الرئيسية » مقالات » العراق مابين الكان واليكون – 14

العراق مابين الكان واليكون – 14

إن الفكر السياسي الذي يعيش في أجوائه بشكل عام كلاً من العرب والأكراد والفرس والأتراك من جهة ، والماليزيين والأفغان والأفارقة من جهة أخرى هو الفكر السياسي الذي غرسه الأستعمار غالبا على هذه الأمم ، من حيث تطبيق مفاهيمه وأفكاره ، وذلك بإحلال وتقوية الرابطة الأقليمية والرابطة العرقية والرابطة المذهبية أو الدينية كبديلا عن الرابطة الوطنية التي تحوي تحت جناحها كل تلك الروابط . ومنها جاءت مشكلة أخرى تواجه العراقيين آنــذاك ألا وهِيَ إنفجار مشكلة القضية الكردية .


وهكذا وبعد الحرب العالمية الاولى توزع الاكراد بين ثلاثة أقاليم سياسية رئيسية هي إيـران وتركيا والعراق. وكانت استجابة الأكراد لهذه المفاهيم سريعة فانتشر بينهم شعار المطالبة بدولة كردستان انسجاما مع الجو العام آنـذاك .


إن للاستعمار اسلوب معروف في خلق المشاكل الاقليمية في البلاد الواقعة تحت نفوذهم ، وهذا ما أوجدوه فعلا في بلدنا الحبيب العراق ، ولاننسى إن تلك المشاكل جاءت نتيجة التقسيمات الاقليمية التي أوجدتها وأثارتها قبل الحرب العالمية الاولى و بعدها ، فقد عمل الاستعمار بكل جهدة في عملية التقسيم تلك لإيجاد التداخل الاقليمي والعرقي بسبب تضارب طموحاته في المنطقة ، وبالتالي يستخدمها ويثيرها حسب مقتضى مصلحته وفي الوقت المناسب لذلك .


وقد أثيرت قضية الحدود العراقية الكويتية في عهد عبد الكريم قاسم ، بشكل فج ومبتور ، كما نجح الكويتيون وبعد إزاحة قاسم في أخذ تصريح مهم من حكام العراق بتثبيت الحدود بينهما مقابل 30 مليون دينارا ، فوزعت المبالغ آنذاك على حكام العراق ، إلاّ إن ذلك لم ينهِ القضية ، وغزو صدام المقبور للكويت خير دليل على ذلك .

إن وجود الثروة النفطية في العراق هو أحد أبرز نقاط جذب الاطماع الاستعمارية
اليه ، وذلك لمـدّ نفوذها وتسلطها عليه ، فقد إستولت بريطانيا منذ وقت مبكر على نفط الموصل من قبل السلطان العثماني كبداية ، وتحولت بقية الثروة النفطية في كركوك وجنوب العراق تدريجيا الى شركة بريتش بتروليوم .


وبعد الحرب العالمية الاولى طالبت الولايات المتحدة الامريكية وبإلحاح بالغ مشاركتها هذه الثروة النفطية وهكذا الحال بالنسبة لفرنسا ، حين إذن ٍ تنازلت بريطانيا عن قسم من الاسهم لصالح أمريكا وفرنسا وهولنده أيضا ، إلاّ أنّ الامتياز الأكبر والسيطرة الأعظم ظلت بيد بريطانيا .


وقد نعمت بريطانيا بخيرات وأرباح الثروة النفطية في العراق بدون منازع حتى أنقلاب عام 1958 الذي أحدثَ رجـَّةً عنيفة للنفوذ البريطاني ، وقد إتجه قائد ثورة الرابع عشر من تموز ” عبد الكريم قاسم” الى المنطقة الرئيسية للنفوذ البريطاني وهي إمتيازات النفط .


كما دارت مفاوضات ومحادثات صعبة بين قاسم وشركات النفط وجميعها باءت بالفشل ، فأصدر” قاسم ” القانون رقم 80 ” المشهور الذي بموجبه تم تقليص مساحة الامتياز التي كانت تشمل جميع الاراضي العراقية الى المساحة التي تحيط بالآبار النفطية المستغلة وحدها ، وحينها قام بأنشاء “شركة النفط الوطنية” .


وبذلك أنتهت مرحلة من مراحل السيطرة الانجليزية الظاهرة على الثروة النفطية في العراق ، لتتحول بعدها الى سيطرة أخرى وباسلوب وتبعية جديدين .


من جهة أخرى إتبعت بريطانيا أساليب جديدة لإرساء قواعد العلاقات بين الشركات الإستعمارية والدول المنتجة للنفط ، وقــد كــان لشركة “بريتش بتروليوم” نفوذ خاص في العراق ، إذ انها كانت احد اعمدة الحكم في العراق ولفترة طويلة من الزمـن ، كما كـان لها عملاء محليّون منتشرون في مختلف أنحاء العراق .


وبعد الحرب العالمية الثانية إندفعت الولايات المتحدة الأمريكية لتصفية المستعمرات البريطانية كما حاولت أيضا الدخول الى العراق ، إلاّ أنّ النفوذ البريطاني جعل طريق امريكا صعب المسالك ، ويذكر إن نوري السعيد كان أحــد العقبات الكبرى أمام التسلل الأمريكي .



فلم تنجح محاولات أمريكا لدخول العراق إلاّ بشكل جزئى وذلك بإنقلاب عبد الكريم قاسم الذي إكتشفت أمريكا بعد مــدة من ممارسته السلطة إنها لـم تعثر
فيــه على الشخص المطيع والملبّـي لِما تُريد ، فقامت بسحب تأييدها لــه ، وبالتالي نجح الانجليز باستعادة مركزهم في العراق عن طريق إنقلاب 14 رمضان الذي حمل تناقضا في طياته ، إذ حاول البعث الاستفادة من إسم عبد السلام عارف فشاركه في الحكم ، ولكنه إنقلب عليهم ، وجاء بعده عبد الرحمن عارف ، فزاحمه على منصبه كامل الجادرجي ، وأخيرل تمكنت بريطانيا من التخلص منهم جميعا في الإنقلاب التمّـوزي الأخيــر سنة 1968 .

يتـبــــــــــــ ع / ..

محمد حسين
مدير مركز الاعلام العراقي – سيدني
imcsydney@yahoo.com
مشرف عام موقع شبكة إعمار العراق
www.iraq2003.com