الرئيسية » مقالات » هزيمة قوى الديمقراطية العراقيةومسؤولية الشيوعيين

هزيمة قوى الديمقراطية العراقيةومسؤولية الشيوعيين

كنت في قلب معمعة انتخابات مجالس المحافظات، مشاركا ومراقبا ومعلقا إعلاميا، وكنت على مقربة من (وقل شاهدا على) دوائر الصراع الشرس الذي رافق التنافس الانتخابي، بين الكيانات، وفي داخلها، وفي مجرى تحولات الراي العام، والاستقطابات بين الزعامات السياسية، واستدركُ القول: انني لا اعد هذا امتيازا على غيري ممن تابع وعرف وكتب، كما لا ازعم باني كنت اعرف جميع معلومات الكواليس، وخفايا الصفقات، واعترف اني لم اكن لاقدر تقديرا كافيا خارطة خارطة النتائج او اتنبأ بحظوظ اللاعبين في ساحة التنافس، ولو اني اعطيت مؤشرات عامة (في سلسلة مقالاتي بالاتحاد) كانت متطابقة مع هذه النتائج، وكنت على سبيل المثال قد اكدت على ان تشتت قوى الديمقراطية على طيف واسع من القوائم سيحول دون ان تصبح قوة مؤثرة في المعادلة السياسية لما قبل انتخابات النيابية بعد حوالي عام.
فضلا عن ذلك، فقد كنت مشاركا في إعلام (ومتعاطفا مع) حملات قوى الديمقراطية وقوائمها وشخصياتها، وبخاصة قائمة (مدنيون) والحزب الشيوعي امتدادا في التأييد والمتابعة الى قوائم مثال الالوسي واخاء الموصل والتحالف الكردستاني والبراك والى الكثير من الديمقراطيين المستقلين المرشحين على قوائم اخرى، مثل العراقية والكفاءات والمؤتمر الوطني والدستوري والكوادر المستقلة، وغيرها.
وإذ تلزم الموضوعية تسمية الاشياء باسمائها الحقيقية فان نتائج انتخابات مجالس المحافظات سجلت هزيمة واضحة، بكل المعاني لقوى الديمقراطية وتركت في الشارع الديمقراطي إحباطات بائنة لا يلطّف من صورتها المؤسفة ما يقال عن ظلم القاسم الانتخابي الذي لم يسمح لمن حصل على ما معدله 2 بالمائة من الاصوات للوصول الى المجالس، كما لن يلطّف من عبارة الهزيمة الكم الهائل من التجاوزات التي رافقت السباق الانتخابي والفرص الاعلامية والدعائية الاسطورية التي كانت تحت خدمة احزاب (الاكثرية) التي تتقاسم السلطة الفعلية وبعض جماعات خارجة من عباءة الحكم وهمشت من خزائنه وامتيازاته، وجماعات اخرى فُتحت لها خطوط تمويل خارجية لتتحول الى فضائيات واذاعات تبث على مدار الساعة.
اقول، الهزيمة لا اسم آخر لها حين يقف المحلل حيال الحقيقة التالية: ان قوى الديمقراطية بقوائمها المختلفة وشخصياتها لم تعبر(منفردة) حاجز الاثنين بالمائة، وقد هدرت اكثر من مليون صوت واضاعت فرصة ثمينة في استثمار تراجع الشانتاج الطائفي، وتدهور سمعة التحزب الديني والشرائح التي التي ادارت دفة الاعمار والفساد، وكان التدبير الوحيد والعملي الذي سيحسن من مواقعها هو ائتلاف كبير يتسع لجميع الديمقراطيين او غالبية عناوينهم ، وكنت اجيب عن استفسار لداعية ديمقراطية صديق يقيم في الخارج عن امكانيات توحيد قوى التيار الديمقراطي في تحالف واسع، كتبت له بالنص:”ان اجواء الاستقطاب لا تسمح في الدعوة الى مثل هذا التحالف قبل الانتخابات، لكن مثل هذه الدعوة ستطرح بالتاكيد بعد الانتخابات حين يحل الخذلان بالجميع”.
الغريب انه في اجواء الاستقطاب والانخراط في الحملة الانتخابية لم تظهر، لا من الاحزاب والفئات ولا من الشخصيات الديمقراطية النافذة اية دعوة او مناشدة او اطروحة جدية وعملية ومنهجية لجهة توحيد قوى الديمقراطية في قائمة واحدة، وبقيت اوهام الفوز والريبة وتصغير البعض ونعرات الوصاية والاختلافات الهامشية سيدة الموقف.. لشديد الاسف.
***

لا يصح طبعا، (وهذا امر مهم) ان تستخدم عيوب انتخابات مجالس المحافظات في دس هزيمة قوى الديمقراطية تحت البساط، او اختزالها الى شكاوى وتظلمات، وبمعنى آخر، ليس من نفع في تضخيم العلل الخارجية(قانون الانتخاب. التجاوزات) لهذه الهزيمة وتبسيط العلل الداخلية ذات الصلة بادارات الحملة وسياساتها وبتشتت قوى الديمقراطية واجواء الريبة بين اطيافها، ولا يصح ان تكون مدعاة للرضى عن النفس، باعتبار ان الظروف كانت اصعب، وان الاموال كانت اقوى.
السؤال الذي هتف في خاطر جميع المراقبين الموضوعيين منذ الساعات الاولى لاعلان النتائج هو: لماذا بقيت قوى الديمقراطية وائتلافها الوحيد (مدنيون) تتحرك في وسط مديني متعلم ولم تستطع الوصول الى(وكسب) القوى التصويتية الشعبية الغفيرة الحاسمة والمؤثرة في صناديق الاقتراع وهي الملايين من ابناء الريف (وامتدادهم في المدن) ومن جمهور واتباع (وموالي)الطوائف والعشائر، والمهمشين والنساء والشباب الذين كانوا ميدانا مفتوحا لنشاط وتضليل ورشى وتخويف وارهاب قوائم موسرة ومتنفذة واخرى متطرفة وقبلية وحتى قريبة من فلول النظام السابق؟.
ومرة اخرى لا ينبغي مرمطة هذا السؤال وإذلاله باعتباره متسولا على باب اغنياء بخلاء كانوا قد ظنوا عليه بفتات بائسة من الاصوات، بل المطلوب مراجعة شجاعة في مستويين، الاول، مسؤولية النفس عن الهزيمة، والثاني، مسؤولية المجموع عن التشتت والتشرذم. وفي كل الاحوال فان ثمة حاجة ماسة استباقية للقول في محاولة سريعة (قد نعود اليها) لتشريح الوسط الذي اعطى اصواته الى مرشحي قوى الديمقراطية بان ثمة خميرة شعبية من متنوري المدن وطلائع من الشباب والنساء ونخب المثقفين قد سجلوا انفسهم على معسكر الديمقراطية وصوتوا لقوائم وشخصيات من انصار هذا المعسكر.
وتفترض الامانة القول ان الحزب الشيوعي العراقي كان الابرز والاكثر ثقلا في هذا الطيف، واحسب (وعلى مسؤوليتي) انه خاض هذه الانتخابات بكل نٌبل وفروسية وكفاية اعلامية ودعائية، وقدم نشطاء الحزب وانصاره امثلة رائدة في ترجمة قيم التنافس الديمقراطي الى الواقع بالرغم من امكانياته المادية البسيطة وهوامش حركته المحدودة ، ومما له مغزى هنا، ان لافتات وملصقات الحزب وبعض فعالياته الدعائية كانت موضع احترام المتنافسين ولم تتعرض، كما تعرضت غالبية ملصقات القوائم المتنافسة، الى التمزيق والتعدي والمخاشنة، ويحتمل الامر تفسيران، الاول ان قائمة الحزب وحلفائه لم تهدد حظوظ الاحزاب المتنفذة في الفوز ولم يتضح انها تقضم من نفوذ واصوات تلك القوائم، والثاني، انها لم تستخدم شعارات مثيرة او استفزازية او انتقادية او تحريضية، وربما كان التفسيران، معا، واردان بنسب متفاوتة.
ومن زاوية معينة تبرز الحقيقة التالية: ان مسؤولية تسبيب الهزيمة (والحيلوله دون تكرارها) تقع، في المقام الاول على عاتق كل من تعز عليه قضية الديمقراطية في العراق ولا ينبغي إغلاق باب المناقشة الموضوعية حيال ذلك عند حد باستثناء حدود التشهير وتصفيات الحساب، وتقع، في المقام الثاني على عاتق الحزب الشيوعي.. وسنضع نقاطا على هذا الطريق.
***

لا شك ان الانظار تتجه الى الحزب الشيوعي العراقي لمعرفة رأيه في ما يعتبر اخفاقا ثقيلا تعرض له في انتخابات مجالس المحافظات، وبانتظار هذا الرأي الجرئ والمقنع والمؤول والصريح فانه لا يصح التشكيك بنيات الاصوات التي تدعو الى المراجعة والتغيير والاصلاح(وحتى الى مؤتمر جديد) باستثناء(اولا) تلك الاصوات التي تنطلق من تصفيات حسابات سياسية وكيدية باتت معروفة لمن تابع تاريخ الحزب ودوره في الحياة السياسية و(ثانيا) المطالبين بالتغيير من اجل التغيير.

على ان هذه المقدمة بحاجة الى بعض التأشيرات:

ففي الاخفاقات السياسية تبادر الاحزاب الى مراجعة ادواتها وسياساتها وكفاءة قياداتها وكوادرها، ويهدد هذه المراجعة عادة خطران: ان تكون شكلية لا تمس جوهر اسباب الاخفاق، وان لا يجري الاعتراف بالاخفاق اصلا، فتنتفي الحاجة الى المراجعة.

وبديهي، ومن الضروري، ان تستقيم المراجعة على منهج بائن وان تسفر عن تغييرات(اجراءات اصلاحية جذرية وملموسة) تعزز من ارادة العمل لكسب الجولة المقبلة، وبقدر اشاعة جو الصراحة والنقد (وممارسة النقد الذاتي) فان الاحزاب تقترب من عبور الاثار السايكولوجية والسياسية للهزيمة، حتى لو تطلب الامر تغييرات(وحتى تشطيبات) في المواقع والشعارات، ففي ذلك، إذا ما تم وفق ضوابط الديمقراطية الداخلية (وليس بالتآمر او بالانقلابات أو الانشقاقات العقيمة) قوة اضافية للاحزاب ولهيبتها السياسية.

لا شك ان بيد الحزب الشيوعي خميرة من النشطاء والمناصرين، وهي مستعدة لحمايته وملتصقة بمسيرته، ومن اللافت انها لا تملك، الآن، اجابة شافيةعلى سؤال محرج لا مفرّ منه: كيف لحزب سياسي دخل عامه الخامس والسبعين ولعب دورا كبيرا في تاريخ العراق السياسي وتسيّد الشارع لسنوات عاصفة، وعمّد اسمه وسمعته بالوف الشهداء وبالكفاح المسلح ضد الدكتاتورية ان يتخلف امام صناديق الانتخابات الى حد ان احزابا فتية وتجمعات بلا هوية وزعامات لا تملك غير اسمائها وتشكيلات جرى تلفيقها على عجالة تجاوزته في عدد الاصوات؟. اقول: كيف؟.

وإذ تتسع الدعوات للمراجعة والتغيير والتدقيق والتقويم (في مجال القيادات والسياسة والاداء) فان التضايق والتبرم والريبة حيال ذلك لا يعني إلا شيئا واحدا هو العجز عن الارتقاء بالعمل الميداني الى المستوى المطلوب.

واحسب(وهذا رأي شخصي) ان سياسة الحزب الشيوعي العراقي، في عمومها (اقول في عمومها) واقعية وسليمة وتأخذ بالاعتبار حقائق المرحلة واملاءاتها، لكن هذا، حسبي، لا يكفي لكي تجني هذه السياسة مكاسب تُذكر، ففي علم السياسة ثمة حقيقة معروفة تفيد ما يلي: ليس دائما السياسة الصحيحة تقود الى نتائج ايجابية فان المشكلة هنا تتوقف، اولا، على البشر الذين ينفذون تلك السياسة، واستيعابهم لها، وقدرتهم على معرفة الواقع والتحولات الجارية في صفوف المجتمع والرأي العام بما فيها الهواجس، وثانيا، على الاساليب التي يجري توظيفها في خدمة التصورات السياسية السليمة.

على ان سؤال التغيير والمراجعة، لا يخص الحزب الشيوعي العراقي وحده، بل – اذا شئنا الدقة- يخص جميع الاحزاب التي يهمها الانضمام الى المستقبل، في وقت تشق الملايين، وإنْ ببطء، عصا الطاعة على الاطر والشعارات والتكايا البالية.
ـــــــــــــــــ

كلام مفيد:

” جوهر الإدارة هو قوة التنبؤ قبل حدوث الأشياء ”

هنري فابول