الرئيسية » مقالات » الحنين .. هنا وهناك!

الحنين .. هنا وهناك!

إنعكاس ضوء خيوط الشمس الذهبية على مياه دجلة أضفى على سطح الماء لونا فضياً متألقاً في تلك الظهيرة من صيف عام 2005 م. , كانت حرارة الشمس حارقة والجو مغبر … وعلى الرغم من استحكام زجاج نوافذ المبنى اكتسى كل شيء حوله بذرات الغبار الدقيقة ، وتراكمت حتى على رأسه وشاربه وملابسه ، فقد تحركت العاصفة الرملية الصفراء نحو بغداد منذ مساء أمس واكتسحت الجميع بلا استثناء , السماء والارض والناس والطيور والأشجار … كل ما في العاصمة غدا وكأنه يعيش في صندوق زجاجي مملوء بالغبار الأصفر.
ومن أجل ان يهرب من جو الغرفة الخانق ورائحة الغبار الذي ملئ أنفه وتعسر عليه التنفس بشكل طبيعي ، أخذ يراقب النهر الممتد على الجانب الأيسر من مكتبه في احدى منظمات المجتمع المدني المعروفة والمهمة ، الواقعة على الكورنيش والتي كان هو مدير مكتبها . بدا له النهر ساكناً … كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة . تتحرك تيارات الماء على سطحه بهدؤ ورتابة مملة … انخفض مستوى الماء فيه بشكل غير طبيعي وتعرت ضفتيه من لباسها الأخضر الزاهي ولم يعد مصدرا لإثارة المشاعر أو الالهام للشعراء أو ملجأ للعشاق …. قال في نفسه ” كم تغير هذا النهر الذي كان يتغنى الشعراء بسحره وجماله في الماضي ؟ وكيف أصبح الان وكأنه امرأة هرمة مهجورة ، من يراها يتأسى ويأسف لجمالها وفتنتها أيام كانت قبلة للناظرين. كان ملتقى هادئ للعشاق في النهار ، يلتقون على كورنيشه الطويل الأخضر، يتناجون تحت ظلال شجيراته بعيدا عن عيون المتطفلين ، ومصدر رزق للسماكين ، ولياليها أنس للساهرين حتى الصباح … يستأنسون بانعكاس أضواء المصابيح الكهربائية على طول الكورنيش ولمعان النجوم وضوء القمر على سطحه ” … رفع راسه واغمض عينيه ليتذكر تلك اللحظات المفقودة التي يشده الحنين اليها … والى رائحة الخشب المحترق ولهيب النيران الحمراء على الشاطئ والمسكوف … شعر بالأسف لانه اليوم ، يرى دجلة ، مجرد نهر يقسم مدينة بغداد لا غير فلا هو جميل ولا ساحر كما كان يتصوره في مخيلته على مدى اكثر من عقدين من الزمن .

ظل هكذا يراقب دجلة لفترة غير قصيرة … محدقاً به ، وكأنه ينتظر حدوث معجزة هناك ، مثل وقوع زلزال مهيب أو هبوب رياح عاتية تدفع الغبار بعيداً ، وتأتي بالغيوم السوداء الحبلى بالمطر ، تفرغ ما في جوفها ليغسل السطوح والأشجار والمباني كلها ، وينزاح التراب عن وجه دار السلام المغبر.
علت شفتيه شبه ابتسامة حزينة لأفكاره المستحيلة ، وضع يديه على مكتبه الفاخر .. بدأ يقرأ الأوراق الموضوعة تحت زجاجها الداكن .. لم يكن هناك شيء يستحق القراءة ، سوى تعليمات وأرقام هواتف مهمة .. أخذ ينفث الضجر مع انفاسه الحارة ، ساعيا لإبعاد الرخوة التي بدأ يحس بها في كافة اطرافه والنعاس الذي يضغط على جفنيه وتأخذه بسببها غفوات متقطعة … قام فجأة من وراء المكتب واتجه مسرعاً الى الحمام الأنيق … تعجب من رؤية وجهه المتعب المغبر الذي طل عليه من المرآة ، صب ماء بارد من الحنفية الذهبية على وجهه مرات عديدة وغسل يديه ، اعادت برودة الماء اليه الحيوية والنشاط مجدداً .. خاطب صورته في المرآة بصوت لم يكن يسمعه أحد الا هو ” ماذا تريد الآن ؟ هاقد وقع الصنم وتحرر البلد وعدت الى الديار بعد 23 عاماً من الغربة القسرية . عليك أن تفرح فقد حققت أحلامك بالعودة ، اليس هذا ما كنت تريده !
عاد الى مكانه ، أدار الطرف حوله … كان كل شيء مرتب وانيق … فهو الان يتعامل مع شخصيات رفيعة المستوى في البلد ، فلماذا هذا الاحساس بالضياع وعدم الاستقرار حتى الان ؟ نظر الى مكتب رئيسه الضخم ، ساعيا ً الى قراءة ملامح وجهه الهادئة ، ياترى، بماذا يفكر هذا الانسان الذي يجلس هناك ساعات متواصلة يتصفح ويقرأ الصفحات الالكترونية يرسل الرسائل الالكترونية ويجيب على بريده الذي لا يفرغ أبداً دون كلل و ملل … من أين له كل هذا النشاط والسرطان يأكل جسمه ؟ … بدأ أحد حراس المبنى الشباب بالبحث عن القنوات الفضائية ، انتقى احداها … ملأ المكتب صوت ملائكي حزين يغرد من الماضي …
ياريت … إنت وانا في بيت … شي بيت أبعد بيت ..
خاطبه رئيسه بشبه عصبية : قل له إن التلفزيون والستلايت لسماع الاخبار وليس الاغاني، ليحولها الى بي بي سي نيوز ..
اعترته مشاعر متناقضة حيال رئيسه والمكان كله وحتى نفسه … اليس من حقهم أن يرتاحوا من الأخبار ولو لدقائق ؟
طلب من الشاب اليافع أن يحول القناة … الذي بدل القناة الى بي بي سي نيوز … وجلس على احدى المقاعد في الصالة الفخمة ، رشاشته بجانبه على الأرض ونظراته مركزة على المذيع الذي كان يتكلم عن الاوضاع الأمنية المتوترة في العراق دون ان يفهم اية كلمة مما يقوله باللغة الانكليزية … شعر بالأسى لهذا الشاب الحامل لشهادة جامعية ولم يجد له اية وظيفة تليق بمؤهلاته سوى وظيفة البادي كارد ( الحارس ) ….
حول نظراته إلى دجلة محدقا به من خلال زجاج النافذة بنظرة عتاب … بدأ حديث القلب للقلب بينهما قال له ” … هجرك سمارك … أبعدوا أولادك عنك ، وشردوهم وقتلوا من قتلوا منهم بلا ذنب ارتكبوه واحتويت الاجساد المثرومة للبعض منهم في بطنك واخفيتيهم في اعماقك ، وكأنك تسترت على جرائمهم بحقهم وحقك ، إيه يادجلة … إيه يادجلة .. الا تشعر بعار السكوت الذي اعتراك طوال سنوات الغدر بشعبك والاساءة الى سمعتك الطيبة .. بالطبع لست الملام وحدك والكل حولك كانوا صامتين حيال ما يحدث ، ولربما ارغموك كما ارغموهم على تلقي المصائب والجرائم بالقوة … اكثر من عقدين من الزمن وانا اشتاق لك وللأرض التي ولدت عليها ولأحلى ملاعب الطفولة والصبا ، ومرح الشباب وليالي العيد وصوت ام كلثوم الذي كان عندما يسمع من التلفاز ” ياليلة العيد آنستينا ….. ” يبدأ السباق نحو باب الحمام والقهقهات وضرب المتخلف على الباب لكي يسرع من دخله اول مرة حتى لا ينتهي الماء الحار، واستلام العيدية من الوالد وطبخ الوالدة الخاص ومدينة الألعاب ولم نكن ننسى ان نزورك في إحدى تلك الليالي الجميلة لنأكل المسكوف ونعايدك أنت أيضاً … لكن ، فجأة رأيت نفسي مقصيا ً وكأني لا امت اليكم بصلة … وكأن هذه الأرض ليست أرضي ولا انت من ارتويت من مائه … سنوات من الغربة القسرية والقلب لا ينفك من الشوق ولا الفكر من التذكر ولا الروح من التمني … على الرغم من كل ما حدث كنت احن لكم واتمنى ان اعود اليكم … وعدت فماذا رأيت ؟ … رأيت ان الزمان غدر بكم أيضا وغيركم ، فلا انتم من كنت اعرفهم ولا انا بقيت كما كنت طفلا غرا وصبيا مرحا وشابا حالماً …
“فأنت … يامن كنت منبعا للخير غيرك الزمان ولو انه يبدو لم يقهرك ولازلت كما كنت صابرا وخالدا. والحق ، هو أن الهدوء والوقار وطبعك المعطاء منذ آلاف السنين هو أجمل ما فيك …لكني لا ادري لماذا اشعر بنوع من الغربة بيني وبينك ؟ واشعر بالحنين الان ايضا ولكن الى منفاي هناك … قد يكون بعدي عنك كل تلك السنين على الرغم مني وعدم اعتراضك على ذلك لا زال يشكل الما وحزنا مغروسا في كياني ، ويبكيني كلما اتذكر ما فعلوه بنا … أنا وأنت نلتقي كل يوم منذ عام ، أناجيك وتناجيني .. اشكو لك معاناتي وانت خير مستمع ، أنا اقول واقول وانت تسمع ولا تمل ….. ”
توقف عن مناجاته لحظة لإحساسه برطوبة عينيه … احساس غريب يعتريه كلما ينظر الى هذا الممر المائي ، إن وحدته ، وغربته وحيرته لما خاله سيكون مرفأ الامان بعد سنوات الحرمان والغربة في المنافي الغريبة ، وعشقه لهذا التراب وذكرياته وحياته الماضية وسعيه لاستعادة حقوقه المسلوبة والعثور على رفات اخوته المغيبين من قبل النظام السابق لوحة متداخلة الألوان … تعذبه … تؤرقه ولا يدري ماذا يريد الآن بالضبط ، هل يريد أن يبقى ؟ وهل تركوا له هنا شيء يرتبط به ويحس انه منه وبيه ؟ أم يريد ان يرحل إلى مكان آخر ؟ لكن ، هل لديه ذريعة الآن لكي يبقى في تلك الدول البعيدة …. اجتاحته مشاعر متناقضة مؤلمة … أبعد رأسه وعينيه الدامعتين إلى أقصى حد نحو دجلة … ساعياً أن يمسح قطرات الدمع التي انسابت على وجنتيه بشكل لا يجلب انتباه رئيسه أو الحارس الشاب ، مرر نظراته على الممر المائي من ابعد نقطة مرئية منه الى اقرب نقطة قريبة من مكانه في محاولة لتهدئة نفسه والسيطرة على مشاعره الجياشة .
بدا له من بعيد ، شيء صغير داكن ينساب مع انسياب النهر … كانت كنقطة صغيرة في بادئ الامر لا يمكن تمييزها بدقة .. ولكن مع اقترابه اكثر تأكد بأنه زورق صيد صغير فيه رجلين ، كان جسم الرجل الجالس في المقدمة يتحرك الى الامام والخلف مع الحركات الرتيبة ليديه الماسكتين بالمجدافين … وعلى الحافة المقابلة له وقف زميله النحيف الجسم والطويل القامة ، طرف دشداشته البيضاء في حزامه وشبكة الصيد مفروش على يديه الممدتين أمام جسمه ، أحنى رأسه يبحث في الماء عن صيد ليرمي شباكه .. ظل يتابع حركة الزورق حتى اختفائه عن الأنظار عند الجزرة الصغيرة وسط النهر … وراء الشجيرات المتشابكة .
في تلك اللحظة ، وعلى الضفة البعيدة للنهر وقفت سيارة تاكسي برازيلية بيضاء وبرتقالية نزل منها رجل يحمل شيئاً بيده . ركض نحو المنحدر ، اختار موقعاً قريباً من النهر، جلس القرفصاء ، وضع مدفع الكاتيوشا على كتفه الأيمن، كان يبدو ثقيلاً لكنه كان يسعى لتحمله … يحركه باتجاه الهدف …
لاحظ كل ذلك بذهول … ظل متسمراً في مكانه ، رفع جسمه فجأة وصاح بالحرس .. جاءوا مهرولين … تسبقهم صدى خطوات أحذيتهم العسكرية … نظر الجميع الى الرجل الذي كان يمكن ان يطلق صاروخه في اية لحظة ، صاحوا أنه يستهدفنا … أكد هو، لا ، انه يستهدف الشعبة الخامسة .. ثم وكأنه تذكر حراجة اللحظة ، صاح محذرا ً … توجهوا الى الطابق السفلى … اهتز المبنى مع صوت انفجار رهيب.. استداروا بسرعة راكضين نحو الغرفة المحصنة في الطابق الأرضي … سمع صوت ثلاث انفجارات متتالية واحدة تلو الاخرى ، والانفجار الأخير كان قريباً جداً ، اختلط صوت الانفجارات مع تهشم زجاج النوافذ … ثم ساد الهدؤ ، رفع الراكعون في الغرفة الواضعين أيديهم على رؤوسهم اجسامهم قائمين …
عاد إلى مكتبه برفقة الحرس والرئيس .. كانت الغرفة مليئة بقطع الزجاج المتناثرة .. وقف ينظر عبر النافذة ، وكل جسمه يرتجف من هول الصدمة ، لم يكن قد بقي أثر لا للرجل ولا للسيارة البرازيلية … فر الارهابيون كالعادة ، بينما ظهرت المروحيات السوداء تدور فوق النهر باحثة عنهم ، حمد الله في سره على نجاتهم جميعاً … راوده احساس بأن الله منحهم فرصة اخرى للحياة … وابتسم بولع عندما لمح زورق الصيادين سالما يبتعد عن مكان الحادث بسرعة ليجد الرجلان رزقهم في نقطة اخرى من دجلة ، قال للنهر في سره ” لازال فيك الخير لأبنائك ” .

بغداد 

04/03/2009م