الرئيسية » مقالات » الكورد..في المعادلة السياسية السورية (الحلقة الثامنة)

الكورد..في المعادلة السياسية السورية (الحلقة الثامنة)

د- مواقف بعض القوى والكتل التي تعمل في الخارج: هناك بعض القوى والأحزاب والكتل السياسية التي تكونت وتشكلت مؤخراً في الخارج (دول الشتات الأوروبي والأمريكي) وقد أبدت هي الأخرى مواقف متباينة لمجموعة القضايا المطروحة على الساحة السياسية السورية ومنها القضية الكوردية. إننا ومن خلال هذه الفقرة سوف نقف عند مواقف بعض تلك القوى والأحزاب وذلك كنماذج وأمثلة عن مجموعة تلك الفعاليات السياسية وتحديداً عند موقفي كل من: (جبهة التغيير والوفاق في سوريا) وأيضاً (حزب الحداثة و الديمقراطية لسورية).

لقد عقد مؤخراً (في 22/2/2009) المجلس التنسيقي الأعلى لجبهة التغيير والوفاق في سوريا إجتماعاً حضرته عدد من الفعاليات والأطياف السورية وخرجت بمجوعة من القرارات والتوصيات – ضمنته في بيانهم الختامي – وذلك “لإحداث نقلة نوعية وصولاً إلى التغيير الجذري الذي تنشده الجماهير السورية العريضة بكافة إنتماءاتها المتنوعة” وكان من تلك التوصيات ما يبدي عن رؤيتهم لمستقبل سوريا كحالة تشاركية بين جميع مكوناتها ودون إقصاء أي كتلة أو أقلية؛ عرقية كانت أو غيرها من الأقليات التي تشكل النسيج الوطني السوري، حيث جاء في البيان المذكور: “الإعتراف الكامل بحقوق جميع السوريين وخصوصياتهم بغض النظر عن الأعراق والأديان والمذاهب والإيديولوجيات المقصية، والعمل الجاد على إزالة ذاك الركام الجاثم على صدر الشعب والأمة السورية، والإتيان بالبديل الديمقراطي المرتكز على الدستور الضامن للتعددية السياسية والثقافية والعرقية والدينية والمذهبية، وعلى اللامركزية في إدارة شؤون الأقاليم والمدائن”. ويطالب البيان بأن يكون “الإنسان وقيمه الحضارية هو المنطلق في دستور سوري يختاره الشعب بعيداً عن إحتواء الأغلبية للأقلية”.

وهكذا فإن الطرح السياسي للجبهة يندرج ضمن إطار الحل الفيدرالي (اللامركزي في إدارة شؤون الأقاليم والمدائن) التي تتشكل منها جغرافية سوريا ودون هيمنة أو إقصاء أحد المكونات السورية، بل “الإعتراف الكامل بحقوق الجميع وخصوصياتهم” وذلك في ظل دستور سوري جديد يقره الشعب من خلال برلمان وإنتخابات حقيقية. وبالتالي فيمكن القول بأن طرح الجبهة هي سابقة سياسية – إن جاز التعبير – وذلك على مستوى البرامج السياسية المطروحة في البلد؛ حيث وعلى حد علمنا لم تطرح أي كتلة سياسية أخرى مثل هذا البرنامج الذي يتضمن مبدأ اللامركزية (الفيدرالية) كمشروع سياسي لسوريا المستقبلية، بل وكما رأينا في (كل) المشاريع السابقة لمجموع القوى والكتل السياسية السورية، بأنها تندرج في قضية مبدأ المواطنة كحل (وطني) لكل السوريين وبمختلف أطيافهم.

أما موقف (حزب الحداثة و الديمقراطية لسورية) والذي جاء من خلال “بياناً يعبر عن موقفه من القضية الكردية وحركتها الوطنية في سورية” فهو كالتالي: “تعبيراً عن إيمان الحزب بالهوية الكردية الثقافية المتميزة وكونها تمثل القومية الثانية في البلاد، فقد حرص حزب الحداثة و الديمقراطية لسورية على إعادة طرح الخصوصية الكردية السورية على السوريين”. ويضيف البيان المذكور “لقد قام النظام الدكتاتوري المتعصب، بممارسة منهجية تهدف غسل الأدمغة السورية بخصوص هوية الوطن السوري، وتلاعب بفرع من تاريخ سورية وخارطتها الثقافية الغنية، متبنياً لجملة سياسات مركبة ومتشابكة ومشوشة ترمي إلى إفقاد الكرد السوريين في سورية هويتهم، و تمثيل ثقافتهم، و دمجها في الثقافة العربية”. ويضيف أيضاً “لقد أرادت الديكتاتورية عبر سياساتها هذه أن تحتكر الوجود الثقافي على الساحة السورية بالقومية العربية، وكأن التسلط وأدواته لا يدركون أن الشعوب تأبى أن تتمثل وتتبخر، مهما كانت الممارسات العنصرية متوحشة، خبيثة، ولا ترحم”.

وأيضاً ومن بعد توصيف الحالة السورية والاعتراف بالشعب الكوردي كثاني قومية في البلاد فإن البيان السابق يقف عند المشاريع العنصرية التي طبقت بحق مكون أساسي لسوريا؛ ألا وهو شعبنا الكوردي، حيث يقول: “إن قانون الإحصاء العنصري لعام (1962) وذيوله وما ترتب عنه من إجراءات و ممارسات أفقدت الآلاف من أبناء سورية من الأكراد جنسيتهم السورية، هو أحد هذه السياسات العنصرية، و التي لا تحظى بأي شرعية قانونية أو أخلاقية، و كذلك الأمر فيما يخص الإجراء المخرب للخارطة السورية، من خلال حزام التوطين العربي على طول الأرض السورية الشمالية، تلك التي سكن فيها الأكراد السوريون، وأعطوها من عرقهم ودمهم وثقافتهم، لقد أخذت هذه الأرض من الثقافة الكردية ومن خصوصية الحياة الكردية كل مسمياتها وعناوينها وهويتها، وكانت بحق جدلية (الشعب الأرض) وتبادل الأخذ والعطاء”. وبالتالي فيمكن تسجيل هذه النقطة؛ الإعتراف بالجغرافية الكوردية (غرب كوردستان) لصالح المشروع السياسي الذي يطرحه (حزب الحداثة و الديمقراطية لسورية) وذلك كأول حزب سوري – خارج إطار الحركة الوطنية الكوردية – يطرح القضية تلك ضمن أجندته السياسية وإن لم يسميها (أي جغرافية كوردستان) ولكن أشار إليها من خلال “جدلية الشعب والأرض” وخصوصية (تلك الأرض) وكيف “أخذت من الثقافة.. والحياة الكردية” نتيجةً لمشروع عنصري إستيطاني (الحزام العربي).

وهكذا فإننا نجد بأن هناك مشاريع سياسية تلمح – ولا تصرح – لقضايا ونقاط جوهرية في مسائل مصيرية، وخاصةً المتعلقة منها بالقضية الكوردية، مما يخلق بعض الريب والشك لدى المواطن الكوردي البسيط، ناهيك عن السياسي المحنك ومعرفته بمدى إمكانية التلاعب بالمصطلح السياسي وتحويره وحتى التنصل منه؛ والتجربة الكوردية مع المعارضة العراقية تتمثل أمامه يومياً. مما جعل الكثيرين من المثقفين والناشطين السياسيين الكورد يشكون في النوايا والمشاريع السياسية وقد طرح ذلك صراحةً الأستاذ إبراهيم حمو؛ العضو القيادي في البارتي الديمقراطي الكردستاني في رسالته إلى “أبناء وبنات شعبنا الكردي السوري في كل مكان”، قائلا “أن البعض من هذه القوى المعارضة (العربية – التوضيح من كاتب المقال) نطق بها (الاعتراف بحقوق الأكراد) تكتيكاً لا إيماناً، بدليل ان أقطاب المعارضة، سواء كانوا في إعلان دمشق أو في جبهة الخلاص أو في مواطن أخرى، ومن خلال تصريحاتهم المتشنجة كما حصل مع رياض الترك في ندوة برلين السياسية، أو في مقابلات بيانوني وخدام في أكثر من موقع أو مع آخرين من أقطاب المعارضة… تختزل القضية الكردية السورية في حقوق المواطنة، ومعظم هؤلاء يرحلون قضيتنا إلى ما بعد التغيير المنشود، والمحاولة المستميتة في عدم الخوض في عمق الموضوع وعدم التطرق إلى التفاصيل، الأمر الذي يخلق الشك والريبة حيال نواياهم الحقيقية تجاه حقوق شعبنا العادلة”. ( من مقالٍ له: دعوة إلى التأمل الصريح في برامج كل من إعلان دمشق وجبهة الخلاص الوطني والتجمع القومي الموحد وجبهة التغيير والوفاق الوطني في سوريا فيما يتعلق بحقوق شعبنا الكردي في سوريا للكاتب والسياسي إبراهيم حمو).

وللتأكيد على تلك النقطة فها نحن نقتبس من مقالة (الأكراد في سورية: اليوم محافظة وغداً حكم ذاتي بقلم المدعو: مصطفى حميدو) حيث يقول كاتبها: “لا أستطيع أن أفهم من دعوة أحد الأحزاب الكردية السورية لاستحداث محافظة في قضاء القامشلي غير أنه بداية المسلسل من المطالب التي ستنتهي حتما بطلب حق تقرير المصير. يبدو أن الأحزاب الكردية في سورية تبطن غير ما تظهر. فهي في العلن لا تتعدى مطالبها الحل الديمقراطي لما تعتبره القضية الكردية في سورية، لكني حتى الان لا اعرف عن هذه القضية شيئا غير أنها مطالب مشابهة لما تطرحه المعارضة السورية لكنها تتوارى خلف دعوة عرقية يقترب بعض طارحيها بدعوتهم من العنصرية ويبتعد أخرون بحسب الجهة الطارحة”. إذاً فالسيد مصطفى حميدو يرفض القضية الكوردية جملةً وتفصيلاً وليس حق تقرير المصير فقط، بل حتى الدعوة لمحافظة في منطقة القامشلي يجدها (كبيرة) على الكورد.

ويضيف كاتب المقال: “مصطلح القضية الكردية هو في أصله استفزازي لأنه يميز عرقاً لا يعدو كونه أقلية بميزات خاصة و يصبغه بشعارات النضال والتضحية والفداء… الى أخر هذه الشعارات التي يمطرنا بها أكراد العراق عندما يتكلمون عن فترة صدام حسين ودورهم فيها. ما يطالب به الأكراد في سورية ليس ببعيد عن تحريض اكراد العراق والذين قد أقتربوا بشكل كبير من الدولة المستقلة. لا أستطيع أن أفرق بين الدعوة الى محافظة في القامشلي وحلم الاتصال الجغرافي بين أكراد العراق واكراد سورية. البعض حاول أن يربط بين ما جرى من هجوم أمريكي على تلعفر التركمانية وحلم الاتصال الجغرافي مع اكراد سورية. تعتبر تلعفر عائقا مهما في سبيل تحقيق مثل هذا الحلم فموقعها المهم في مثلث الحدود السورية العراقية التركية يجعل منها حاجزاً بين الأكراد في سورية والعراق هذا ان استثنينا تركيا الحليفة لأمريكا والأقل تهديداً من قبل المطامع الكردية”. هو صحيح أن المقال السابق ينتمي إلى ثقافة وخطاب السلطة والدوائر القومية العروبية المتكلسة وبعيد (كل) البعد عن مجموعة البرامج السياسية – وخاصةً برامج القوى المعارضة في الداخل والخارج – والتي رأيناها من خلال مجموعة الحلقات السابقة والتي طرحنا من خلالها وجهات نظر العديد من القوى والكتل السياسية المختلفة ولكن يمكن القول بأنه خطاب (شارعي) – إن جاز التعبير وذلك كنايةً عن الشارع السوري والعربي عموماً – وبالتالي فهو خطاب طاغي يجعل الآخر (الأقليات عموماً وهنا الكورد تحديداً) يتوجسون خوفاً من المستقبل؛ مستقبل العلاقة مع الأكثرية السائدة وخطابها وطغيانها.