الرئيسية » التاريخ » قراءة في كتاب ((دراسات في تاريخ الكرد الحديث وحضارتهم)) القسم الاول

قراءة في كتاب ((دراسات في تاريخ الكرد الحديث وحضارتهم)) القسم الاول

تأليف : د.عماد عبد السلام رؤوف 
عرض وتعليق: د. شعبان مزيري
صدر حديثاً كتاب”دراسات في تاريخ الكرد الحديث وحضارتهم” وهو عبارة عن مجموعة من البحوث كتبها الاستاذ الدكتور عماد عبدالسلام رؤوف عن تاريخ الكرد مستنداً الى الوثائق العثمانية وان هذه الدراسات تتناول جوانب من التاريخ الكردي غير المعروف في القرون الاخيرة، ولاسيما فيما يتعلق بالأدوار السياسية والعسكرية التي ادوّها في العراق ابان العصر العثماني.
وثمة دراسات تناولت الحقب الغامضة من تاريخ الإمارات الكردية الثلاث:البابانيين، والسورانيين، والبهدينانيين. مستنداً على الوثائق غير منشورة. وقد كتب مقدمتها الاستاذ الفاضل فلك الدين كاكائيى وزير اقليم كردستان موضحاً ومفسراً بعض المصطلحات المتعلقة بالطائفة الكاكائية والشبك وصارلو الذين يسكنون في ولاية الموصل التي كانت متألفة من مدينة الموصل وشهرزور وكركوك واربيل اضافة إلى مدينة عقرة والعمادية ودهوك وسنجار وزاخو وعين السفني(الشيخان).ويعتقد فلك الدين كاكه يى بان((صارلو، صاريللو، سارلو) وهم فئة من طائفة أهل الحق(الكاكائية) وغالباً ما اختلط على الباحثين هذا التعدد في الأسماء أهل الحق، الكاكائية، سارلو، وغيرها في حين أنها جميعاً في الأصل شيء واحد، وهو مذهب أو تراث(يارستان) الذي كان موجوداً في معظم كردستان قبل الاسلام، وبدأ بالعودة والظهور بثوب جديد منذ القرن الثاني والثالث الهجري)).وحول كتابة التاريخ لدى الكرد يقول الباحث الدكتورعماد عبدالسلام رؤوف ظهرت في كردستان فئتين من الكتاب التاريخ(المؤرخون) ان صح التعبير تمثلت الفئة الاولى منها من الهواة غير الاكاديميين يولد لدى هؤلاء ميل فطري نحو تقدير أهمية الماضي بوصفه الخلفية التي لابد منها فهم الحاضر فان مثل هؤلاء الذين يكتبون عن”الحوادث التاريخية التي حدثت في مكان محدد أو في أمكنة متجاورة سجلها كاتب ما، دونما منهج معين. أو مراعة لوحدة الموضوع. فإن مثل هذا الكاتب لايعد مؤرخاً، وإنما مجرد هاوٍ لتاريخ عاصر حوادث رآها مهمة فسجلها على سبيل الايجاز وهو عادة لايصرح بأسماء مصادره أو الرواة الذين استقى منهم معلوماته.. ويكتفي بذكر تاريخ الحادثة التاريخية، وبعض المعلومات عنها)).وان هؤلاء اعتمدوا الكتابة التاريخية وسيلة من وسائل التثقيف دوّن التركيز على المنهجية العلمية اقتصرت كتاباتهم على الجوانب التسجيلية للعملية التاريخية وافتقدت السياق الفكري الموحد وكانت كتاباتهم لاتخلو من الفائدة واخذوا يدوّنون الحوادث التاريخية التي عاصروها، اما عن طريق مشاهدة ومعايشة او عن طريق سمع الرواية من الاخرين. وان لكل حادثة تاريخية أسباباً متعددة؛ دوافع معقدة، كما ان نتائج كل حادثة قد تباين نتائج غيرها، فقد تكون نتائجها غيرها، فقد تكون نتائجها متعددة أو محدودة، كبيرة أو بعيدة المدى بعضها ظاهر سهل ادراكه، وبعضها خفي يتطلب ذكاء وفطنة لكشفه واظهاره.اما الفئة الثانية: وهم القلة لايتجاوزون أصابع اليد الواحدة الذين كتبوا حوادث التاريخية مستخدمين منهج العلمي. والاكاديمي والذين يطلق عليهم المؤرخون، فلم تشهد ظهور مؤرخين بارعين ويصعب العثور على أسماء مؤرخين أغنوا علم التاريخ بما هو جديد وكل ما نعثر عليه مؤلفات تبحث عن الشعر والأدب والفقة اللغة والشريعة واصول الدين والنحو والصرف وكتابة الشروح واذليل وكتابة الحواشي والتعليقات على مخطوطات لعلماء سبقوهم .وبعد استيلاء العثمانيين على بلاد الكرد عاشت المنطقة في حالة من الفوضى والاضطراب في أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية ولم يجد فيها أي اصلاح ملحوظ وفشلت الحكومة العثمانية في توفير أسباب الرفاهية والعيش الرغيد لرعاياها سواء في المدن أم في القرى والأرياف حيث عانى الفلاحون الأمرّين من تصرفات اصحاب الاقطاعات واقتصرت جهودها على إرسال الحملات التأديبية على العشائر. إذ تفشى الطاعون فيها مرات عدّة واسهم الجراد في تدهور الحياة الاقتصادية في بعض السنين، اضافة إلى النزاعات والفتن بين العشائر. وان هذه الفئة ركزت على تطبيق أسس البحث العلمي التاريخي وتقديم دراسات متخصصة مع مراعاة حقيقة ان فهم الماضي مهم لادراك الحاضر. وقيامهم باستخدام قواعد العلمية دقيقة لتجميع آثار الحدث التاريخي ونقد وإعادة تشكيله، كما وقع أو قريباً مما حدث دون الالتزام بتفسير أو نظرية جاهزة من تلك النظريات التي كانت سائدة آنذاك. وقد كان لهذه المجموعة على الرغم من قلته فضل كبير في تطوير الكتابة التاريخية. ومنهم شريف خان البدليسي في كتابه الموسوم بـ(شرفنامة)، ومحمد أمين زكي في كتابه الموسوم بـ(خلاصة تاريخ الكردو وكردستان)، وحسن حزني موكرياني في مجموعة ما كتبه عن تاريخ الكرد.
وتطرق الباحث إلى أهمية الوثائق العثمانيةلان الحكومة العثمانية حكمت كردستان اربعة قرون وهو يقول((وإذا كان الباحث لايجد في المصادر التاريخية والأدبية إلا القليل من الاشارات التي يمكن أن تملأ هذه الثغرة الخطيرة في معلوماته فإنه مضطر إلى تقصي مصادر جديدة لم تستنفذ معطياتها إلى الآن، يمكن أن تكمل له صورة الحياة خارج مدن العصر الذي يدرسه، وتبرز الوثائق الرسمية العثمانية بوصفها أكثر تلك المصادر أهمية في هذا الصدد، وذلك للآسباب الآتية:
1ـ ان هذه الوثائق على الرغم من مخاطبتها الولاة والمسؤولين الرسمين في المدن، إلا أنها استندت في معلوماتها غالباً على تقارير كان يرسلها إلى السلطة العثمانية المركزية زعماء ريفيون ورؤساء قبليون ومن ثم فإنها تحكي مشاكل حقيقية كانت تعاني منها عشائرهم.2ـ إنها تمثل طريقة تعامل السلطة المركزية مع المشاكل القبلية، من فض نزاعات، وتوطين،ودفع ضرائب، وغزوا مسلح، ومشاكل ملكية.. الخ. وفي ذلك ما يلقي ضوءاً على العلاقات بين المدينة والعشائر من جهة، والعلاقات بين العشائر والعشائر من جهة اخرى .3ـ إنها توضح موقف العشائر من الصراع العثماني الفارسي في بلاد الكرد، تأييداً لهذا الجانب، أو دفعاً لذلك، وإفادتها في الحالتين في تأكيد نزوعها السياسي والاجتماعي نحو تأكيد ذاتها المستقلة.وكان المؤرخ الدكتور ياسين عبدالكريم في مقدمة المؤرخين العراقيين الذين دعوا إلى الاهتمام بالوثائق العثمانية لاسيما لما لها من أهمية في فهم تكوين المجتمع خلال القرون الأربعة التي حكم فيها العثمانيون والتي امتدت من أوائل القرن السادس عشر حتى أوائل القرن العشرين.وان الأرشيف العثماني كنزاً مخفياً يتضمن الكثير من الوثائق الرسمية التي من شأنها الكثير ان تلقي أضواء جديدة على ما هو مجهول من ذلك التاريخ المبكر لشعب الكردي. وان هناك الكثير من الوثائق العثمانية التي تتناول اوضاع الاقتصادية والسياسية والعسكرية، ولاسيما ما هو متعلق بالامارات الكردية البابانية والسورانية والبهدينانية. وان أرشيف مجلس الوزراء في اسطنبول يضم حوالي(مائة مليون) وثيقة وهو رقم مذهل فعلاً يدل على وعي وثائقي عال تحلى به المسؤولون في الدولة العثمانية ولابد ان هناك وثائق من ضمن هذه المجموعة الكبيرة من وثائق تتناول شؤون كردستان.وعلى حكومة اقليم كردستان ان تشكل لجنة مؤلفة من الباحثين والمؤرخين المختصين بالشؤون الكردية والعثمانية يجدون اللغة التركية العثمانية وارسالهم إلى اسطنبول للبحث وجمع المعلومات ما ورد في تلك الوثائق المتعلقة ببلاد الكرد، وان تاريخ كرد وكردستان قد كتب على نحو لاتستحقه هذه البلاد. وبهذا العمل سوف نحصل على معلومات في غاية من أهمية وتكشف لنا صفحات مفقودة من تاريخ الكرد.
ورد في الوثيقة المؤرخة(20جمادي الاخرة 986هـ/1578م) (دفتر مهمة 35صفحة171والتي اشارت فيها إلى طريقة منح الاراضي لعشيرة بشرط قيام ابناء العشيرة بزراعتها والرعي فيها والانتفاع منها بكل وجه، ودفع حصة الحكومة(الميري) من ضرائبها. مقابل ان يلتزم العشيرة بالدفاع عنها، أو باداء ما عليها من واجبات عسكرية. على وفق نظام الإقطاع العسكري العثماني المعروف باسم(التيمار). وقد ورد في الوثيقة حكماً صادراً إلى امير امراء شهرزور يتعلق بكتاب ورد منه إلى السلطان((يذكر ان في ولايته بعض الاراضي هي خالية وخربة وقد اصبحت مأوى اللصوص والأشقياء ويلتمس توجيهها إلى أصحاب العشائر من المجدّين بطريق التيمار للحصول على دخل جديد للجانب الميري(الحكومي) من جهة ومنع اللصوص والحرامية من اللجؤ إليها من جهة اخرى، وقد نص الحكم على القيام بذلك إن لم تكن هذه الاراضي الخالية الخربة ملكاً لأحد أو وقفاً وكان في توجيهها بطريق التيمار إلى من يعمرها نفع للجانب الميري)). ومثل هذا الامر نجده في وثائق اخرى منها الوثيقة المؤرخة في7 ذي القعدة 985هـ/ 1577م(دفتر مهمة 33صفحة 228) باستثناء انه يذكر لواء “قره داغ” ومثله الوثيقة المؤرخة في8 ذي القعدة 985(دفتر مهمة 33 صفحة232) إلى أمير لواء اربيل كما نجد في الوثيقة المؤرخة في25 ذي الحجة/988هـ/1580)(دفتر مهمة43صفحة172) حكماً صادراً إلى أمير امراء شهرزول (كذا تكتبها وثائق ذلك العصر) يتعلق(بمنح بعض الأماكن الخالية والخربة لأصحاب العشائر على وجه التيمار فيما إذا كان في ذلك نفع للجانب الميري(الحكومي) وللناس والرعية بشرط ان لا تكون هذه الأماكن الخالية الخربة ملكاً لأحد أو وقفاً)). وكأنموذج على سياسة التوطين هذه ما نجده في الوثيقة المؤرخة في أواسط رمضان سنة 1126هـ/ 1714م(دفتر مهمة رقم122 صفحة159) جرى بشأن إسكان بعض العشائر(لم يذكر اسمائها) في المنطقة الواقعة بين كركوك واربيل، وذلك لغرض(حراسة الجسر الذي تم ترميمه مجدداً، وهو جسر التون كوبري الاشتغال بالفلاحة والزراعة والمساهمة في عمران المنطقة وازدهارها)).وحول سياسة التوطين العشائر الكردية التي كان يقوم بها الحكومة العثمانية في المناطق الريفية التماساً لهدفين في الأقل وقد اشار إليها الوثيقة المؤرخة في20جمادي الاخرة986هـ/ 1578م(دفتر مهمة 35 صفحة171). وهما
اولهما: ان سكنى عشيرة ما في أرض لها موارد طبيعية كافية امر من شانه ان يحولها إلى أرض زراعية منتجة. وهذا يعني أنها ستدفع عنها ضرائب ورسوم تزيد من دخل الحكومة(الجانب الميري بحسب مصطلح إلادارة المالية).
وثانيهما: ان شغل العشائر لأرض خالية، أو قليلة السكن، يجعلها تمثل حاجزاً بشرياً أمام أي غزو خارج محتمل، أو حركات تقوم بها فئات ضد القانون.

Taakhi