الرئيسية » مقالات » انتفاضة غربي كردستان بين القانون الدولي والطغيان البعثي

انتفاضة غربي كردستان بين القانون الدولي والطغيان البعثي

دخلت انتفاضة آذار المجيدة والبطولية تاريخ الشعب الكردي في هذا الجزء من وطن الكرد،بوصفها أهم حدث وانعطافة هامة للغاية في مسيرة كفاح الكرد من أجل الحرية،الكرامة، في سبيل حقوق الانسان والديمقراطية الحقيقية بكافة المعايير والمقاييس المتداولة عالميا.ولن يكون من قبيل المبالغة إذا قلنا أن تلك الانتفاضة الجماهيرية والشاملة كانت بمثابة نقلة نوعية في نضال شعبنا الأبي ضد سياسة الإبادة والإلغاء والصهر البعثي الشوفيني التي بلغت مستويات أعلى وأشد فتكا وشهدت منحى تصاعديا بصورة خاصة بعد اعلان الفيديرالية في جنوب كردستان وتكريس مكاسب شعبنا الكبيرة وانجازاته في الدستور الاتحادي العراقي. لم تكن تلك الانتفاضة العارمة ذات طابع نخبوي أو محلي،بل اكتسبت طابعا شعبيا كرديا وجماهيريا لسببين أساسيين:
1- مشاركة كافة فئات وشرائح المجتمع الكردي المسحوقة التي كانت وما تزال عرضة لمظالم واضطهاد سلطة شوفينية،نازية وحاقدة تسعى إلى تدمير المجتمع الكردي بكافة الوسائل.
2- الطابع الكردستاني العام لها،بحيث انطلقت الشرارة الأولى من قامشلو البطلة وشملت في وقت قصير جدا عامودا ودرباسية والحسكة وعفرين وكوباني ومنطقة الغيتو الكردية في زورآفا.لقد برهنت تلك الانتفاضة وبشكل جلي أن فكرة التحرر من الاضطهاد القومي البعثي البغيض وبالرغم من كافة ألاعيب وبهلوانيات النظام الشوفيني وأزلامه من اليمين الكردي المتخاذل، بحصرها في ملعب قامشلو واكسابهاصفة استفزاز ذات طابع محلي ضيق،بيد أن الكوردايتي كانت القوة المحركة لها ودافعها الأساسي.
الجانب القانوني الدولي للإنتفاضة
دون شك، أن كل شعب أو أمة تعاني من الاضطهاد القومي أو التسلط الاستعماري الذي يهدد وجوده ويعمل على إلغاء شخصيته القومية ويخرق حقوق الانسان بصورة وحشية وسافرة كما في غربي كردستان من قبل سلطة البعث العنصرية،يكتسب نضالها العادل والشرعي من أجل التحرر والديمقراطية طابعا دوليا أيضا ويخرج من الإطار المحلي،لأن مفاهيم حقوق الانسان وحق الأمم والشعوب في تقرير مصيرها بنفسها ليست قضايا محلية صرفة،بل مسائل دولية تخص القانون الدولي ومؤسسات الشرعية الدولية وقد وردت في مجموعة من الوثائق والمعاهدات الدولية ،ونذكر منها:
1- المادة الأولى من العهد الدولي حول الحقوق المدنية والسياسية للإنسان لعام 1966والذي صادقت عليه الحكومة السورية منذ سنوات طويلة،حيث تؤكد على مايلي:آ- لكافة الشعوب الحق في تقرير مصيرها بنفسها.وبناء على هذا الحق،فهي حرة في إقامة نظامها السياسي وتأمين تطورها الإقتصادي والإجتماعي والثقافي.ب-لكافة الشعوب من أجل تحقيق أهدافها الحق في التصرف بثرواتها ومواردها الطبيعية……،لايجوز وبأي شكل من الأشكال حرمان شعب ما من وسائل معيشته التي تعود ملكيتها لهه.
2- حق تقرير المصير
دون شك أن الشعب هو أهم شخصية اعتبارية أو صاحب حق تقرير المصير من وجهة نظر القانون الدولي،وأهم الوثائق والنصوص العالمية في هذا الشأن هي:
أ- ميثاق الأمم المتحدة لعام1945: حيث ينص البند الثاني من المادة الأولى على مايلي” تطوير علاقات الصداقة بين الأمم على أساس إحترام مبدأ المساواة وحق الشعوب في تقرير مصيرها،وكذلك اتخاذ التدابير المناسبة لتوطيد السلم العالمي” من الملاحظ ان المادة المذكورة تضمنت تعبير الأمم والشعوب وليس الدول! نعرف جيدا أن سلطة البعث الديكتاتورية شطبت ومنذ زمن طويل الشعب الكردي من قائمة الأمم والشعوب ولكن هذه مسألة أخرى!فالقوانين الوضعية والدولية شيء وقرارات سلطة عنصرية غير شرعية مطلقا وحق القبضة شيء آخر.
ب- إعلان الجمعية العمومية للأمم المتحدة لعام 1960 حول منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة،الذي يمنع منعا باتا السيطرة الإستعمارية ويضعه خارج القانون،نظرا لأن حق الأمم والشعوب في تقرير مصيرها،هي من الحقوق الجماعية المعترف بها للإنسان.وهنا لابد من الإشارة إلى الإعلان المذكور [القرار رقم 1514[VX]تاريخ 14 كانون الأول.تنص المادة الأولى على الآتي:”يعداخضاع الشعوب للنيروالهيمنة الأجنبيتين، واستغلالها انكار لحقوق الإنسان،يتناقض مع ميثاق الأمم المتحدة ويعرقل تطور التعاون وإقامة السلم العالمي.وتؤكد المادة الثانية بكل وضوح:لكافة الشعوب الحق في تقرير المصير،ونتيجة لهذا الحق فهي حرة في إقامة شكل نظامها السياسي وتطورها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي”.وعدم تمتع أي شعب على وجه الأرض بهذا الحق،بما فيها الشعب الكردي في غربي كردستان، يعد من قبيل خرق حقوق الانسان بشكل فظ واستهتار بقواعد وأصول القانون الدولي،حيث شاركت تلك الدول، بما فيها سورية،التي تضطهد الكرد وتحرمهم من أبسط حقوقهم في صياغة تلك القواعد والتزمت بتطبيقها.
ت- اعلان الأمم المتحدة عن مبادئ القانون الدولي،بشأن العلاقات الودية والتعاون بين الدول وفق ميثاق المم المتحدة لعام 1970 [مبدأ المساواة وحق الشعوب في تقرير مصيرها]
ث-المبدأ الثامن من الوثيقة الختامية لمؤتمر هلسنكي عام 1975 المتعلق ب: المساواة وحق الشعوب في تقرير مصيرها
ج- أما مقدمة الاعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1948 تعطي الحق صراحة ودون تحفط للشعوب المظلومة والمضطهدة بالانتفاضة على الأوضاع القائمة والتمرد، إذا انتقصت حقوقها وعدم تمتعها بالحماية من جانب القانون حيث تقول حرفيا: ولما كان من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الانسان لكيلا يضطر المرء آخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم.
فالشعب الكردي في غربي كردستان وبعد استقلال سورية جرى هضم وسلب حقوقه القومية على مراحل وهي:
1- منع الكرد من ممارسة حقهم الطبيعي وبوصفهم القومية الثانية في البلاد من المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية وتقرير مصير االوطن بواسطة طرد ممثلي الشعب الكردي من الحكومة والدوائر الرسمية والجيش
2- القضاء على اللغة والثقافة الكرديتين بواسطة سلسلة من القوانين والمراسيم العنصرية ولاسيما في ظل هيمنة البعث الشوفيني
3- تدمير البنية التحتية للمجتمع الكردستاني والقضاء على المقومات المادية للشعب الكردي عن طريق تطبيق مشاريع عنصرية وقوانين تهدف إلى تجويع الكرد ومحاصرتهم اقتصاديا وسد سبل الحياة في وجههم مثل: الحزام العربي وقانون الاحصاء الجائر في الستينات وقانون التطهير العرقي رقم 49 لعام 2008
4- التصفية الجسدية للشعب الكردي بهدف محوه من الوجود ولاسيما أن مذابح عامودا 1960 وجريمة سجن الحسكة المركزي عام 1993 ومذبحة قامشلو في 12 و13 آذار 2004،خطف واغتيال العلامة الكردي الشيخ معشوق الخزنوي في حزيران 2005 وقتل المحمدين الثلاثة في عشية نوروز 2008 وإبادة 16 مجند كردي في جيش البعث الفاشي،ليست سوى دلائل مادية صارخة ليس على عدم حماية حقوق الكرد من قبل القوانين العنصرية والشوفينية للسلطة السورية البعثية فحسب،بل أن كافة قرارارتها ومراسيمها موجهة ضدهم حصرا لتهميشهم وبالتالي إبادتهم.
ومن هنا ان انتفاضة آذار 2004 كانت محصلة نهائية لتلك السياسة البربرية والهمجية الموجهة ضد الشعب الكردي الذي يناضل من أجل حقوقه الشرعية والواردة في تلك المواثيق والمعاهدات الآنفة الذكر.وكانت تلك الانتفاضة التاريخية ردا عمليا ورفض كامل لممارسات ونهج البعث السوري الذي يخرق كافة العهود والأصول الدولية عن حقوق الانسان،سيما إذا أخذنا بالحسبان أن الدول الأعضاء قد تعهدت بالتعاون مع الأمم المتحدة على ضمان اضطراد مراعاة حقوق الانسان والحريات الأساسية واحترامها،ولكن سلطة البعث الديكتاتورية تعمل العكس تماما وتخرق تلك الحقوق من الألف إلى الياء وتضرب بها عرض الحائط.لذا أن تلك الانتفاضة العادلة كانت ومازالت تمثل قمة الحق والعدل والشرعية وبتطابق تام مع كافة بنود ومواثيق القانون الدولي العام،لأنها كانت موجهة ضد البطش والعدوان وعمليات الاقتلاع والإبادة الجماعية وهذا ما يحظره القانون الدولي بشكل مطلق.سوف يبقى شهداء انتفاضة آذار أحياء في ذاكرة شعب كردستان و مشاعل نور تنير الدرب للأجيال الكردية الحاضرة والمقبلة في المعركة الفاصلة من أجل الحرية.

*د.آلان قادر حقوقي- متخصص في القانون الدولي- رئيس الجمعية الكردية للدفاع عن حقوق الانسان في النمسا- آذار 2009