الرئيسية » مقالات » سواء بقي النظام السوري حليفا لإيران أو أصبح تابعا لأمريكا

سواء بقي النظام السوري حليفا لإيران أو أصبح تابعا لأمريكا

الشعب السوري بمعناه اليومي المباشر , لا الإيديولوجي المجرد عن الواقع , لا علاقة له بتحالفات النظام الخارجية , أبعد من تحديد القوة الداعمة للنظام و الأخرى المعادية له , هذا على العكس من النظام نفسه و النخب التي تدعي أنها تتصارع معه , لأن هذا أساسي جدا عند حسم قضية استمرار النظام نفسه أو النخبة التي ستحل محله , هذا ما تريد النخب المتصارعة أن تصوره على أنه صراع على حرية السوريين العاديين أو الشعب السوري كما يعرف وفق المصطلح الدارج…هذا يشبه النقاشات التي تملأ كتب التاريخ عن المفاضلة بين مستبدين أو طغاة ..هل علينا أن نعود قليلا إلى الوراء لنرى مثلا ما النتيجة التي خرج بها المصريون البسطاء من التغيير الجذري في التحالفات الخارجية لنظام “الضباط الأحرار” , من “تحالف” عبد الناصر مع السوفييت إلى “تبعية” السادات للأمريكان , جاء الجواب على الفور في يناير كانون الثاني 1977 , و يتكرر في كل لحظة يعيشها المصريون البسطاء اليوم هي جواب فعلي على هذه الأطروحة , أطروحة تغيير النظام عن طريق تغيير تحالفاته الخارجية..أبعد من ذلك فإن أطروحة استبدال نخبة أو طغمة حاكمة بأخرى , أكثر تقدمية أو تنورا , كشكل للتغيير هي أيضا تستحق المراجعة و النقد على أقل تقدير , تاريخيا استمرت المعارضة الشيعية لعقود طويلة تنتقد السلطة الأموية لاستبدادها و لقمعها لأية معارضة بأقصى دموية ممكنة و انتهاكها للمجتمع و حتى المقدسات في سبيل الاحتفاظ بالسلطة , لكن عندما أصبح الخلفاء من سلالة آل البيت أنجب هذا النظام الحاكم بأمر الله و غيره , نماذج لا تختلف عن السلطة التي “انتقدوها” و “حاربوها” طويلا…وفق الكاتب ستيفان شالوم ( عن ز نت , Visionary Politics , 31 December 2008 ) كان الفلاحون الروس يرددون في نهاية القرن 19 و بداية القرن العشرين : فقط لو أن القيصر يعرف ! ( متوهمين أن القيصر ذا القلب الطيب لا يعرف ما يعانون ) , كان لينين يومها يقول من جهة أخرى : فقط لو أني القيصر ! و عندما أصبح لينين بمثابة القيصر الفعلي , تعامل مع الناس كقيصر معتدل فاتحا المجال أمام قيصر من وزن إيفان الرهيب , بقي الناس يرددون لبعض الوقت نفس الكلام عن ستالين حتى بريجنيف , قبل أن يردد شخص آخر , هو يلتسين هذه المرة , عبارات لينين السابقة نفسها , لتتحول روسيا “ديمقراطيا” هذه المرة , و يتغير القيصر , و يأتي قيصر جديد….سيتغير النظام دون شك , ستتغير مبررات استمراره و مفهومه السائد عن الوطن و المقاومة و حتى الحرية , و معها تحالفاته على الأرجح , لكن كل هذا فقط لصالح بشار “القيصر” الابن , بشار الديكتاتور..دول الاعتدال ليست إلا نسخ كربونية عن أنظمة الممانعة , كل شيء يتشابه بين الاثنين , أجهزة الأمن , و حتى أسمائها , تختلف أسماء السجون بالطبع لأسباب موضوعية , لكنها تتشابه تماما في حالة المساجين الذين تضمهم , و إذا استثنينا تحالفاتها الخارجية لكنا أمام وضع عربي سلطوي واحد بالفعل من المحيط إلى الخليج , الشيء الوحيد الذي يجعل من هذه ممانعة و من تلك “متنورة” أو “معتدلة” أو من زمرة أنصاف الرجال هو من يمارس مهمة المندوب السامي في هذه العاصمة أو تلك…هناك أسطورة سخيفة لا تقل سخافة عن أسطورة “لو أن القيصر يعرف !” , مفادها أن أمريكا تضغط على الأنظمة الخليجية لتغيير واقع التهميش و الاستغلال الذي تعانيه “شعوبها” أو العمالة الأجنبية التي تمثل مثالا واقعيا عن العبودية المعاصرة , في الحقيقة إن أمريكا لا تحتاج للضغط على هذه الأنظمة , فهذه الأنظمة أضعف من أن تحتاج للضغط من القوة الحامية الفعلية لها , أمريكا قادرة على أن تأمر هذه الأنظمة مباشرة كما يأمر السيد عبده , فقط قريبا أصبح باستطاعة النظام في السعودية و البحرين الاعتماد على قوى أمن محلية في مواجهة ما يسمى بالإرهابيين في السعودية أو تظاهرات المعارضة الشيعية في البحرين , ففي 1979 كان على السعودية أن تطلب مساعدة أجنبية للقضاء على مجموعة هجيمان التي اقتحمت الحرم المكي يومها…أما في مواجهة العراق سابقا و إيران اليوم فهذه الأنظمة تعتمد تماما على أمريكا , و حتى إسرائيل , كما كان الحال في مواجهة المعسكر القومجي الذي تبين في حزيران 67 أنه كان يجعجع فقط على حساب معاناة وتهميش و استغلال و نهب شعوبه بالذات….في الحقيقة لم يتغير أي شيء اليوم , كل ما هناك أن الأنظمة التي تبادلت أشنع الاتهامات طوال السنوات الماضية , توصلت إلى نقطة بدا معها أن استمرار هذا الهراء السياسي ضار بمصالحها , فلا أنظمة الممانعة تريد أن تمانع المشروع الأمريكي الإسرائيلي إذا كان هذا المشروع لا يشترط الإطاحة بها , الفلسطينيون هنا , و الجولان أيضا , مجرد وسيلة لإعطاء حالة الدفاع عن النفس ضد المشروع الأمريكي الإسرائيلي معنى يتجاوز حقيقة الصراع بين قوى سلطوية على الغنيمة , أما أنظمة الاعتدال فقد تأكد للمرة الألف عجز كل ماكينتها الإعلامية عن مواجهة غضب الشارع أمام كل مجزرة جديدة تقوم بها إسرائيل و هي لذلك بحاجة إلى الحد من خطابات الممانعة الفارغة , حتى لو كانت غبية و سلطوية و سخيفة , لأن خطاباتها ثبت أنها أكثر غباءا و أعجز عن أن تحصل على شيء من المصداقية أمام شوارعها هي بالذات….لا علاقة لا للسوريين العاديين و لا للمصريين العاديين أو الإيرانيين العاديين أو الفلسطينيين العاديين و لا حتى الأمريكان العاديين بكل ما يجري هنا من تجاذبات سياسية , هذه قضايا تخص النخب و الطغم السائدة فقط…………