الرئيسية » مقالات » وجيهة الحويدر، كفاح من اجل ذلك القنديل

وجيهة الحويدر، كفاح من اجل ذلك القنديل

هل تعتقد ان المرأة تستيطيع قيادة السيارة ام لا؟ سؤال يضرم جدلا منذ ربع قرن في السعودية دون جدوى، فالمؤسسة الدينية، المتنفذة في المملكة ماتزال تجد المرأة السعودية ناقصة عقل لكي تستطيع قيادة المركوب. وهذه فكرة تراثية موروثة من صدر الاسلام. وتعتقد هذه المؤسسة ايضا ان المرأة لا يجب ان تتمتع بحق فتح حساب مصرفي، بحجج دينية، رغم ان المصارف لم تعرف في السعودية الا من بضعة عقود، كما تمنع المرأة من السفر دون ذكر، ومن حق ركوب سيارة الاجرة، لانها “خلوة غير شرعية” مع السائق، بل وتتعداه العقلية الدينية المتحجرة الى سجن الكثير من النساء السعوديات في بيوتهن تيمنا باحدى الايات القرانية (1).

ومع الاضطراد المستمر في التكنلوجيا الحديثة التي تكتسح المملكة اكثر من غيرها باعتبارها من الاسواق الناشطة، ومع الاستخدام المتزايد لوسائل الاتصالات كالتلفزيون الفضائي، الانترنيت، كاميرات المحمول، ورخص تذاكر السفر، اخذ المجتمع السعودي يعي الهوة المتعاضمة بين ما هو داخل المملكة وما هو خارجها، للحد الذي بدأ يعاني اليوم من هزة قيمية تهدد منظومة القوانين الاجتماعية بالانفراط.

من تجليات هذه الهزة الاجتماعية هو اللجوء للتطرف والارهاب الديني لدى البعض، او الانحلال الخلقي لدى الاخر، وفي كلتا الحالتين فان الامراض الناشئة عنها لا تنحصر داخل حدود المملكة فقط، بل تتعداها الى الجوار، والعالم اجمع، على شكل ارهاب منظم، غني، يكتسح دولا بكاملها كالباكستان، افغانستان، العراق .. الخ

وجيهة الحويدر من المثقفات السعوديات اللائي يناضلن من اجل اقرار حقوق النساء، عن طريق تغيير النظرة النمطية للمرأة، المتعارف عليها في المجتمع السعودي، والسماح للنساء بالتمتع بالحريات العامة اسوة بما في بعض البلدان العربية او الاسلامية على اقل تقدير.
ونشاط الحويدر، وزميلاتها، لا يعد نضالا نسويا داخل المملكة فحسب، بل تتعدى اثاره الينا، الى العراق، فاية محاولة لتغيير البنى الفكرية للمجتمع السعودي، وعصرنة الرؤيا لحقوق المرأة، ومساواتها بالرجل، من شأنها ان تحد من بطش السلفية المتخلفة، وتساهم في نشوء اجيال سعودية اكثر ادراكا لمعاني الحياة والانسانية، واكثر رقيا، مما قد يحول المملكة، بهذه الامكانات المادية التي تمتلكها الى بلد عصري، قد يصدر المعرفة بدلا من الارهابيين، وقد يكون القرب الجغرافي ميزة ايجابية للعراق، بدلا من ان تكون اطول حدود برية لنا عبارة عن بوابة للجحيم.

حملات التوعية التي تقوم بها السيدة الحويدر، وزميلاتها السعوديات لا تمثل فقط المعادل النوعي للارهاب، عن طريق تجفيف مصادره الفكرية، وهي الوسيلة التي تبدو اكثر نجاعة من سياسة قطع الموارد المالية التي تمارس منذ عقد دون جدوى. بل تعتبر ايضا اولى الخطوات على طريق بناء مجتمع خليجي متحضر، تحترم فيه المكونات الاجتماعية المتنوعة، يؤمن بالتعددية ويقلص الهوة المتعاضمة بين ثقافة حقوق الانسان المعاصرة، التي انتصرت في اغلب مجتمعات العالم، وبين ثقافة الاستعباد والاستبداد الموروثة في المجتمعات المتخلفة.

الا ان وجيهة الحويدر، بدلا من ان تكون رمزا للتحديث في مجتمع منغلق، اعتبرت حاملة افكار هدامة، فمنعت من الكتابة في الصحف الصادرة في السعودية، ولما واصلت نشاطها عبر بعض المواقع الاكترونية، حجبت هذه المواقع من التصفح داخل حدود المملكة، ومن اجل التضييق عليها اكثر مورست بحقها ضغوطات ادت بها الى اللجوء الى الخارج.
وعلى عكس ما حظيت به الناشطة الايرانية الحائزة على جائزة نوبل للسلام السيدة شيرين عبادي، المقيمة في بلدها رغم ظهورها بدون حجاب على شاشات التلفزة العالمية اثناء تسلمها للجائزة، الا ان الحويدر جابهت في الخارج ما قد يكون اقسى ما تتعرض له سيدة، وهو تطليق زوجها لها رغم العلاقة الزوجية الهادئة التي كانت تشد اسرتها. كرد مباشر على كفاحها الانساني.

في الثامن من مارس، العام الماضي، اي في يوم المرأة العالمي، قامت وجيهة الحويدر بقيادة سيارتها بنفسها في الطرق السعودية، وقد صورت ذلك بالفيديو ونشرته على موقع يوتيوب، كما قامت مع 100 امرأة سعودية برفع مذكرة الى الحكومة كمطالبة بالغاء القانون الذي يمنعهن من القيادة في شوارع المدن. والغاء قانون كهذا من شأنه ان يعتبر تحولا تاريخيا في بنية المجتمع اكثر منه قرارا قانونيا بحتا.(2)

ارى ان نشاط المرأة العراقية في سبيل التحرر من القيم الذكورية الموروثة في مجتمعاتنا لا يكتمل الا بمد جسور التعاون الى الحركات النسوية في الخليج، رغم ما حققته المرأة العراقية من تطور نسبي، لان وجود ثقافات ماضوية في مجتمعات اسلامية متخلفة ومجاورة لنا، ولها مثل هذا الحضور الاعلامي والنفوذ المادي يؤثر سلبا على النزر الذي حققته المرأة العراقية في تاريخها.

وارى ان المثقفين العرب، والتقدميين في العالم، مطالبين بالوقوف الى جانب كفاح المرأة السعودية لتغيير القوانين المجحفة التي تفرضها الهيئة التي تسمى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن اجل تغيير المناهج الدراسية المتخلفة، التي اصبحت معاكسة لمجريات الزمن، ومساندة المرأة السعودية ليس فقط لان ذلك يعد موقفا انسانيا، ونبلا اخلاقيا، بل لان نضال السعوديات المتنورات، ومنهن السيدة الحويدر، له بعد عربي وعالمي يؤثر في حياة المجتمعات المجاورة ايضا، ومنها المجتمع العراقي.

نضال الحويدر ليس من اجل ان تقود سيارتها، او ان تفتح حسابا مصرفيا، او ان تتمتع بحق السفر، او ان لا تسجن بين جدران منزلها، فهي تعيش هذه الحقوق في امريكا، لكنه كفاح انساني من اجل ان لا ينحني ذلك القنديل.(3)

وللتعريف بالحويدر اخترت من ارشيفها


* العالم يقطر انسانية
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=23707

* أقسى وأطول حصار صامت عرفه التاريخ ولم يغطيه الإعلام العربي ولا الغربي ولو لمرة واحدة!
http://www.doroob.com/?p=34200

—————————

(1) الاية 33 من سورة الاحزاب “وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى”.

(2) الحويدر تقود سيارتها في الطرق السعودية.
http://www.youtube.com/watch?v=55U0yszULAQ

(3) من اجل ذلك القنديل
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=24639