الرئيسية » مقالات » ليبرتاد* 1925

ليبرتاد* 1925

رجاء الحياة الأبدية اعتبر البشر الموت كانتقال , كخطوة مؤلمة , و انحنوا أمام “لغزه” إلى درجة التبجيل .
حتى قبل أن يتعلم البشر ما يمكنهم عمله بالحجارة , و الرخام , و الحديد , لكي يحموا الأحياء , تعلموا كيف ينسقوا هذه الأشياء لكي يكرموا الميت .
ضمت الكنائس و الأديرة قبورهم بكثرة سخية تحت قبابها و جوقات منشديها , فيم كانت الأكواخ تحتشد على جوانبها , و هي تؤوي الأحياء على نحو بائس .
لقد أعاقت عبادة الموتى , منذ لحظاتها الأولى , تطور الإنسان إلى الأمام . إنها الخطيئة الأولى , ذلك الوزن الميت , و كرة الحديد التي تجرها البشرية وراءها .
كان صوت الموت , صوت الميت , يرعد دوما ضد صوت الحياة الكونية , الذي يتطور أبدا .
ما زال يهوه , الذي فجرته مخيلة موسى في سيناء , يسيطر على قوانينها . يسوع الناصري , الميت منذ قرابة عشرين قرنا , ما يزال يبشر بأخلاقها . حكمة بوذا , كونفوشيوس , و لاو تسو ما تزال مسيطرة . و كم من آخرون كثر !
إننا نحمل المسؤولية الثقيلة لأسلافنا , إن نحمل نواقصهم و مزاياهم .
لذلك فنحن في فرنسا أولاد الغال , رغم أننا فرنسيون من خلال الفرنك الفرنسي و من خلال العرق اللاتيني عندما نصل إلى الكراهية الأزلية للألمان . كل من هذه الأشياء الموروثة تفرض التزاماتها علينا .
( إننا الأطفال الأكبر سنا للكنيسة بناء على من يعرف أي من الموتى , و أيضا أحفاد الثورة العظمى . إننا مواطنو الجمهورية الثالثة و نحن أيضا مخلصون للقلب المقدس ليسوع . لقد ولدنا كاثوليكيين أو بروتستانت , جمهوريين أو ملكيين , أغنياء أو فقراء . إننا نكون دوما ما نحن عليه من خلال الموتى , لم نكن أبدا أنفسنا نحن . إن أعيننا , المثبتة أعلى رؤوسنا , تنظر إلى الأمام , لكن مهما قادتنا إلى الأمام , فإن ذلك يكون دوما نحو الأرض حيث يرقد موتانا , نحو الماضي حيث عاش موتانا , حيث تسمح لنا تربيتنا بتوجيهها ) .
أجدادنا … الماضي … الموتى …
شعوب بأكملها ماتت بسبب هؤلاء المبجلين الثلاثة .
إن الصين هي اليوم بالضبط حيث كانت قبل آلاف السنين لأنها تحمي في المقام الأول الموتى في منازلها .
الموت ليس فقط جرثومة الفساد بسبب التحلل الكيماوي لجسد الإنسان , الذي يسبب تسمم الجو , إنه حتى كل الموضوع بسبب تقديس الماضي , جمود الفكر في مرحلة معينة من التطور . لو أن الأحياء تطوروا لكانوا أكثر تقدما . إنهم يكرسون أنفسهم للميت . على أنه هذه اللحظة بالذات هي التي يختار الحي فيها أن يعجب به , لكي يقدسه , لكي يعظمه حتى التأليه .
الأعراف و التقاليد , أخطاء أجدادنا تنقل من شخص لآخر في العائلة . شخص ما يؤمن بإله آبائه , و آخر يبجل وطن أجداده … لماذا لا نبجل نظام الإضاءة لديهم , و طريقة لباسهم ؟
نعم , ينتج عن هذه الحقيقة الغريبة أنه فيم تتحسن الأمور الظاهرية و الاقتصاد , يتغير أو تتمايز , أنه فيم كل شيء يموت و يتحول , يبقى الإنسان , روح الإنسان , في ذات حالة العبودية , تبقى محنطة في نفس الأخطاء .
تماما كما أنه في قرن المصباح الكهربائي , في قرن الكهرباء ما يزال الإنسان يعتقد بجنة المستقبل , بآلهة الانتقام و الغفران , بالجحيم و مثوى الشهداء كطريقة لاحترام أفكار الأجداد .
الموتى يقودوننا , الموتى يأمروننا , الموتى يأخذون مكان الأحياء .
كل احتفالاتنا , كل تمجيداتنا هي ذكريات سنوية لموتى و مجازر . إننا نحتفل بيوم كل القديسين لنمجد قديسي الكنيسة , إنه عيد الموتى كيلا ننسى حتى و لا ميت واحد . يذهب الموتى إلى الأوليمب أو الجنة , إلى يمين جوبيتر أو الإله . إنهم يملئون الفراغ “غير المادي” و يرهقون الفراغ “المادي” بخدمهم , و استعراضاتهم , و مقابرهم . إذا لم تأخذ الطبيعة على عاتقها القيام بتحليل أجسادهم و ذر أشلائهم , لن يعرف الأحياء اليوم أين سيضعوا أقدامهم في المقبرة الكبرى التي ستكونها الأرض .
إن ذكرى الأموات , أفعالهم و أعمالهم تؤخر عقول الأطفال . إننا نتحدث إليهم فقط عن الموتى , و علينا أن نتحدث إليهم فقط عنهم . إننا نجعلهم يعيشون في عالم الوهم و الماضي . عليهم ألا يعرفوا أي شيء عن الحاضر .
إذا كانت العلمانية قد أسقطت قصة السيد نوح أو السيد موسى , فإنها قد استبدلتها بقصة السيد تشارلمان أو السيد كابي . يعرف الأطفال تاريخ موت مدام فريغوند , لكن ليس لديهم أدنى فكرة عن مبادئ الصحة الشخصية . تعرف بعض الفتيات في سن ال 15 أنه في إسبانيا قضت سيدة اسمها إيزابيل قرنا كاملا و هي ترتدي نفس الثوب , لكنهن يضطربن بشكل غريب عندما تفاجئهن أول دورة طمثية .
بعض النسوة اللواتي يحفظن تاريخ ملوك فرنسا دون أي خطأ لا يعرفن ما الذي عليهن فعله عندما ينفجر طفل ما باكيا لأول مرة في حياته .
فيم نترك فتاة صغيرة إلى جانب ذلك الذي يموت , في النزع الأخير , فإننا ندفعها بعيدا عن نفسها تلك التي تفتح الحياة لها .
يسد الموتى المدن , الشوارع و الساحات . إننا نقابلهم و هم في رخامهم , في الحجر , في البرونز . تخبرنا هذه النقوش عن تاريخ ميلادهم , و تخبرنا تلك الصفائح أين عاشوا . تحمل الساحات أسماءهم أو أسماء إنجازاتهم . لا تدل أسماء الشوارع على مواقفهم , أشكالهم , مبادئهم أو مواقعهم , إنها تتحدث عن الألوان القرمزية أو الوردية , عن مآثر الموتى حيث قتل الكثيرون . إنهم يعيدون لك القديس إيليثور أو تشافالييه من بار , بشر ميزتهم الوحيدة هي الموت .
في الحياة الاقتصادية الموتى أيضا هم الذين يشكلون حياة الجميع . يرى المرء حياته بأكملها تسود بسبب “جريمة” أبيه , و آخر يلبس مجد , عبقرية , جسارة أسلافه . هذا الشخص ولد ريفيا شديد الارتباك مع أكثر الأرواح تجليا , أما ذاك فقد ولد نبيلا مع أكثر الأرواح سوقية . نحن لا شيء عبر أنفسنا , و نحن كل شيء من خلال أجدادنا .
لكن … ما هو الموت ؟ في عيون النقد العلمي , هذا الاحترام للموتى , عبادة البلاء , كيف يمكن تبريرها عبر أية حجج ؟ قلة طرحوا هذا السؤال , و لهذا بقي هذا السؤال دون إجابة .
و في مركز المدن ألا نرى مساحات كبرى يحافظ عليها الأحياء بورع , هذه هي المقابر , حدائق الموتى .
يجد الأحياء أنه من الجيد أن يدفنوا , إلى جانب أرجوحة أطفالهم , أكوام اللحم المتحلل , الجيف , العنصر المعدي لكل الأمراض , الأساس الذي تصدر عنه كل الالتهابات .
إنهم يخصصون مساحات كبرى مزروعة بالأشجار الرائعة , عازلين الأجساد التي استحوذ عليها التيفوئيد , المهلكة , المصابة بالجمرة , تحت عمق متر أو مترين . و بعد عدة أيام تتجول الفيروسات المسببة للالتهاب في المدينة باحثة عن ضحايا جدد .
البشر الذين ليس لديهم أي احترام لعضويتهم الحية , التي يتلفونها , و التي يسممونها , و التي يعرضونها للخطر , يستحوذ عليهم فجأة احترام كوميدي لأقاربهم عندما يتعين عليهم أن يتخلصوا منهم بأسرع ما يمكن , أن يضعوهم في أقل شكل مزعج , و أكثر الأشكال نفعا .
إن عبادة الموتى هي أكثر شذوذات الأحياء شيوعا أو فظاظة . إنها مستمدة من الأديان التي تعد بالجنة . يجب إعداد الميت لزيارة ما بعد الحياة : إعطائهم أسلحة بحيث يمكنهم المشاركة في مطاردة مثوى الشهداء , بعض الغذاء للرحلة , إعطائهم بعض الزاد , و تحضيرهم ليعرضوا أنفسهم أمام الإله . ( ترحل الأديان لكن صيغها السخيفة تبقى . يأخذ الموتى مكان الأحياء ) .
تستخدم مجموعات بأكملها من العمال و العاملات قدراتهم و طاقاتهم للمحافظة على عبادة الموتى . يحفر البشر الأرض , ينحتون الحجارة و المرمر , يوقدون المصابغ , يعدون منزلا لكل منهم لكي يدفنوا فيها باحترام الجيف المصابة بالزهري ( السفلس : مرض جلدي ينتقل بالجنس – المترجم ) الذين ماتوا للتو .
تنسج النسوة الكفن , و تصنعن الأزهار الاصطناعية , و تنظمن باقات الأزهار لتزيين المنزل الذي ستلقى فيه تلك الكومة التي انتهى تحللها بفعل السل على الفور . عوضا عن الإسراع بإخفاء بؤر التحلل هذه , و استخدام كل السرعة و الوسائل الصحية الممكنة لتدمير هذه البؤر الشريرة التي سيؤدي الإبقاء و المحافظة عليها فقط إلى نشر الموت من حولها , يفعل كل شيء ممكن للمحافظة عليها أطول ما يمكن . هذه الأكوام من اللحم تستعرض في سيارات خاصة , و في نعوش خاصة , عبر الطرق و الشوارع . و عندما تمر , يرفع الناس قبعاتهم . إنهم يحترمون الموتى .
كم الجهود و المادة الذي تصرفه البشرية على المحافظة على عبادة الموتى لا يمكن تصوره . لو أن كل هذه القوة استخدمت لمعالجة الأطفال عندها سيتمكن عشرات الآلاف و الآلاف منهم أن يتجنبوا المرض و الموت .
لو أن هذا الاحترام الغبي للموتى سيختفي و يتيح بعض المجال لاحترام الأحياء , لزدنا صحة و سعادة الحياة الإنسانية بنسب لا يمكن تخيلها .
يتقبل البشر نفاق آكلي لحوم البشر , أولئك الذين يأكلون لحوم الموتى , أولئك الذين يعيشون على الموتى , من القس , معطي الماء المقدس , إلى تاجر المنازل الخالدة , من بائع الأكاليل إلى نحات ملائكة مستودع الجثث . مع تلك الصناديق السخيفة التي تقود و تصاحب هذه الدمى المضحكة , نصل إلى إزالة هذه الحطام البشري و توزيعه وفقا لحالة ثروتهم , في حين ستفي خدمة نقل جيدة , مع سيارات مسدودة بشكل محكم و فرن محرقة بني وفق آخر الاكتشافات العلمية , بالغرض .
( أنا لا أشغل نفسي باستخدام الرماد , رغم أنه يبدو بالنسبة لي أنه من الأكثر إمتاعا استخدامه كسماد عضوي عوضا عن حملهم في كل مكان في صناديق صغيرة . يتذمر الناس من أعمالهم , لكنهم مع ذلك لا يريدون تبسيط تلك الإشارات التي تعقد بشكل كبير مناسبات وجودهم , و لا حتى أن يتخلصوا من الحفاظ الغبي – و الخطير في نفس الوقت – للجثث . عند الأناركيين احترام أكبر بكثير للأحياء منه للموتى . دعونا نأمل أن هذه العبادة الباطلة ستصبح ذات يوم من خدمات إدارة الطرق , و أن الأحياء عندها سيعرفون الحياة بكل تجلياتها ) .
كما قلنا سابقا لأن البشر جاهلين لذلك فإنهم يحيطون ظاهرة بسيطة كالموت بطقس ديني بدائي كهذا . و يستحق الذكر أيضا أن هذه هي الحالة الوحيدة في حالة موت البشر : لا يستخدم موت الحيوانات الأخرى أو النباتات كمناسبة لاستعراضات مشابهة , لماذا ؟
البشر الأوائل , و بالكاد تطوروا عن البهائم , و فاقدين لأي معرفة , قد دفنوا الرجل الميت مع زوجته الحية , و أسلحته , و أثاثه , و مجوهراته . بعضهم الآخر عرضوا جثة الميت أمام محكمة ما ليقدم حسابا عن حياته . أساء الإنسان دوما فهم المعنى الحقيقي للموت .
على أنه في الطبيعة كل ما يحيا يموت . كل عضوية حية ستنهار عندما , لسبب أو لآخر , ينكسر التوازن بين وظائفها المختلفة . إن أسباب الموت , دمار المرض أو الحادث الذي يسبب موت الفرد , محددة علميا .
إذن من وجهة النظر الإنسانية هناك موت , اختفاء الحياة , الذي هو توقف فعالية معينة في شكل معين .
لكن من وجهة النظر العامة لا وجود للموت . هناك فقط الحياة . فبعد ما نسميه بالموت تستمر ظاهرة التحول . فالأوكسجين , الهيدروجين , الغاز , و المعادن تخرج في أشكال مختلفة و ترتبط في تراكيب جديدة و تساهم في وجود عضويات حية أخرى . لا يوجد هناك موت , هناك دورة للأجساد , تعديلات على مظهر المادة و الطاقة , استمرار لا نهاية له في الوقت و المكان و الفعالية الكونية .
إن الإنسان الميت هو جثة تعود إلى الدورة في شكل ثلاثي : صلب , سائل و غازي . إنه ليس إلا هذا , و علينا أن نعتبره و نعامله على هذا الأساس .
من الواضح أن هذه الأفكار الإيجابية و العلمية لا تترك أي مكان لتأملات باكية عن الروح , الما وراء , الفراغ .
لكننا نعرف أن أهداف كل تلك الأديان التي تبشر “بالحياة المستقبلية” و “بعالم أفضل” هو أن تسبب الاستسلام أو الإذعان بين أولئك المنهوبين و المستغلين .
عوضا عن أن نركع أمام الجثث سيكون من الأفضل أن ننظم الحياة على أسس أفضل بحيث نحصل على أقصى قدر من السعادة و الرخاء منها .
ستغضب نظرياتنا أو إزدراءنا بعض الناس : هذا نفاق كامل من جانبهم . إن عبادة الموتى ليست إلا إهانة للألم الحقيقي . إن حقيقة المحافظة على حديقة صغيرة , ارتداء الملابس السوداء , أو ارتداء شارة الحداد لا تثبت صدق حزن أحدهم . هذا الأخير يجب أن يختفي بالمناسبة . يجب أن يتصرف الأفراد قبل نهائية و حتمية الموت . يجب أن نقاتل ضد المعاناة عوضا عن أن نستعرضها , أن نستعرضها في مواكب مضحكة و في تهنئات كاذبة .
هذا الذي يتبع الجنازة باحترام , و الذي قام قبل يوم من ذلك بشكل مسعور أن يجوع الميت , و ذاك الذي يندب خلف الجثة لم يفعل أي شيء ليساعده عندما كان ما يزال ممكنا إنقاذ حياته . في كل يوم ينشر المجتمع الرأسمالي الموت بتنظيمه البائس , بسبب الفقر الذي يحدثه , و بسبب نقص النظافة , بسبب الحرمان و الجهل الذي يعاني منه الإنسان . بدعم مجتمع كهذا يكون البشر هم سبب معاناتهم الخاصة , و عوضا عن العويل أمام قدرهم سيكون من الأفضل لهم أن يعملوا لتحسين ظروف وجودهم بحيث يحققوا للحياة الإنسانية أقصى ما يمكن من تطور و قوة .
كيف لنا أن نعرف الحياة إذا كان الموتى هم الذين يقودونها ؟

كيف يمكننا أن نحيا في الحاضر تحت وصاية الماضي ؟

إذا أراد الإنسان أن يعيش , فعليه أن يتوقف عن أي احترام للموتى , عليه أن يدع عبادة الجيف جانبا . إن الموتى يسدون طريق التقدم أمام الأحياء .

علينا أن نهدم الأهرامات , أكوام التراب , و القبور . علينا أن نأتي بعربات اليد إلى المقابر لنخلص البشرية مما يسمونه احترام للموتى , لكنه في الحقيقة عبادة الجيف .

* أناركي فرنسي

ترجمة : مازن كم الماز
نقلا عن www.marxists.org/archive/libertad/index.htm