسين (ع) سبط الرسول (ص) وريحانته، وأمل الشعوب وقدوة الأحرار”، وقد ضم هذا الجزء 82 قصيدة ومقطوعة.
ومن هؤلاء صاحب منظومة الشبراوي في قواعد فن العربية، الفقيه والمصري عبد الله بن محمد الشبراوي الشافعي المتوفى عام 1172 هـ، حيث ينشد وهو في المشهد الحسيني بالقاهرة من بحر الخفيف في قصيدة من 25 بيتا بعنوان (فاز من زار حيكم):
يا نديمي قُم بي إلى الصَّهباء *** وآسقِنيها في الرَّوضة الغنّاء
ثم يضيف:
يا كرام الأنام يا آل طاها *** حبُّكم مذهبي وعقدُ ولائي
ثم يضيف:
سادتي إنني حُسبتُ عليكم *** في ابتدائي يا سادتي وانتهائي
ويقول البحاثة الكرباسي الذي يرجع بنسبه إلى والى الإمام علي (ع) على مصر مالك بن الحارث الأشتر النخعي المتوفى عام 37 هـ، وهو يعلق على هذا البيت: “أراد أنه خلق محباً ومات محباً وهكذا أهل مصر”.

دعاء وسلام وصلاة
وما يلاحظ في معظم القصائد الطوال، أن الشاعر وهو في ساحة أهل البيت (ع) بوصفهم الوسيلة وحبل الله يمهد لختام القصيدة بذكر اسمه ونسبه داعيا من الله أن يغفر له ولمن يلوذ به، وينهيها بالسلام على أهل البيت (ع) والصلاة على محمد وآل محمد.
ومن ذلك قصيدة (هم فلك النجاة) من بحر الكامل للشاعر علي بن احمد الجدحفصي المتوفى حدود عام 1181 هـ، في 94 بيتا ومطلعها:
لمنِ الطُّلولُ خلتْ بساحةِ ثهمد؟ *** وعفتْ بها فكأنها لم توجدِ
ثم ينشد:
يرجو عليٌ نجلُ أحمدَ أنه *** يغدو علياً في المقام الأوحدِ
ثم يختم:
وعليكم الصلوات والتسليمُ ما *** أحيا الحيا ميتُ الكلا في معهد

ومن ذلك قصيدة (الجوى زادي) من بحر الهزج للشاعر عبد الرضا بن أحمد المقرئ المتوفى حدود عام 1120 هـ، في 37 بيتا ومطلعها:
أفي عاشورَ أطمعُ بالرُّقادِ *** ولمْ اكحلْ جفوني بالسُّهاد
ثم يختم:
رِضا ربح الرِّضا فيها ليومٍ *** ينادي في تغابُنه المنادي
صِلاتُ صَلاةِ ربِّ العرش تترى *** عليكم ما حدا في الرَّكب حادِ
وهنا تضمين ليوم التغابن وهو يوم القيامة ويوم البعث.
والظاهر أن ثلاثية الإستغفار والسلام والصلاة، سمة عامة في قصائد هذا القرن، مما يوحي أن الأمر جرى كعرف بين الشعراء وفي بلدان مختلفة.

رؤية سريانية
يعد الأب الدكتور سهيل بطرس متى قاشا المولود في بلدة باخديدا في سهل نينوى في العراق عام 1361 هـ (26/6/1942م)، والمقيم حاليا في بيروت، من الشخصيات السريانية المسيحية العراقية، التي كتبت في الأدب والتاريخ والحضارة والتراث، فأنتجت سبعين كتابا حتى يومنا هذا، فالأب قاشا الذي يرى أن المشهد الشعري السرياني والعربي يلتقيان في التعبير عن الحزن، قرأ الجزء الأول من ديوان القرن الثاني عشر برؤية سريانية، فوجد أن الإمام الحسين (ع) هو: (راية الحق لدحر الباطل، كيف لا وهو ابن الحق، من سلالة الأصفياء، وفي مقدمتهم الرسول محمد (ص) الذين أرسوا أسس الحق في أرجاء الأمة كافة، وحماية أبنائها).
فالأب قاشا يتوسم في شخصية الأمام الحسين (ع): (الحكيم، الشجاع، الغيور والسخي والعادل، الذي قدّم نفسه فداءاً عن أمته “ما من حب أعظم من هذا أن يبذل الإنسان نفسه فداءاً عن أحبته” فوطأ الموت وصار فجراً للحياة)، وما ذلك إلا لأن الإمام الحسين (ع): (عاش الإسلام بضميره ووجدانه .. وكانت واقعة كربلاء المنتصرة رغم الشهادة).
والأب قاشا الأديب والباحث والمؤرخ، يعتقد أن الموسوعة الحسينية التي صدر منها أكثر من خمسين مجلدا: (بأسلوبها السهل الممتنع تشرح سيرة مغوار العرب والإسلام، وما أحوجنا إلى مثل هذه الموسوعات التي تفك مغاليق الأحداث وتضع الحلول للعديد من الألغاز والطلاسم في سيرة مشاهير الأمة وقادتها، وعلى رأسهم الإمام الحسين أبو عبد الله المثال الأعلى والقدوة الفاضلة لشباب الأمة وشيبها).
في الحقيقة إن هذا الديوان كما يؤكد الأب سهيل قاشا يمثل سفرا: (للعديد من الشعراء الذين آمنوا بالقضية فنظموا قلائدهم بحق الإمام الحسين، وهم يأملون أن يضعوها قلائداً في جيده الشريفة إن لم يستطيعوا أن يضفروها أكاليل وتيجانا من النرجس والزنبق. وعليه نثمن هذا السفر الجليل ونتمنى أن يُقرأ بإمعان المحقق وصدق المدقق، فينال الشكر والثناء لليد التي سطرته وأبرزته).
*إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات – لندن
alrayalakhar@hotmail.co.uk