الرئيسية » مقالات » ( هل هجرة الشيوعيون العراقيون الى الغرب الرأسمالي … هزيمة فكرية ام ماذا ؟!)

( هل هجرة الشيوعيون العراقيون الى الغرب الرأسمالي … هزيمة فكرية ام ماذا ؟!)

كان الشيوعيون العراقيون منذ تأسيس حزبهم ( الحزب الشيوعي العراقي ) في 31 – 3 – 1934 يحلمون ( بوطن حر وشعب سعيد ) هذا الشعار الذي لايضاهي جماله الا جماله …. لكن مع الاسف وضع للزينة على الرف وخاض مناضلوا هذا الحزب كفاحا نضاليا مسلحا وسياسيا وفكريا مريرا وكبيرا وقدموا الشهداء قربانا على طريق مبادئهم وعقيدتهم واهدافهم التي كانوا يؤمنون بها حيث كانت في حياة حزبهم مراحل ومنعطفات مفصلية ومحورية بالغة الاهمية والخطورة والتعقيد منذ تأسيسه لغاية اليوم … حيث تعرض هذا الحزب الى سلسلة من التصفيات الجسدية والفكرية والتنظيمية والاضطهاد والتنكيل والاعتقال والملاحقة والاعدام والموت على يد كل انظمة الحكم المتعاقبة المتعفنة على العراق اضافة لحصول انقسام وانشقاق داخلي فكري وتنظيمي خطير فيه ..

اهم المراحل المفصلية في مسيرته بسطور :
—————————————-
تم اعتقال اغلب مؤسسي وقادة الحزب وكوادره واعضائه في العهد الملكي وزج بهم في السجون واعدم مؤسسه واغلب قادته سنة 1949 … وبعد ثورة 1958 لم يمضي فترة عليها حتى دارت ظهرها عليهم وزجت قسم كبير منهم في السجون والمعتقلات … وبعد انقلاب شباط الاسود الدامي للبعث في 8 شباط 1963 تعرض الحزب الى تصفية دموية بشعة حيث ثم تصفية واذابة اغلب قادته وكوادره واعضائه في احواض التيزاب ( حامض النتريك المركز ) … وفي عام 1966حصل فيه انشقاق فكري وتنظيمي …

بعد انقلاب تموز 1968 ….اضطهد الحزب فكريا وتنظيميا بشكل تعسفي غير مسبوق وتم تصفية الكثير من قادته وكوادره … اضطر الحزب الدخول في جبهة مع البعث عام 1973 … كانت اهم اخطائه حيث كشفت اوراقه وخطوطه التنظيمية بدقة لاجهزة الامن الفاشية … وتم اختراقه امنيا وتنظيميا وخلال عام 1977 – 1979 تعرض الى ابشع حملة للتصفية والاعتقال .. كانت بمثابة رصاصة الرحمة الاخيرة التي اطلقت على هيكل الجبهة المشلول اصلا … وبعدها التحق اغلب قادة وكوادر ومناضلي الحزب الى جبال كردستان لخوض الكفاح المسلح ضد نظام صدام بالانخراط في صفوف ثوار الانصار وهى منظمة تابعة للحزب ….او الهجرة خارج العراق …

بعدها حصلت الحرب العراقية الايرانية 1980 – 1988 ومارافقها من تداعيات …. ثم غزا صدام الكويت 1990-1991 ومارافقها من حرب مدمرة وحصار اقتصادي بشع … لغاية سقوط الصنم في 2003 هذه صورة مختصرة عن اغلب الاحداث المهمة والرئيسية والمفصلية التي رافقت مسيرة الحزب المذكور وكانت له تأثير كبير على الحياة الداخلية للحزب والحياة الفكرية والشخصية لمناضليه ….وبسبب هذه التعقيدات والتحديات والحروب هاجر ولجأ الكثير منهم الى خارج العراق …

الصراع الفكري واستمرار هجرتهم :
————————
الاتحاد السوفيتي ودول المنظومة الاشتراكية سابقا كانت الملاذ الامن والحاضنة الدافئة والسند القوي لحركات التحرر العالمية والاحزاب الشيوعية في العالم فكان الكثير من القادة والكوادر والاعضاء المؤيدين لهذه الحركات والاحزاب ينهلون فكريا وعلميا وتنظيميا في مدارسهم الحزبية والاكاديمية يلتحقون بها للدراسة والتطوبر والدورات هذا من جهة ومن جهة اخرى للهروب من الاعتقال والموت والاضطهاد والبطش في اوطانهم … لكن تجربة هذه الدول في التطبيق الاشتراكي على الارض فشلت … بسبب الفساد والبيروقراطية والتعسف والجمود العقائدي وغيرها … حيث انهارت مثل مستطيلات الدومينو الواحدة تلوى الاخرى … هذا قد احرج الشيوعين العراقيين واصدقائهم الموجودين على اراضيها فكريا ونفسيا وتنظيميا …. اضافة لتعرضهم الى مضايقات مختلفة من السلطات الجديدة والمجتمع الساخط والغاضب على الشيوعية …

مما اضطر الكثير منهم الموجودين في هذه الدول التفكير باللجوء الى الغرب الرأسمالي … وبدأ صراع فكري ونفسي وشخصي وتاريخي حول صحة وصواب النظرية الماركسية – اللينينية نظريا وسياسيا واقتصاديا ومدى ملائمتها للحياة … وهل الخلل في النظرية ام في التطبيق ؟ وامتنع الكثير من الشيوعيين اللجوء والهجرة الى الغرب … لقناعتهم بان ذلك هزيمة فكرية وشخصية … لايمانهم بان الزمن الردئ الذي تسيد فيه الحثالات والسفالات على المواقع المهمة في الحياة المليئة بالحفر والمطبات مؤقت وان عثرات الزمن الكثيرة واسقاطاتها … لن تعرقل المسيرة والايمان والنضال والانتماء الفكري والعقائدي …..

في التربية الثقافية والحزبية والفكرية للحزب الشيوعي العراقي لاعضائه وكوادره ومؤيديه كانت التوعية بأتجاه عيوب ومثالب واخطاء وسلبيات ونواقص النظام الرأسمالي العالمي … وان هذا النظام لا مستقبل له لانه يستغل الانسان ويسلبه انسانيته ويسرقه قوته في فائض القيمة … ويفتقر الى الديمقراطية والشفافية وضعف التوزيع الاشتراكي للثروة القومية بعدالة ومساواة الى الشعب وغيرها من السلبيات … وان النظام الاشتراكي العلمي هو البديل والحل المناسب … وان النظام الراسمالي سوف يتطور ويتحول الى نظام اشتراكي مستقبلا وفق مفهوم النظرية الماركسية التي بموجبها يضمحل ويتحلل تدريجيا ويتطور الى مراحل اللبنة الاولى للبناء الاشتراكي … في ظل هذه الثقافة والفكر تعلم ونهل الشيوعيين العراقيين الكثير خلال نضالهم السياسي والفكري والتنظيمي وهم فرحون ومقتنعون ومؤمنون …. ولكن ثم لكن …

لذلك فأن لجؤهم الى الغرب هو نوع من التناقض والازدواجية الفكرية في النظرية والتطبيق حيث اصيب اغلبهم بخواء وقلق فكري وعقائدي ونفسي وشخصي … واصبحوا مثل تماثيل صماء فقدت كل مشاعر واحاسيس الثورية والوطنية والاممية والقومية والانسانية مؤقتا من هول الصدمة والازمة …. حيث تحولت الى مشاعر المرارة وغيظ متراكم ومكبوت وسخط تجاه فكرهم وحزبهم وتجربة دول المنظومة الاشتراكية ونظريتهم الماركسية اللينينية ….

تجاهل او انسى اغلب الشيوعيون العراقيون وليس جميعهم … الذين لجأوا الى متاهات الغرب الرأسمالي فكرهم ونضالهم مضطرين او مقتنعين … واضعين رؤوسهم في الرمال بالتقهقر والانهزام الفكري والتنظيمي والعقائدي لكنهم ابوا … الخنوع والخضوع والاستسلام لقوي الظلام وانظمة الصفيح الساخن والتيزاب والارهاب والقهر حيث كانوا امام خيارين لاثالث … احلاهما مر علقما … اما الموت الزؤام والاعتقال في الوطن او القبول والعيش في النظام الرأسمالي وقبول التناقض والازدواجية … واستمر اغلبهم بالمحافظة على مكارم الاخلاق والكرامة والكبرياء والعزة والرفعة والتواضع والسمو والثقافة … وجذورهم مغروسة في وطنهم العراق … ناضلوا حتى في المهجر من اجل العراق وشعبه المظلوم لحين سقوط النظام في 2003 ….

وفي نفس الوقت شعر بعض الشيوعيون بالنقص والاحباط وفقدان الهيبة وانحناء الرأس امام الاعداء والاصدقاء بسبب هذا التناقض والازدواجية الفكرية والتداخل وقسم منهم تمرض وتمرد على هذا الواقع وانزوى بعيدا ليموت بطيئا بكرامة وكبرياء وسط بقايا عقيدته الفكرية وانسجاما معها التي يشمخ بها وابى الهجرة الى الغرب الرأسمالي …في محاولة للتمسك بالمبادىء والتاريخ والمثاليات التي لا تشبع ولا تروي من ظمأ …

واليوم وبعد ان ضربت الازمة الاقتصادية والمالية النظام الرأسمالي في الغرب بسبب غياب المنطق الاصولي والاخلاقي في التخطيط والتوجيه والتعامل والتنفيذ اضافة للغطرسة المادية الانانية للوصولية الرأسمالية …. والحروب والفساد المالي والاداري … تنفس الشيوعيون الصعداء وحيث بدأ الحديث عن صحة وصواب النظرية الماركسية اللينينية وقوانينها الاقتصادية والفلسفية واستنتاجاتها وفشل النظام الرأسمالي لتمني النفس واعادة التوازن الى نفسيتهم المتعبة بسبب الارهاصات والتناقضات الفكرية التي افرزتها تجارب حزبهم والاحزاب الشيوعية الاخرى وفشل تجارب البناء الاشتراكي ….

بعد سقوط الصنم عام 2003 تسلل الى واقع المجتمع العراقي سلالات دينية مذهبية عبر مسالك الجهل والتخلف والتضليل والخداع وفشل التجارب الاشتراكية … لتدمير الثقافة الوطنية والعلمية وتغيب العلم والمعرفة لمعاداة الفكر الاشتراكي العلمي والانساني … خدمة لاهدافها الضيقة مما اثخنى جراح وعزلة ومعاناة الشيوعيون في الداخل … واستمر اغلبهم بنضالهم رغم غدر الزمان … يحملون قناديل المحبة والسلام والامل لشعبنا العراقي …ويشاهدون يوميا على الارض انحسار دور ومكانة حزبهم جماهيريا وتنظيميا واهدافه واحلامه تتقهقر امام انظارهم … بسبب الظروف الذاتية والمحلية والاقليمية والدولية لسنا بصددها الان …

اغلب الشيوعيون في جوهرهم واعماقهم كانوا ولايزالوا يحملون ويحلمون بشفاء الاجزاء المريضة والمتداعية من الحزب شفاء الجسد النضالي الواحد الا ان الحزب استمر في اخفاقاته حتى بعد 2003 خاصة في انتخابات البرلمان الفيدرالي عام 2005 وانتخابات مجالس المحافظات الاخيرة 2009 …ومهما قال المكتب السياسي للحزب من مبررات لاسباب الفشل لكنها غير مقنعة ومقبولة … هذه المؤشرات تكفي لتوضيح جذورالحقيقة لكي لاتبقى محبوسة في قفص الزمن الذي تضيق بداخله الحقائق والوقائع لان الزمن كفيل بكشفها تباعا لانهم عنيدون وشجعان لايساومون ولايخشون احد ويحبون الحياة حالمين … بسماع الحان حزبهم وفكرهم ونضالهم … الموضوع معروض للمناقشة والحوار الهادىء والرأي الاخر ….

الحكمة :
———–
( ما اصعب اضطرار الانسان لتغير بعض مبادئه وعقيدته … لتسير الحياة )

مشيكان