الرئيسية » مقالات » لا عزاء للشيوعيين

لا عزاء للشيوعيين

اسم الكتاب: طوارق الظلام.
المؤلفان: توفيق الناشي وابتسام الرومي.
التصنيف: رواية سياسية تاريخية من أدب السجون.
مكان وزمان الرواية: بغداد عام 1963.
دار النشر: الرواد المزدهرة للطباعة والنشر، بغداد.
محتوى الكتاب: ثمانية فصول في 184 صفحة من القطع الكبير.
لوحة الكتاب ولوحات الفصول: الفنان منير حاكم.
الكتاب مسجل في الدائرة السويدية المختصة بالتأليف والنشر بعنوان:
1963 الرقم السري لبوابة جهنم.


(بعد قراءة هذه الرواية يحتاج المرء كي يستعيد توازنه، لأن يتنفس بعمق وينطلق في مشوار بلا هدف على قدميه، أو أن يستمع لموسيقى وأغان يحبها أو يتابع مباراة لكرة القدم أو ربما يحتاج لأن يجمع أصدقاءه الذين يحبهم ويجلس بينهم في جلسة حميمية فترة طويلة.
الروائية ابتسام الرومي هي كاتبة الرواية وبطلتها وضحيتها وشاهدة أحداثها في منطقة الصالحية ببغداد وقصر النهاية وملعب الإدارة المحلية بالمنصور وسجن النساء. ظلت تفاصيل القصة أكثر من أربعين عامًا في ذاكرتها. بعد حوار طويل بينها وبين ابنتها كتبت روايتها، حيث انتهى الكاتبان منها ربيع 2005. هذه الرواية علمتني أمرًا هو إن جاءني أحد من شهود تلك الفترة أو من شهود حقبة الدكتاتور صدام حسين وقال لي مهمومًا: أريد أن أسولف، سأعطيه أُذني فورًا وأقول له: سولف يا صديقي. فإن هذه السوالف ترفع همًا ثقيلاً عن قلوب وأرواح شعبنًا العراقي التي تورّمت وكادت تنفجر بما حملته من قهر وهم.
إن لم تكن شريفًا وكريمًا وشجاعًا، نصيحتي أن لا تقرأ هذا الكتاب.)

تبدأ الرواية بإكرام وهي فتاة في السابعة عشر من عمرها تهيم على وجهها باحثة عن بيت تختبئ فيه، في مدينة مرتجفة محاصرة بقطعان من الرجال المسلحين المنفلتين، الباحثين عن ضحايا ليفتكوا بهم انتقامًا من تأييد ضحاياهم لنظام وطني انتهى بانقلاب عسكري، وقد قام الانقلابيون في التو بالفتك بزعيمه المحبوب شعبيًا وبعض رجاله الذين وقعوا في أيديهم في أحد استوديوهات إذاعة بغداد في منطقة الصالحية ببغداد، بعد محاكمة عسكرية صورية سادتها نوبات من الصراخ والهستيريا والتشفي بدل العقل والمنطق والقانون استغرقت دقائق معدودات، بعدها صار القاضي هو الجلاد فأطلق الرصاص.
لا تجد الفتاة أمامها إلا أبوابًا موصدة على ساكنيها الهلعين الذين كانوا يشاهدون صورًا تلفزيونية لأولئك الرجال وقد اخترق الرصاص أجسادهم.
تصف الرواية بغداد كمدينة أشباح فرض عليها حظر التجول، فيما يجتاح شوارعها وميادينها ومحلاتها وباء خطير. وتتحدث الرواية أيضًا عن شباط الأزرق كما يسميه العراقيون قبل أن يعيدوا تسميته بشباط الأسود بعد ذلك الانقلاب الذي روّع ملايين الأبرياء:
فقد اقترن اسم هذا الشهر بالشر والمرض والجريمة والبرد الشديد في ذاكرة العراقيين. غالبًا ما تهب ريح شديدة البرودة تجعل وجوه الناس وشفاههم زرقًا، أما المزروعات فهي الأخرى تنطوي على نفسها وتبدو خضرتها مائلة للزرقة. في هذه الأجواء المرعبة والناس لا تدري متى يطرق الحرس المدني أبواب بيوتهم وينتهكون حرمتها شاهرين أسلحتهم مطلقين صراخهم وشتائمهم المرعبة في وجوه النساء والأطفال، حتى صوت المذياع كان يثير الرعب والهلع في نفوس الناس وهم يستمعون إلى هناء العمري وهي تذيع البيان رقم 13 الذي يدعو للتبليغ عن الشيوعيين الذي قاوموا الانقلاب لإبادتهم. كان صوتها متشنجًا محرضًا يعلن هذا القرار على طبول الموت التي كانت تنبعث من الموسيقى الحماسية والأناشيد المصرية المنفعلة. ولعل العمري كانت فخورة بزعيقها ذاك، ولعله كان أحد إنجازاتها المهمة الذي جعل لحياتها معنى، مثلما كان أحدهم يفخر بأنه سلب ساعة سلام عادل حين كان الأخير يلفظ أنفاسه تحت التعذيب في قصر النهاية، وهو يستعرض معصمه عارضًا ما سلبه من الشهيد أمام أعين الناس. أو كما يفخر أحد الأطباء أنه عمل في فترة ما من حياته نائبًا لجلاد في مسلخ بشري وكان يثير الرعب في قلوب الأبرياء، بدل أن يكون طبيبًا محترمًا وملاذًا آمنًا لهم مقارنة بطبيب آخر بقي 72 ساعة عند سرير أحد مرضاه لم يغمض خلالها جفنه وهو يحاول جهده، حتى استقرت حالة المريض، قال بعدها بارتياح الآن فقط أستطيع أن أنام.
بعد منطقة الصالحية تنتقل الرواية إلى قصر النهاية بعد أن يلقي الحرس القبض على إكرام ويزجون بها هناك لتسجل الرواية تفاصيل يومية عما كان يحدث هناك، وعن لجنة التحقيق ورئيسها مدحت إبراهيم جمعة وبعده عبد الكريم الشيخلي والمعتقلين وما كان ينالهم من ضرب وتعذيب جسدي ونفسي، وعن آخرين في لجنة التحقيق والجلادين والأطباء الذين أشرفوا على كل ذلك. تشير الرواية إليهم مباشرة ذاكرة أسمائهم الصريحة وما كانوا يفعلون ويقولون متحملة المسؤولية كاملة. ولا تُغفل الرواية بعض المواقف الإنسانية من بعض المحققين هناك.
يعيدني أحد الأسماء التي تتكرر كثيرًا في رواية طوارق الظلام إلى نقاش جرى في الثمانينات في إحدى الصحف العربية الكبرى عن زيارة لدبلوماسي وخبير دولي جرى استقباله في المطار كضيف كبير قادم من المنظمة الدولية لحضور مؤتمر مهم. كان الصحفيون يناقشون كيفية إعداد الخبر ومكان نشره في الصحيفة. لعل أحد الزملاء ابتسم ضاحكًا طالبًا مشورتي لأن القادم خبير عراقي يُدعى مدحت إبراهيم جمعة. لعل غبطتي كانت ساذجة وقتها. في الرواية يظهر هذا الضيف العزيز والخبير الدولي في مشهد مريع وهو يقوم بتعذيب فتاة عراقية لم تُكمل السادسة عشر من عمرها. وقد طوى كمي قميصه حتى المرفقين وفي يده خيزرانة.
تقول الرواية كان الرجل يشتم ويصرخ كالثور الهائج وينهال على ضحيته بلكمات عنيفة ويرفس جسدها الصغير الذي تدحرج على الأرض وهي تتلفع بعباءتها كي لا ينكشف جسدها تحت ثيابها الرثة. لنكمل المشهد رغم أنه مشهد مؤذٍ، نقلاً عن الرواية في الصفحة 50:
(امتلأت الغرفة بصراخه وشتائمه، وعلى حين غرّة انهال على وجهها الطفولي بلكمات ثقيلة من يديه. كان يضرب بيديه ورجليه وهو في حالة شديدة من الهستيريا، بينما هي تحاول أن تحمي وجهها بيديها وهي تصرخ بلا جدوى.)
بعد ذلك خرج بطلهم وعاد وبيده خيزرانة رفيعة ليلهب ظهرها فأطلقت صراخًا شديدًا تحت ضرباته المتواصلة، كان متلذذًا بعمله منسجمًا معه.
غالبًا ما يخطر على بال المرء سؤالاً كالتالي:
لحظة الكشف عن واقعة كهذه وحين استقبال شخصية مزدوجة كالبطل موضوعنا، الم تكن الصحافة معنية بتعريف قرائها عن زائرهم الخبير؟ وفي حال وجود صحافة تحترم نفسها، أما كان الأجدر بها أن تسجل بعضًا من الوقائع البارزة في حياة وتاريخ زوارها الكبار والمهمين بان تنشر شيئًا عن سيرهم الذاتية، وتضع حادثة أداء هذا الرجل لواجبه في قصر النهاية في هذه السيرة؟ ربما لو حدث هذا مرّة واحدة، ما جرأت حكومة مهما بلغت في استهتارها على وضع أمانة تمثيلها على هذا النوع من الناس، هذا النوع من الرجال حصرًا. وما قبلت أيه منظمة دولية مهما كان مستوى عماها وصممها، ومهما بلغت انتهازيتها وحجم مصالحها مع ذلك البلد على قبول رجالاً من هذا الطراز. وأحيانًا تخطر فكرة جنونية أن يُفرش لأمثال هؤلاء بساط من الدم بدلاً من البساط الأحمر الذي يُفرش للزوار عند مخرج الطائرة.
لم تنس رواية (طوارق الظلام) تدوين أسماء كل أصحاب الواجب في ذلك القصر الذي أثار بعد عام 1963 الرعب في قلوب العراقيين من شيخهم حتى رضيعهم. القصر الذي تنتهي حياة الناس عنده أو آدميتهم على الأقل. تسجل تلك الأسماء للذاكرة والتاريخ لأنها أسماء يتوهم أصحابها أنها ستسقط من ذاكرة الناس. من هذه الأسماء: محسن الشيخ راضي، مدحت إبراهيم جمعة، خليل العاني، منعم عبد القدوس، بهاء شبيب، هاشم قدوري، الكوميدي عدنان هايس الذي اتصف بخفّة دمه أثنا سخريته من ضحاياه بعد تهديدهم. حازم جواد (وزير خارجية فيما بعد)، أبو طالب عبد المطلب، خالد علي الصالح، أياد سعيد ثابت، كريم شنتاف، حميد خلخال، صباح المدني، نجاد الصافي، هاني الفكيكي، عبد الكريم الشيخلي، عبد الله السامرائي، ظافر السامرائي، حسن العامري، أيوب وهبي، سالم منصور، الدكتور تحسين معلة، جعفر قاسم حمودي، وسعد قاسم حمودي والضابط عدنان الناصري وآخرون.
بعد مدحت إبراهيم جمعة صار عبد الكريم الشيخلي المسؤول عن الهيئة التحقيقية. كان يأتي بصحبته العديد من الضباط وهو خبراء طبعًا للإشراف على التحقيق وحثّ المحققين على الإيغال في أساليبهم التي (يتجنّى) المؤلفان بوصفها بالوحشية لانتزاع المعلومات. تذكر الرواية من هؤلاء الضباط أسماء صالح مهدي عماش، محمد المهداوي، عبد الكريم نصرت، منذر الونداوي، سعيد صليبي وغيرهم. وفي الأيام الأولى كان يأتي علي صالح السعدي نائب رئيس الوزراء والوزيران حازم جواد وطالب شبيب، وقد أشرف الوزيران على التحقيق مع سلام عادل.
فيما تشير الرواية إلى طبيبين كانا يعاينان المتضررين من التعذيب هما عصام الراوي الذي كان طالبًا في الصف السادس في كلية الطب وزميل السجينة منار. والدكتور تحسين معلة. تنقل الرواية مواقف هذين الطبيبين المشرفة وغير المشرفة. حول عصام الراوي تسجل الرواية:
(كان الرجل مخلصًا لعمله كطبيب متدرب، وطالما حاول بإخلاص مساعدة من أنهكهم التعذيب وكادوا يصلون إلى الموت. فمن مصلحة التحقيق أن يبقوا على قيد الحياة لتعاد معهم المحاولات وجولات التحقيق من جديد، علّهم يسقطون في المرّة القادمة ويدلون بما لديهم من معلومات، لذلك كان يصرّ على إيقاف تعذيب من يراه منهكًا. بل إنهم استدعوه ليرى روزة التي كانت تتقيأ باستمرار لأنهم متأكدين من أنها حامل من سلام عادل فهي مراسلته وقد ألقي القبض عليها مع العائلة التي يسكن عندها، رغم أنها طالبة في كلية لم تتجاوز الحادية والعشرين من عمرها ولم تكن متزوجة، بل هي فتاة خجولة جدًا ومن عائلة محافظة.
فحص عصام روزة فوجدها تتقيأ دمًا بعد أن ركلها أحد المحققين في معدتها وهنا فقد الرجل تماسكه ووصل صوته إلى مسامع إكرام، بل القصر كلّه: “توقفوا عن إطلاق مثل هذه الاتهامات الحقيرة. سوف لن آتي إلى هذا القصر ما لم تتوقفوا عن ذلك”. ساعدت ثورته تلك الفتاة المسكينة فتوقفوا عن معاملتها بتلك الطريقة المخجلة.)
أما حول الطبيب الأخر فتقول الرواية:
(أما المسؤول الآخر فهو الدكتور تحسين معلة، وكان قاسيًا جدّا متحجر القلب، فعندما يقوم بفحص من يُغمى عليه من أثر التعذيب، كثيرًا ما ينطق حكمه أن المغمى عليه يمكنه أن يتحمل جولات أخرى من التعذيب دون أن يموت، ولا داعي لمعالجته أو منحه فرصة من الراحة.)
من هؤلاء الذين طلب طبيب القصر الدكتور تحسين معلة الاستمرار في تعذيبهم الضابط القريب من عبد الكريم قاسم، غضبان السعد.
بعد أن تتحدث الرواية عن تعذيب الفتى الصغير فاضل (14 عامًا) بتعليق أمه الحامل أمام عينيه حتى قتله فوق سطح القصر. تصف الرواية الجلادين بالقول:
(كانوا لا يتورعون عن القيام بأي فعل دنيء، وحوش ضارية ومجموعات من السفلة والمنحرفين. إحساسهم بالفشل والرفض تحول إلى كراهية سوداء وحقد متفجر عبروا عنه بذلك الحماس المتحفز في تعذيب أبناء جلدتهم وسعيهم المتقد من أجل سلب المعتقلين كرامتهم، لا يعرفون أنهم بذلك يفقدون آخر ما تبقى من إنسانيتهم ويسلمون أنفسهم إلى الضياع. كلّ سوط يجلدون به ضحاياهم يتحول إلى سوط يجلد أرواحهم ويحيل دواخلهم إلى أرض بور لا ينبت فيها إلا الشؤم والحقد. قد يعذبون الضحية حتى الموت لكنهم يقتلون معها كل منابع الرحمة في قلوبهم ويسدون منافذ النور والفرح في نفوسهم فيصبحون مجرد أشباح بائسة تتخبط في ظلام اليأس يقودها الخوف إلى المزيد من الجريمة والمزيد من الضياع.
خليل العاني أحد أعضاء لجنة التحقيق تصفه الرواية بأنه رجل طويل القامة أجعد الشعر حنطي اللون بوجه يميل إلى الشحوب وعينين سوداوين ضيقتين تميلان قليلاً إلى الأعلى. دخل غرفة الفتيات المعتقلات وقرر أن يلعب لعبة الروليت مع السجينة إكرام. كان يوقفها باستقامة ملتصقة بجدار الغرفة، يخرج مسدسه من نوع البكرة، يضع طلقة واحدة في دولابه الدوار ويديره عدّة دورات ثم يوجه المسدس نحو رأس إكرام ويضغط على الزناد، كان يعيد المحاولة مرات عديدة حتى أن إكرام توقعت أنه جاء لينفذ فيها حكمًا بالإعدام.
في موقف مناقض آخر أوقف خليل العاني أحد الجلادين وهو صباح المدني الذي كان يتحرش بالسجينة منار ويلقي على سمعها غزلاً بذيئًا ورخيصًا بأن سحب العاني ذلك الوغد ودفعه بعيدًا وهو يقول: “لن أسمح لأحد بإهانة أيه امرأة هنا. على جثتي من يحاول من يحاول الاعتداء على شرف أية واحدة منكن، أنا أبو طلعت أحافظ على عرضكن كما أحافظ على عرضي.” وقد تكرر هذا الموقف من خليل العاني في مرات أخرى. رغم ذلك فقد تعرضت السجينة سيمون للاغتصاب من قبل الجلاد هاشم قدوري، وتعرضن أخريات لمحاولات أخرى وأنقذهن صراخهن وبعض أفراد هيئة التحقيق ومنهم خليل العاني الذي لم يكن يرضى بمثل هذه الممارسات لكنه كان يمارس الضرب والجلد والتعذيب.
من المواقف الأخرى التي تصف الروائية الشاهدة أنها لبعثيين شرفاء، موقف المحقق فايق توفيق.
(بعد بعض من الوقت لم تعرف مقداره سمعت صوتًا مختنقًا يهيب بها: “تعالي معي أختي” وامتدت يد حانية لمساعدتها على الوقوف. كان الرجل فائق توفيق أحد أعضاء هيئة التحقيق، لاحظت أن الدموع تملأ عينيه وتعيقه عن الرؤيا فحاول بمشقة خلع نظارتيه السميكتين ليمسحهما ويعيدهما إلى وجهه الطيب المحتقن بالأسى. صحبها إلى إحدى الغرف التي تحت المدرج والتي كانت يقينًا تستعمل كمنزع للرياضيين، ثم فتح الباب ودفعها برفق إلى داخل الغرفة.)
حدث ذلك في معتقل ملعب الإدارة المحلية لكرة القدم في المنصور.
وتذكر الرواية العديد من تلك المواقف الجميلة الأخرى سجلها بعثيون، منها تهريب بعض الملابس إلى النساء أو منحهن بالسر وجباتهم وبعض الطعام.
كانت هيئة تحقيق معتقل ملعب الإدارة المحلية تتكون من نوري العاني، رجاء الخليلي، بهيج المدني، الحجي أبو طالب، قحطان العزاوي، فايق توفيق، نوري الراوي، حميد الحمداني وطاهر توفيق العاني الذي غالبًا ما كانت أكمام قميصه ملطخة بالدماء وكان يقول: إنها دماء الشيوعيين.
من أغرب القصص وأشدها إيلامًا تتحدث رواية طوارق الظلام عن قصتين سريعتين شهدتهما إكرام أثناء اعتقالها وهي عمليتا تعذيب ولنخففها ونقول تأديب مارسهما أبطال شباط الأسود ضد تلاميذ مدرسة صغار، وفي حادثة أخرى ضد مجموعة من الطالبات أبلغت عنهن مديرة المدرسة واستدعت الحرس القومي وطلبت منهم اعتقال فتياتها الصغيرات.
تقول قصة التلاميذ:
(بدأت تلك الليلة من ليالي نيسان مبكرة. كانت إكرام وحكيمة ونجلة القابعات في غرفة النساء متوجسات من تلك الليلة، فقد لاحظن خلال فترة الظهيرة قدوم سيارة كبيرة أنزل منها عدد كبير من الناس، ساروا بهم إلى الجهة الثانية، فلم يتسنَ لهن رؤيتهم. وكالعادة سيتم معهم التحقيق عند حلول الظلام.
في حدود التاسعة مساء تعالت الصرخات المترافقة مع أصوات السياط، كانت أصوات رفيعة حملت على الاعتقاد أن جمهرة من النساء قادهن حظهن العاثر إلى ذلك المكان، ولكن الصرخات تناهت إلى أسماع النساء مصحوبة بتوسلات: “عمو الله يخليك، عمو العفو بعد ما أسوي”.
كان المعذبون إذن مجرد أطفال. هكذا فكّرت إكرام التي التفت بعباءتها مغطية وجهها وأذنيها محاولة الهروب إلى النوم. بينما استرسلت حكيمة ونجلة في البكاء وصرخات الأطفال وتوسلاتهم تخترق آذانهما وتتوغل إلى قلبيهما فتمزقهما.
استمرت ساعات الليل تتواصل بزحفها وظل صراخ الأطفال وتوسلاتهم وهم يطلبون الرحمة بلا انقطاع مصحوبًا بسعار الأوباش وصرخاتهم الداعرة البشعة وهم يمارسون ضرب وتعليق الأطفال دون توقف الواحد بعد الآخر، ومجموعة بعد مجموعة، حتى الصباح.
كان الجلادون يعتقدون أن أسلوبهم ذاك سيعلم كل من يقع تحت أيديهم الطاعة. كانوا يبنون قيمًا جديدة للحياة أخذت طريقها بالتغلغل شيئًا فشيئًا في جسم المجتمع العراقي، إن أعداء الإنسانية يفرضون بالإكراه تعليم الناس كيف يسيّرون حياتهم بالخنوع ولكنهم لا يحصلون إلا على المقت.
توقف الصراخ والحركة عند حلول الفجر لتفتح إكرام عينيها وكأنها تصحو من غيبوبة. وجدت صاحبتيها في حالة يُرثى لها من الحزن والأسى وقد تورم وجهاهما واحمرت عيونهما من البكاء. بادرتها نجلة منتهرة: “بحق الله.. كيف أغمضت جفونك؟! لم تحر إكرام جوابًا، فقد كانت نفسها لا تستطيع تفسير ذلك.
قبل الظهيرة جيء بسيارة كبيرة مُلئت بأولئك الصغار المساكين لإعادتهم إلى منطقة الصالحية أو كرادة مريم حيث كانوا يقيمون.
بعد ذلك أخبرهم فايق توفيق والألم واضح على ملامح وجهه، أنهم طلاب في الصف الثاني متوسط لإحدى مدارس الكرخ تم جلبهم مباشرة من المدرسة إلى الملعب في اليوم الفائت لأن أحد الطلاب المجهولين كتب على سبورة الصف “يسقط الحرس القومي” ولم يبلغوا عن الفاعل، وربما كانوا لا يعرفونه، وألقي القبض على جميع طلاب الصف وعددهم ثلاثون طالبًا لا يتجاوز عمر أكبرهم سنًا الخامسة عشر. ورغم أن الحرس لم يتوصلوا إلى معرفة الفاعل أو المحرض، لكنهم لقنوا الصغار درسًا سوف لن ينسوه مدى الحياة، حسب رأي الهيئة التحقيقية المسؤولة عن الملعب.)
أما الفتيات الصغيرات فقصتهن بنفس التفاصيل سوى أن جريمتهن أنهن تجمعن في فصلهن المدرسي وأغلقن الباب عليهن وبدأن يرددن أغنية تمجد الزعيم عبد الكريم قاسم، فرأت مديرتهن أن أنسب عقاب لبناتها أن تسلمهن للحرس القومي.
من جانب آخر أمسكت الرواية بخناق بعض الشيوعيين الذين جبنوا أمام قسوة الحرس القومي فسلموا رفاقهم للتعذيب وتسببوا بموت العديد منعم. بدأت عملية الانهيار بتخاذل الرفيق حمدي الأيوبي الذي لم يتحمل التعذيب فسلمهم رفيقه هادي هاشم الذي استقبل زواره بهدوء معلنًا استعداده لتدمير الحزب الشيوعي العراقي وإبادة رفاقه وتطوع لأن يكون مخبرًا للحرس. واصطحب زمرة شديدة البأس منهم ليدلهم على جميع البيوت السرية للحزب، ويكشف ما لديه من أسرار وأسماء وهي كثيرة. لقد ملأ هادي هاشم قصر النهاية بالرجال والنساء والأطفال الذين بلغت أعدادهم بالمئات في قصر النهاية فقط، فضلاً عن مراكز الاعتقال الأخرى في بغداد وبقية مدن العراق.
أما ما ذكرته الرواية من مفارقات فأبرزها وصف عبد السلام عارف للفيلسوف لبريطاني المشهور برتراند رسل بالفيلسوف المخرّف. حدث ذلك حين قاد ذلك الفيلسوف حملة عالمية شارك فيها جان بول سارتر وشخصيات عالمية أخرى حملة عالمية لوقف تنفيذ حكم الإعدام بثلاث نساء عراقيات كن معتقلات في قصر النهاية، والمطالبة بإطلاق سراح مئات الأطفال والنساء والمعتقلين في سجون العراق. وقد نجحت تلك الحملة وأوقف الحكم وأطلق سراح الكثير من النساء اللات اعتقلن مع أطفالهن بالشبهة والمصادفة دون أن تكون لهن علاقة لا بالحزب الشيوعي ولا حكم الزعيم قاسم.

رواية طوارق الظلام تذكر المرء بحكمة ترددت على ألسن الجلادين قبل غيرهم. بأن صاحب الدم هو المعني به فقط، وهو فقط من يُغلي أو يُرخص دمه، يبيحه أو يحرّمه. ولو أن يدًا آثمة واحدة امتدت إلى دم الشيوعيين فقطعوها أو كسروها على الأقل، لما تجاسرت الأيدي الأخرى لأن تمتد إليهم ولارتدت متخاذلة مرتدعة.
إذن لا عزاء..