الرئيسية » مقالات » لماذا تخلّف الأيزيديون؟9

لماذا تخلّف الأيزيديون؟9

للتعبير عن مفهوم التخلف هنالك أوصاف وتسميات وتعابير كما لكل ضرب من ضروب الحياة الاخرى. فقد يأتي تحت تعبير الأمية الثقافية، أو تحت عنوان أمية الجهل بالقراءة والكتابة، أو سيطرة الفكر السلفي الذي يشد بالانسان إلى الوراء، أو قد يقال عنه تحت مسمّى البؤس الثقافي وشيوع الكسل والشلل الفكري. إلى غير ذلك من التسميات والنعوت التي تفتح الباب على مصراعية ليتسلل منه الفكر المتخلف إلى جسم المجتمع ويسيطر على مفاتيح حياته، ويستقر فيه إلى حين أن ينتبه هذا المجتمع ويعظ الأصابع، حيث لا ينفع معه الندم.
إن جميع هذه القنوات تحقق ذات الهدف بالنسبة للطبقات الحاكمة الغير أمينة على مصالح الناس، خاصة في المجتمعات العشائرية التي تحاول ترسيخ مفاهيم التخلف بشتى الوسائل لكي تبقى وتتمسك بمفاتيحها. فهي تستطيع وبكل سهولة أن تستثمر من هذه الحالات كطرق فعالة للوصول إلى غاياتها من حيث الاعتماد على الرموز الاجتماعية والدينية التي لا تفقه من الحياة سوى مصالحها الضيقة. وبذلك فمن السهل قيادة الطبقات الحاكمة لتلك الرموز عن طريق العزف على وتر مصالحهم الذاتية وتنميتها على حساب عامة الناس وحقوقها. وبدورها فإن الرموز الاجتماعية الحاكمة بدلا من القيام بدور التنمية والارتقاء بمجتمعاتها، فهي تحاول تكريس الامية والجهل لسهولة الانقياد وتسخير طاقات الناس لمصالحها الضيقة وبالتالي تحقيق هدف الحكام أو الانظمة (مهما كان نوع الحكام أو الانظمة)، وهكذا تتشكل حلقات التخلّف في داخل بعضها البعض.
ف تحت سيادة الامية بين افراد المجتمع يفتقر الشخص الامي إلى وسيلة الاتصال المتمثلة في القراءة والكتابة مما يجعله منعزلاً عن إدراك ما يدور في محيطه من تيارات ثقافية وبالتالي يعجز عن تكوين رأي أو ايجاد نقطة ارتكاز يتكأ عليها كمثابة للإنطلاق منها نحو هدف معين. مما يجعل من مجتمع بهكذا مواصفات مجتمعاً مستمعاً فقط ليس له رأي أو مشاركة في صنع القرار والحياة، ولا يفقه سوى ما يفرض عليه من تعليمات وارشادات ووعود، تحقق مصالح الغير وتنمي ذاتهم على حساب الآخر الأمي وهم بذلك يسخرون امكانيات وكفاءات الآخرين لصالحهم.
والوجه الاخر من التخلّف الثقافي-الاجتماعي يُفَرِخ جَهَلة من نوع آخر، فيصبح الوضع معهم أكثر خطورةً وتعقيداً وخاصة عندما يلجأون إلى العنف مستخدمين سلاح الدين على الاساس السلفي والفكر المتشدد والمتعصب بتجريم وتكفير المقابل المختلف. هذا الفكر المتعصب يجعل من الانسان بأن لايقبل الاخر، فارضاً فكره ورأيه الغير قابل للنقاش وابداء الرأي تحت غطاء الدين وإنه من وحي السماء والقيم العليا، سواء كان جهلاً أو تعمداً، مما يتشكل حوله وبسرعة كبيرة مجموعات من نفس الفكر المتشدد وتتسع دائرة افكارهم الوهمية بين الوسط الجاهل بسرعة النار في الهشيم. وهي في الحقيقة تعد من أخطر الحلقات التي تشكل تحديا للمتنورين، وتستنزف من جهد وطاقات وأفكار المفكرين وتعرقل دورهم في التنمية المجتمعية بجميع اشكالها.
فالعجز عن فهم المشاكل، وتحديد اسبابها ومسبباتها وبالتالي مسايرة ما يطرأ على حركة المجتمع من متغيرات واستيعاب الصحيح من بين البدائل، يعد واحداً من أهم ملامح التخلّف الفكري. وأن إرجاع أكثر الحلول إلى القضايا الغيبية المطلقة التي لا تتقبل التجزئة والتأويل والمناقشة وقبول الرأي المقابل (إسلامياً، تبنى أبن تيمية هذا الفكر)، هي الاساس في ذلك العجز الذي يقف حائلا بين فكرتين متناقضتين؛ إحداهما ترفض بتشدد القبول بالامر الواقع وعدم التأويل واعتبار الوضع القائم إنما هو من الغيب ولا حكم لنا فيه، وعليه لا يجوز التشكيك فيه ومحاولة تغييره لانه من الله. والاخرى التي تقول بأن كل شيء نسبي في هذا الكون وبذلك يمكن قياسه بنسبية غيره لكي نصل به إلى استنتاج عقلاني، والقبول بالرأي الآخر الذي يقبل التأويل بما يحمل لآكثر من احتمال من غير أن يصطدم بالأمر الغيبي، وهو ما قال به الكثير من الفلاسفة والمفكرين، ومنهم المفكر المصري مراد وهبة في تعريف العلمانية بأنها “التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق”1. فكيف لي أن أتفهم (أعني بأن أسمع رأيه) مع شخص من اليابان إذا لم أتقن لغة (علمية) مشتركة بيننا لكي نتخاطب من خلالها؟ وكيف لي في ظل الامية أن أعرف عن تاريخ الشعوب واقارن ما امتلك من تاريخ مع مختلف الثقافات لكي أحدد مكانتي في الانسانية؟ وكيف يمكن كتابة تاريخ الشعوب من غير امكانيات ثقافية تستطيع إيصال الافكار وربطها بالبعض ليستطيع القاريء الأجنبي أن يفهم ما يرد فيها؟ وكيف يمكن نقل ثقافات وحضارات الشعوب والمجتمعات من دون فكر قادر على ترجمة تلك الثقافات إلى لغة مفهومة؟ وكيف يمكن مقاومة الفكر المتشدد في ظل هكذا مجتمع وإقناعه بان الفكر هو الاخر يتجدد بمقدار تطور وتنمية المجتمع؟ كل هذا يمكن أن يتحقق في مجتمع متعلم يحسن القراءة والكتابة كاساس لأية تنمية وخاصة المثقفين وتطوير امكانياتهم لانها تعتبر الالية التي بواسطتها يستطيع الانسان من التمييز بين هذه وتلك.
صحيح لسنا (نحن الايزيديون) بدولة لها كياناتها، وصحيح ليست لنا مؤسسات علمية تقوم بنشاطات علمية كالاحصائيات عن عدد السكان وحجم ونوع القوى العاملة، وحجم الاستثمارات، ونسبة الامية من بين الفئات الاجتماعية، ودور المرأة، وعدد المدارس بالنسبة لعدد السكان، وعدد الاطباء بالنسبة لعدد الاشخاص، وعدد التلاميذ إلى عدد المعلمين، ونسبة مساهمة النشاطات الخدمية في التنمية بمختلف اشكالها. وبالمقابل ليست لنا الامكانية في بناء الجامعات التي تعتبر الاساس في خلق الفكر وصناعة المفكرين وبناء العلم من خلال تخريج الكوادر العلمية والاقتصادية والسياسية التي لها الريادة في قيادة الفكر ونهضة المجتمع على الاساس العقلاني والعلمي المبني على أسس العلوم الانسانية والتطبيقية، وبالتالي فالكوادر هم القلة التي يمكنها أن تقود قاطرة التقدم في المجتمعات نحو الامام. وفي هذه الحالة، فإن نزول العلم والمعرفة من الجامعات والمدارس والمراكز العلمية والبحثية إلى الشارع لتتلقفها العامة وتتعامل مع نتائجها وتقطف من ثمارها هي التي ترفع من مستوى الوعي وتكوٍن لغة التخاطب العامة بمفاهيم مجتمعية، وتصبح الاشياء مفهومة وواضحة بلغة ومقاييس علمية بدلا من الفهم العشوائي.
صحيح ايضاً بأنه لم تسجل حالة علمية فريدة ومتميزة من بين المجتمع الايزيدي، إلا أنه هذا لايعني بأنه لا يمكن تحقيق ذلك متى ما توفرت الظروف الصحيحة، أي أن الايزيدي ليس إنساناً عاجزاً عن القيام بدور الريادة في المستقبل إذا ما توفرت الفرص أمامه. فعلينا إذن في أن نخلق الفرص ونهيء الكوادر التي تحمل من تلك النبرة للمستقبل من خلال مجموعة من البدائل كأن يقام إلى تاسيس صندوق للتبرعات، وتقام مهرجانات سنوية لفحص الكفاءات، وتشجيع المبدعين وخاصة من الجيل الناشيء وارسالهم للدراسة في الجامعات الاجنبية لخلق كادر إيزيدي قادر على التاثير في الوسط الرسمي. فالصراع اليوم هو غير الصراع الذي كان قبل خمسين عاماً من الان. وبكل بساطة فإن العلم والمعرفة ستحلان محل كل المفاهيم القديمة التي لم تعد قادرة على مواجهة الحياة بتعقيداتها المدروسة. وأكثر ما نحتاجه الان هو باحثين في مجال الآثار والتاريخ، وكوادر في القانون الدولي والدستوري كاختصاصات مهمة لها الاولوية، وهو قد بدأ بالفعل حيث يدرس الآن عدد من السادة منهم؛ صائب خدر يدرس القانون الدولي في الهند، والسيد عيدو خاموكا في العلوم السياسية من معهد اليسكو في القاهرة، والسادة سامان سليمان وسعيد بير مراد وقولو خديدا، للحصول على الاختصاصات في القانون الدولي والدستوري. وقيصر خلات الذي يدرس الاثار في الاردن، كنماذج وآخرين ممن لم نذكرهم بالاسم (عذرا لهم لاننا لا نمتلك عنهم قاعدة معلومات)، فنشد على ايديهم ونتمنى لهم النجاح والتفوق.
وبما أن عمر وحيوية الشعوب يقاس بمدى التراكم الحضاري التي تمتلكها على فترات زمنية متواصلة من ذلك الارث الثقافي، لذا فإن نصيب المجتمع الايزيدي من ذلك العمر ومن الفرص والامكانيات التي توفرت امامه كان قصيراً بسبب الثقل الكئيب الذي تراكم بتأثير حملات الابادة التي لم تُبقِ على أثر سوى ماجاء في الادب الشفاهي سواء على مستوى الدين والفقه. أو على مستوى تراكم التراث التقليدي والحضاري الذي نلمسه الان في التراث الشعبي عبر الحكاية والرواية، أو من خلال الاغنية التراثية في مجالات الغزل والرثاء والبطولات.
لقد تخلّفنا كما هو حال غيرنا من المجتمع المحيط، وكان سبب تخلّفنا الاساس هو أننا لم نبحث في عمق الاسباب الحقيقية التي كانت تتفاعل وتأخذ بنا إلى ما نحن فيه اليوم. ولم نتعامل، ولغاية اليوم مع الاسف، مع القضايا الاساسية التي كانت ولا تزال تتصارع في القعر إلا من خلال السطحي منها وما يطفو من نتيجة ذلك التفاعل. فَمُحيت مئات القرى الايزيدية من الوجود في تركيا، وشُرِد أهلها وتوزعوا مابين العراق وسوريا وأرمينيا واوربا تاركين وراءهم أملاكهم وأراضي أجدادهم للغير وهم يملكون الأوراق الثبوتية. وهناك العشرات من القرى الايزيدية في سوريا تتحول إلى الاسلام رغماً عنهم سواءً عن قصد عنصري، أو عن طريق خطأ أقترفه بعض الكتّاب بسبب الجهل والامية في ستينات القرن الماضي وخاصة في منطقة عفرين من اعمال حلب. وما لحق بنا من مجازر دموية يشيب لها الرأس في العراق وخاصة في فترة الحكم العثماني، وكذلك ما تلا كل هذا من خلال تنفيذ سياسات عنصرية أدت بنا إلى واقع حال لا يتمناه العدو قبل الصديق بسبب التشرذم والاختلاف وكأن الذي جرى هو شيء من الصدف أو لا يستحق البحث والوقوف عنده وتحليله، ونكتفي بما هو جاري الآن من ظواهر مرتبطة بالوضع الاني دون أخذ عِبر التاريخ بنظر الاعتبار. فمتى إذن سنطالب بمستحقاتنا المسلوبة جهاراً؟ ومن هو المعني بتلك المطالبة؟
إننا بهذه الحلقات المتوالية من هذا الجهد المتواضع، نريد أن نثير ونسلط الضوء على ما أدى بنا من الاسباب إلى ما نحن فيه اليوم، وكذلك نسلط الضوء على ما يمكن تصحيحه وأنتشاله الآن، ومن ثم نبني على الصحيح منه استراتيجية مستقبلية تستوعبنا في ظل المتغيرات العملاقة في عالم اليوم. ولا ننكر تخوفنا من الانهيار والذوبان والتلاشي في الآخر، في حال الاستمرار في الوهم، واهمالنا لواقع حال مجتمعنا الحالي. وهنا لا أخفي تخوفي مما جاء في المثل الانكليزي القائل بأن “ترمى الكلمات في أحذية المعاني”. وإنما أتمنى أن يتفهم المتنورين من المجتمع الايزيدي بأهمية ما قاله الفيلسوف الشهير سبينوزا عندما قال “إذا وقعت عظيمة فلا تضحك ولا تبكي ولكن…. فكّر”. فكم عظيمة جرت على رأسنا ولم نفكر فيها؟ وهل آن لنا أن نفكر بعقل ونقف وقفة تأمل لما جرى، ونحدد موقعنا مستفيدين من الاوجاع والمعاناة والاوضاع كما هو حال غيرنا؟ أتمنى ذلك، وعلى المتنورين يقع العبء الاكبر من ذلك القدر. ومن الله التوفيق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1: مراد وهبة، مؤتمر تاسيس العلمانية في مصر، الندوة الاولى، أول مارس، 2006

القاهرة في 9/3/2009