الرئيسية » مقالات » حرب وسجن ورحيل- 17

حرب وسجن ورحيل- 17

النظام الصدامي مغرم بتهجير الأنسان عن وطنه بدون وجه حق ولغاياته الخاصه التي كان يتصورها بأنها ستقوي نظامه وتمنحه الشهره في الوطن العربي حتى يقال عنه أنه المدافع الحقيقي عن القومية العربيه فمثلما هجر الآلاف من العوائل الكردية الفيليه عن وطنها العراق ظلما وعدوانا بانتزاعها من أرضها وأرض آياءها وأجدادها اتبع نفس الأسلوب في تهجيره للمئات من العرب الأهوازيين في منطقة خوزستان ألى العراق !!عندما استولى الجيش العراقي على معظم تلك المنطقه بحجة تخليصهم من (العدو الفارسي) وكان أغلبهم من المزارعين وقد أسكنهم النظام في منطقة ( الدجيلي ) وقد سمعت من أحد البعثيين وهو يقول ( أن السيد الرئيس صدام حسين عبقري وفذ من الطراز الأول فهو يضرب دائما عصفورين بحجر ففي الوقت الذي خلص العراق من بقايا النظام الفارسي ويقصد ( الكرد الفيليين ) خلص العرب الأهوازيين من العيش تحت حكم الخميني وبذالك ضرب عصفورين بحجر!! وأن هؤلاء الأهوازيين سيكونون النواة الحقيقيه لتحرير منطقة عربستان لأنهم سيكونون بعثيين عقائديين حقيقيين!!). لقد أدخل هؤلاء المساكين الذين جيئ بهم في السيارات العسكرية قسرا وانتزعوا من بيوتهم وأراضيهم وهم في حالة يرثى لها وتم تنظيمهم حزبيا بالأكراه لكي يزداد عدد البعثيين حتى تتحقق الوحدة العربية على أيديهم وأكثرهم من الأميين الذين لايقرأون ولا يكتبون حيث قرر النظام البعثي على تعليمهم أهداف حزب البعث والتي هي الوحدة والحرية والأشتراكية!! ومن حسن الصدف أن التقي بالبعض منهم عندما كانوا يأتون ألى مدينة الكوت للتسوق وبعد عدة لقاءات معهم بعد أن اطمئنوا تماما مني حكوا لي قصصا رهيبة عن فضائع القوات العراقية
في مناطقهم حيث تم اغتصاب النساء العربيات ودفنهن وتم الأستيلاء على السفن والبواخر المحملة بالبضائع التي كانت موجودة في ميناء المحمره والذي يسمونه (خرمشهر ) وبعدها سموه ( خونين شهر ) أي مدينة الدم عنما استولى عليها الجيش العراقي واتبع سياسة الأرض المحروقة فيها ولم يفرق الجيش العراقي بين عربي وفارسي فالجميع كانوا تحت ضرب مدفعيته وطائراته وصواريخه التي لم ترحم أحداوسبيت المدينة حتى الخيول والأبقار والأغنام تم شحنها بسيارات الزيل العسكرية ألى داخل العراق ولم يبق شيئ في المخازن والمصانع وكلها نقلت ألى العراق . أما هؤلاء الناس البسطاء فقد نقلوا مثلما تنقل البضائع دون استشارتهم وأخذ رأيهم كما أسلفت بحجة أنهم عرب وأن العراق يجب أن يكون للعرب فقط حسب نظرية ميشيل عفلق. وقد كان هؤلاء المساكين في غاية البؤس والتذمر والشقاء نتيجة هذا العمل البعيد كل البعد عن القيم والأخلاق العربية التي طالما تمشدق بها النظام البعثي وبنى نظريته عليها وقد قالوا لي بأنهم سجناء هنا ويعيشون في قاعات أشبه بالمعسكر ولديهم في اليوم عدة ساعات للخروج والعودة في الوقت المحدد لهم وقد أخذ النظام يعين لهم مسؤولين بعثيين لتنظيمهم وقد كان لبعضهم أبناء يدرسون في الجامعات الغربيه وهم لايعرفون ماذا حل بهم . أن الأمانة تتطلب مني أن أدون الحقائق كما سمعتها والله لقد أجمعوا على حبهم وتعلقهم بدولتهم أيران ولن يضطهدهم أحد في مناطقهم وأنهم يمتلكون أراض زراعية ومواشي كثيره اغتصبها منهم الجيش العراقي ولو قالوا غير ذلك لذكرته وكانوا يتحينون الفرص للهروب والرجوع ألى مناطقهم بعد أن تضع الحرب أوزارها ومن حسن حظ أهل محافظة واسط أن كيلوالرقي في ذلك الوقت أصبح بخمسة فلوس والفضل يعود للأهوازيين لأنهم كانوا مزارعين من الدرجة الأولى فزرعوه في منطقة الدجيلي الخصبه بكميات كبيره واستمر الحال هكذا ألى أن حدثت حرب الخليج الثانيه وعندما هزم الجيش العراقي في أم المهالك هرب جميع هؤلاء ألى مناطقهم في أيران مستغلين الفوضى العارمة التي حدثت في العراق جراء تلك الهزيمة الكبرى التي مني بها الجيش العراقي .
(رجال المهمات الخاصه!!)
من يقرأ هذا العنوان يتصور أن هؤلاء (الرجال ) هم على درجة عالية من التدريب والقدرة على القيام بأعمال خارقة في الحرب حتى يحققوا النصر الحاسم في الحرب ولكن الحقيقة هي غير ذلك تماما . لقد كان هؤلاء الذين شكل منهم النظام العراقي ألوية خاصة أثناء الحرب ينتزعون من المدارس المتوسطة والثانوية عن طريق الأجهزة الحزبية والأمنية والمخابراتيه بالتهديد تارة وبالوعيد تارة أخرى مستغلين الفقر المدقع الذي يعيشه هؤلاء الطلاب وعدم تمكن عوائلهم من تسديد نفقات الدراسة لهم وكانت معظم أمهات هؤلاء الطلاب هن من الأرامل اللواتي توفي أزواجهن في الحرب بما يسمى ( الجيش الشعبي ) حيث لاينظر ألى عمر الأنسان أثناء زجه في ذلك (الجيش ) وقد غنى المغني صلاح عبد الغفور أغنيته المعروفه ( تقدم واحنه وياك اثنين جيشين لصدام حسين) ويقصد الجيش النظامي والجيش الشعبي وكأن هؤلاء قدخلقهم الله لكي يسوقهم شخص مثل صدام للحرب ويقضي عليهم ويحرم الوطن من كفاءاتهم المستقبليه. لقد كان هؤلاء الطلاب يوعدون بمختلف الوعود ( بعد الأنتصار ) حيث سيمنحون قطع الأراضي وأنواط الشجاعة وتحتسب الخدمة في الجيش كالدوام في المدرسة وحتى الجامعة وكان عامل الخوف والضعف المادي والأحلام المستقبليه كلها قد تجمعت في نفوس هؤلاء الطلاب . وكان ذلك العمل المشين الذي كان يتبعه النظام الصدامي يخالف كل القوانين الشرعية في العالم وهو انتزاع الطالب من مقعد الدراسه وزجه في الحرب تحقيقا لمآرب النظام الجهنمية. ولن أنسى أولئك الطلاب الذين كانوا في عمر الورود حيث لم يبلغوا الثامنة عشره وأتذكركيف كانت جثثهم تترى على أمهاتهم الثكالى اللواتي كان عويلهن وصراخهن يشق عنان السماء لكن النظام الدموي وأجهزته القمعية كان لايبالي بكل مايحدث وكانت أجهزته الدعائية مشغولة بابتكار الأغاني الراقصة التي تمجد القائد الضرورة وقادسيته السوداء حيث صار عددها بالمئات.
لقد أصبح أولئك الطلاب الأبرياء حطبا لتلك القادسية المشؤومة وأتذكر وجوههم وأسماءهم حتى هذه اللحظه وكان من المؤكد أن يتحول أولئك الطلاب ألى كوادر علمية وثقافية تنهض بالعراق وتساعد على تقدمه وازدهاره ولكن ماكل مايتمنى المرء يدركه فقد كان نداء الحرب والهلاك فيها فوق كل اعتبار. فهل ينسى التأريخ والمخلصون من أبناء العراق تلك الجرائم التي لايمكن حصرها بحق الشعب العراقي ؟ وهل يتغاضى المؤرخون الشرفاء والمنصفون تلك الأحداث الرهيبة والموجعة والكارثية ؟
أن كل هذا متروك لضمائرهم الحيه التي لايمكنها أن تتجاهل ماحدث في الوطن طيلة فترة الحكم البعثي الصدامي الدموي الأسود
أشتد أوار الحرب وبلغت غاية شدتها عام 1984- 1985 وكلما كان يشتد أوار تلك الحرب كان النظام الصدامي وأجهزته القمعيه يزدادون وحشية وأمعانا في الظلم والتعسف تحت شعار ( كل شيئ من أجل المعركه ) و( لاصوت يعلو فوق صوت المعركه ) تلك الشعارات المدمرة للوطن وأرواح ابناءه وثروته الضخمة كانت تلك الشعارات بمثابة الكابوس المسلط على رؤوس العراقيين وصدورهم وأحالت حياتهم جحيما على جحيم وكانت عمليات أعدام الرافضين لتلك الحرب مستمرة على قدم وساق دون توقف وقد لجأ النظام ألى معاقبة والدي كل من هرب من الجيش والأشتراك في الحرب ولم يتم ألقاء القبض عليه وكنت وزوجتي من ضحايا ذلك القرار الظالم الذي أمر النظام بتطبيقه في الحرب حيث يعتقل الأب والأم ألى أن يأتي ابنهم ويسلم نفسه للسلطات البعثية حينذاك فقط يطلق سراح الأب والأم وقد مات العديد من هؤلاء الآباء والأمهات المساكين في تلك السجون المظلمة التي تتنافى وقيمة الأنسان نتيجة لكبر سنهم وللأمراض المزمنة التي كانوا يعانونها وكانت لاقيمة لها ولا تشفع لهم أمام جبروت النظام الصدامي وطغيانه وهذا الذي حدث سأذكره في الحلقة القادمه.
جعفر المهاجر – السويد.