الرئيسية » شخصيات كوردية » حوار مع فارس مراد أقدم سجين سياسي في سورية

حوار مع فارس مراد أقدم سجين سياسي في سورية

سليل أسرة وطنية بامتياز ذو تاريخ مليء بالتضحيات , ينحدر من عائلة دمشقية متماسكة كانت السند له في فترة الأعتقال والحضن الدافئ بعد الإفراج يسكن حالياً مع أشقائه المتزوجون ,وشقيقته في بيت واحد وحالتهم إجمالا دون المتوسط . ولكنهم بتكافلهم يستطيعون تدبر أمورهم ,ماركسي المنهج ,تجربة السجن لم تهزه بقدر ما عمقت إيمانه بالقضية التي اعتقل لاجلها , معتد بنفسه حد الغرور , امضى نصف عمره خلف القضبان , ابن الشام وعاشق حواريها تفوق تضحياته قامات الذين غيبوه في وطن و خلف ابواب سجون أغلقت لزمن طويل, ذات السجن استرقت اجمل ايامه وقضمت عمره وتركت فيه أمراضاً وآثاراً نفسية وجسدية لن تمحى ..
خرج مصابا بمرض التهاب الفقار اللاصق الذي أباقه محنى الظهر وضيق في التنفس لانضغاط رئتيه ,رغم أنه لا فرصة لعلاجه داخل البلاد فوق كل ذلك محروم من الحقوق المدنية وممنوع من السفر علاجه مقتصر فقط على المسكنات مؤمن بالعدالة التي إن لم تقتص من جلاديه في قريب الأيام تبقى هناك عدالة السماء ليفي الكل حقه ,فارس مراد المعتقل السابق الذي قارع جدران السجون لمدة 29 عاماً وعانق الشمس ثانية بتاريخ / 31/1/ 2004, أقدم سجين رأي في سوريا بعد عماد شيحا الذي أبصر نور الوطن بعده بشهور قلائل , في حديث خاص يروي للجزيرة توك أيامه التي لن تنسى عبر كلماته الأكثر من هادئة والأكثر من متزنة كان الحوار التالي :
الإعتقال وتجربة السجن
لافا خالد : بديهي إن سنوات السجن استرقت أجمل أيام عمرك ودفعت فيها الثمن مكلفاً 29 عاماً كيف تعرف بفكرك التنظيمي والذي سجنت لأجله وبنفسك بعد سنوات قلائل على عتبة الحياة ؟ ماذا قدمت لفارس مراد على مختلف الصعد ؟
فارس مراد : لا اغالي اذاقلت لك أنني لا اشعر – رغم أني أمضيت أكثر من نصف عمري بالسجن – باني خاسر في أي وقت من الأوقات, وحتى لا يظن باني أتواضع في هذا الأمر ازعم أني معتد بنفسي حد الغرور ولا ابخس عملي حقه من التقدير, ولكن في الحقيقة إذا قارنا ما قدمته (وغيري من معتقلي الرأي )بما قدمه غيرنا ( دماءهم وأرواحهم) وما قدمه الوطن لنا فإننا نكـــــون مقصرين. ولا نقاس بهم السجن كان جزءا من ضريبة على احدنا دفعها لهذا الوطن وكنت أنا وغيري من سجناء الرأي من هؤلاء وكان جزءا من واجب وطريق اخترته لنفسي عندما قررت أن أكون بجانب البسطاء المستضعفين من أبناء هذا الوطن, عندما سعيت لان أكون ماركسيا.وعضوا فعالاً في المنظمة العربية الشيوعية التي دفعت الضريبة بمؤامرة خلف الكواليس وتم تصفية الكثير من الرفاق واعتقال الكثيرين بأحكام قاسية أما ما اعرف به عن نفسي فانا مواطن يحاول حتى الآن أن يكون ماركسيا..
ولا زلت أرى عدم وجود تعارض بين الماركسية والقومية, وأننا كمواطنين نعيش في بقعة محددة من العالم لها تاريخها وثقافتها وارثها الحضاري نستطيع اقتباس ما يوافق واقعنا ومجتمعنا من الماركسية ( فالماركسية ليست كتابا مقدسا, إنما هي فكر ونهج حياة اقتصادي – اجتماعي- سياسي)يمكن تعديله وتطويره وفق حاجتنا ومتطلبات وضعنا والظروف التي نعيش فيها , أما ماذا قدمت لذاتي بعد الإفراج فرغم مرور ما يزيد عن ثلاث سنوات على اخلاء سبيلي لا زلت أعاني حالة القلق واللاستقرار من النواحي النفسية والمادية ربما كان ذلك وأكثر مما لم أقله السبب الذي دفع بالقدر لأن تسير حياتي في أتجاه آخر فلم أخطط وكيف سأخطط وليست هناك القدرة على السير فيما نخطط له
لافا خالد : إن سمحت لك الظروف هل ستفصح عما حدث معك بالتفصيل في أروقة سجون كثيرة / هل فكرت بتوثيق هذا التاريخ الذي يتجاوز حدود المفهوم الشخصي فالمسألة وطن و حقوق انسان وديمقراطية وأشياء
أخرى كثيرة ؟
فارس مراد :بالتأكيد إن التجربة التي خضتها يجب ألا تبقى طي الكتمان. ويجب أن يطلع عليها أكبر عدد ممكن من الناس, ولكن ظروفي الذاتية لم تتح لي حتى الآن العمل على وضعها في التداول العام, وآمل أن أستطيع ذلك في يوم قريب من الأيام

منظمات شجب واستنكار ليس إلا
لافا خالد:كيف تقييم واقع حقوق الإنسان في سوريا حالياً , كيف هي علاقتك بالمنظمات الحقوقية ؟ ماذا قدمت لكم ؟ برأيك هل استطاعت أن تفي سجين الرأي حقه ممن لازالوا في المعتقل وومن افرج عنهم وفضح ملف الأعتقال التعسفي
فارس مراد :هل للإنسان حقوق في الوطن العربي. أين هي هذه المنظمات التي تتكلمين عنها, إنها مجرد بيانات تصدر تعليقا على حدث لا أكثر ولا اقل. أما على الصعيد العملي فلا وجود لها وحتى على المستوى الإعلامي فهي مقصرة جدا وينقصها الكادر الفعال النشط الذي يسعى لامتلاك الحدث وليس انتظار حدوثه ثم التعليق عليه ( مع وجود بعض الاستثناءات القليلة وخاصة في مصر و دول المغرب العربي )

أيام لا تنسى
لافا خالد :إن ابتعدنا عن أسوأ مراحل الأعتقال التعذيب مثلاً ما الذي بقي عالقاً في عوالمك الشخصية وذاكرتك داخل جدران السجن وتفكر به على الدوام ؟
فارس مراد : فترة الاعتقال كلها لا تنسى ولا تجدي حتى محاولة نسيانها, لقد تركت فينا الكثير من الآثار الجسدية والنفسية والذاكرة مليئة وأرجو كما قلت سابقا أن أضع هذه التجربة بين أيدي المهتمين بحلوها ومرها, رغم كل ما قاسيناه في فترة الإعتقال وحتى لحظة الخروج من السجن هذه التجارب الكثيرة بقيت طي التهميش ولم تنل ما تستحقه من الإهتمام والتناول
لافا خالد : تبدو آثار السجن أكثر من واضحة عليك أمراض مزمنة وانحناء في الظهر وأمراض أخرى على عكس رفيق المشوارعماد شيحا ما المختلف في وضعكم ؟ هل لديك أي فكرة عن أقدم سجين سياسي في العالم فرحان الزعبي هل التقيت به ؟ هل تعرف عنه شيئا ؟
فارس مراد :لافرق بيننا سوى أن الرفيق عماد كان في فترة السجن أكثر اعتناء بصحته وكان اكثرمني ممارسة للرياضة وكان جسدي أكثر قبولا للأمراض, أما بالنسبة لفرحان الزعبي فليست لدي معلومات أكيدة عنه ولا ازعم أني التقيته ابدا. وما سمعته عنه لا يعدو كونه أقاويل غير مسندة, لذالايسعني تكرارها

فاقد الشيء لا يعطيه
لافا خالد :هل ترى اقرار السلطة لبعض الإصلاحات ك الإفراج عن بعض المعتقلين هو صمام الأمان ليقي سوريا الكثير من الضغوطات وعلى أكثر من صعيد أم المسالة أبعد من ذلك بكثير؟
فارس مراد :الوضع في سوريا ليس موضوع معتقلين سياسيين فقط الموضع اشمل واعم وبرأيي أن إعادة ترتيب وتصحيح ( تصحيح وليس إصلاح) الأخطاء الاقتصادية والاجتماعية هو بنفس أهمية التصحيح السياسي
لافا خالد :ماهو مطلبكم المباشر من السلطة أو هل طالبتم بتعويض سنوات السجن الطويلة ؟
فارس مراد : ليس لدي أي مطلب من النظام. فالذي اعتقلني لمدة 29 عاما غير قادر على تقديم أي شئ لي
لافا خالد :كيف ترى واقع السلطة والمعارضة من موقعك وهل من تواصل مع المعارضة أم لاعودة للسياسة ابدا؟
فارس مراد :السلطة والنظام ملك يتربع على عرشه ولا يهمه سوى المحافظة على امتيازاته ومصالحه والمعارضة عاجزة عن الفعل لأنها لا تزال تعمل بعقلية أحزاب الستينات والسبعينات وغير قادرة على التجدد, أما بالنسبة للاستمرار بالعمل السياسي فهذا لا فكاك عنه رغم ما أعاني من أمراض تعيقني عن العمل

شبابنا والعمل السياسي والأفق المسدودة
لافا خالد : برأيك لما يشعر الشباب إن ممارسة الفعل السياسي مرهون بالإعتقال والإستجواب فيحجب ذلك دوره في ممارسة النشاط السياسي هل ترى غيابهم أو تغييبهم ظاهرة أم اقصاء
فارس مراد :إن ظروف القمع وحكم المخابرات الذي عاشتها سوريا لعقود طويلة استطاع بالتضافر مع ثقافة الاستهلاك والإفساد المنظم وفجوة الخوف وفجوة تواصل العمل السياسي بين الأجيال استطاع أن يفتت قدرة الشباب وأريحية الحركة الشابة وعنفوانها ومنع الشباب من قدرة التعبير السياسي عن وجودهم وآمالهم وتطلعاتهم سواء عن طريق الأحزاب القائمة أو عبر وسائلهم الخاصة تضافر ذلك مع ألازمات الاقتصادية المتتالية التي نعيشها باستمرا ر لتنشر بين الأجيال الشابة ثقافة الاستهلاك والمصلحة الفردية وتفضيل ألانا الخاصة عن ألانا الجمعية

لافا خالد :على عاتق من يقع مهمة التثقيف السياسي في أوساط الشباب؟ كلمة لجيل الشباب عبر منبر الجزيرة توك صوت الشباب
فارس مراد : لا أحب عادة أن أكون أو أبدو كناصح ولكني ارغب القول لشبابنا اليوم أن يعتنوا أكثر بثقافتهم الذاتية وبرأيي أن الثقافة أحيانا تكون أهم من التعلم, والثقافة اليوم متاحة للجميع وبابخس الأثمان وذلك عبر الانترنت هذا الاستنباط الفذ العبقري الذي وضع بين أيدينا كل مل أنتجته العقول البشرية من العلم والثقافة عبر تاريخها الطويل لشبابنا أقول أنتم الغد لن نزيح غبار ما لحق بنا إلا منكم وإليكم , تسلحوا بالعلم …
اقرأوا..
تثقفوا….
” انتقل إلى رحمة الله صبيحة 9/3 /2009″ وفاء لذكراه التي ستبقى خالدة وددت نشر الحوار معه ثانية