الرئيسية » بيستون » ملحمة الكورد الفيليين في التشبث باذيال الوطن..

ملحمة الكورد الفيليين في التشبث باذيال الوطن..

11 / 3 / 2009

لو كنت اشتغل في حقل الانتاج السينمائي ، لاتجهت الى من تبقى من الكورد الفيليين انتقي وجوها سينمائية، وابدا الفيلم بلقطة يقاتل فيها الكورد الفيليون بمسدساتهم، وعصيهم…

واسنانهم واظافرهم دبابات انقلابيي شباط دفاعا عن الجمهورية ليحولوا شارع الكفاح الى قلعة اعطت الشارع اسمه شارعا للكفاح البطولي، ولانهي الفيلم بلقطة تحدث بعد عشرين سنة، تتساقط فيها اجساد بناتهم ونسائهم وكبارهم اشلاءا اثر انفجار الالغام في الحقول التي تركوا فيها بلا ناصر ولامعين كاصحاب الحسين ولاسمي الفيلم ” حين تخنق الام ابنائها “. حين كنت طفلا صغيرا سمعت اول مرة باسم الكورد الفيلية مشتهرين بدفاعهم الاسطوري عن بغداد امام زحف وحوش البعث ، وحين دخلت مدرسة السهروردي الابتدائية ببغداد القديمة ، كان معظم طلابها من الكورد الفيليين سكنة الكولات والعوينة والصدرية وفضوةعرب، وبقيت روائح موبيليا صباغي الكفاح وافران الكيك تعبق بانفي للان فيما ماتزال اذناي تحتفظان برنين الكلمات الكوردية والهندية التي تنطلق من افواه سكنة الشارع وزوار مرقد الشيخ الجليل المتصوف عبد القادرالكيلاني. مرت الايام وفي كل عام كنت اجد نفسي صديقا لزميل من الكورد الفيليين ، كانما كانوا متغلغلين في نسيج بغداد كله لم يكن المرء ليشعر بما يفرقهم عنا بل العكس تماما ، كانوا باختصار عراقيين لايمكن تصور بغداد بالذات بدونهم في يوم من ايام حزيران عام 1979، ابلغت مجموعة من منتسبي الامن عائلتي بصدور قرار اعدامي غيابيا ان لم اسلم نفسي للسلطة خلال اربعة ايام وسلموهم القرار مكتوبا وموقعا من ضابط امن المنطقة، وصار محتما علي ان اختار بين استسلام مستحيل او اختفاء لايقل استحالة، وابلغت من قبل اخي الذي استشهد لاحقا ان “معمل الفيلية” مفتوح لامثالي ووجدت نفسي ثانية مختفيا النهار كله في معمل لصناعة الكونترات في عقد الجام امام تمثال الرصافي يملكه مجموعة من الكورد الفيلية ،و سرعان ماصار المعمل ماوى سري لمجموعة من الكورد الفيليين الشيوعيين واصدقاء الشيوعيين وغير الشيوعيين من الديموقراطيين من رافضي الانتماء القسري لحزب البعث يعملون عمال حدادة لايعرف احدهم الاخر. وكان مالك المعمل ” محمد علي” يلمح بين الحين والاخر ان معمله مستعد لاستقبال “الناس المخلصين” وان زيادة الانتاج تعني مزيدا من امكانت الاستقبال ،وانهمكنا نعمل نهارا وننسل ليلا بحثا عن مكان للنوم ، غرباء في وطننا لافندق ياوينا، ولاصديق يجرؤ على فتح باب داره لنا بعد ان امسينا خطرا على الوحدة والحرية والاشتراكية واتهمنا بالوقوف ضد رسالة الحزب الخالدة التي كشرت عن انيابها متوعدة كل من لايرقص على انغام “هلهولة للبعث الصامد ” بالويل. اتى عام 1980 عاما مهولا، وكانت الشهور الاخيرة من العام الذي سبقه، لما تزل تقطر دما بعثيا سفكه صدام في واحدة من مهازل التاريخ العراقي، لينتصف العام باعلان حرب الابادة على الكورد الفيليين وعلى محمد باقر الصدر والشيوعيين وكل من لا يؤله صدام ، طورد الكورد الفيليون كما طورد الهنود الحمر ، لاعقوبة اقل من الاقتلاع من الجذور نهائيا ، ولربما لم يختلف عن ذلك مصير كل من كان في معمل “محمد علي ” في عقد الجام محمد علي ،سعدي ورسول واخرون كانوا يمرون ليوم او يومين، مخلفين قهقهاتهم وصخبهم غير عارفين بان يد البعث قد قررت خطفهم من عوائلهم لتجرب عليهم اسلحة بايولوجية او تنفث في اجسادهم الغضة سموما كانت مخصصة لتسميم خصم من خصوم صدام الذين لم يكن بامكان احد عدهم. بعد قرابة الثلاثين سنة ، يقف طارق عزيز ليتقي لكمات وطبان ومسباته في قفص الاتهام، ولتكشف المسبات المتبادلة اي بشر هؤلاء الذين كانوا يخططون لاعادة امجاد امة العرب ، ولتشير قصص الرعب المروية من قبل ذوي الضحايا الى واحدة من امتيازات حكم البعث التي لامثيل لها في كل الارض ، العنف المنفلت، العنف اللااخلاقي والذي يشي بان لاعقيدة، ولا اخلاق ، ولامبادئ تجمع البعثيين مع بعضهم سوى كرههم لبني البشر وتعلقهم بعوالم الخراب والموت والتلذذ بعذاب الاخرين باساليب تفوق اساليب هتلر. بعد قرابة الثلاثين سنة، تعود بنات المعدومين لمحاكمة بقايا اشلاء، وجثث كانت تجلس على كراسي وزارات، وتقرر مصائر عراقيين اصلاء احبوا بلادهم وساهموا في ازدهارها وتشبثوا بها، وابعدوا عنها ،وعادوا اليها لان ارواح الاف الشباب مازالت تعيش هناك ببغداد، في الكولات والصدرية وباب الشيخ، في العوينة وفضوة عرب والنهضة في شيخ سعد والكوت، في مندلي والعمارة، في الناصرية وحي الاكراد بعد ثلاثين سنة تعود البنات الفيليات اللواتي كن زميلاتنا في الجامعات وقد اصبحن كتلا من حزن وسواد ورماد ليروين قصة غاية في البساطة مفادها ان الشعب ليست كلمة للهتاف بل جسد حي ، جرح عضو منه لايعني ان باقي الاعضاء ستكون بمنآى من الالم بل ربما سينفذ اليها السم والميكروب القاتل ولاتعالج الا بالبتر. تلك هي قصتنا العراقية،مآساتنا العراقية التي لم نتعلم منها شيئا للان ، ياشباب الكورد الفيليين مجهولي المصير هل تعلمنا من فقدانكم المفجع شيئا ؟ لا والله لازال بعضنا يخرمش بعضا، ولازلنا نتعاضض، ونتناطح ،وينهش بعضنا رقاب بعضنا الاخر، ولازلنا نترنح من هول اصطدامنا ببعضنا فمتى نفهم؟