الرئيسية » مقالات » رحلة البحث عن الذات عبر :( صفير القطار )

رحلة البحث عن الذات عبر :( صفير القطار )

وزنة حامد أوسي …تلك الزهرة المتفتقة عبر أخاديد المعرفة …ذاك النبع المتدفق الذي يروي جفاف صحراء الكلمة …القصصية …
وزنة حامد …قاصة سورية قادمة من سراديب الزمن العابر بين أعمدة التاريخ الراسخة على صدر المكان…تلقب بأميرة أدب الكيكان… اتخذت القصة كمذهب أدبي لها… دمشق أمها …وتدمر أبوها…رسمت طريقها بثبات على خريطة الكتابة القصصية الهادفة والواعدة،حتى أصبح لها حضور متميز سواء في الحقل الورقي ، أو عبر الأثير …الإلكتروني …
اتخذت السرد كفن تعالج من خلاله مختلف الظواهر الاجتماعية ، الطاغية على المجتمع ، وقضايا فكرية ، من خلال تجاذبات اجتماعية عند إثارتها للواقع ، عبر تناص الأسطورة ، خدمة للحقيقة ، أو كصيغة من الصيغ النقدية لهذا الواقع …
” صفير القطار ” …عنوان ذو دلالة ترميزية …فالصفير هو إنذار بالوصول أو الخطر ، أو إشارة للانطلاق …وبداية الرحلة …رحلة البحث عن الذات …عن ولادة جديدة ، مهما كانت عادية أو قيصرية لاستنساخ حب أزلي ،في فراغ الأفئدة العاشقة …
أو قد تكون رحلة تأمل في منفى مفترض …رحلة الفقد…الغياب والاغتراب …أو قد تكون رحلة عبر الزمن المتراخي ، بين الماضي الراحل ،والحاضر المترجل في تؤدة ، بحثا عن الحقيقة في زمن الضياع …رحلة نفسية باطنية ، عبر أزمنة وأمكنة راسخة في الذاكرة …رحلة لاجتثاث جذور الماضي الميت ، لاستنهاض واستنبات مستقبل قد يكون أكثر ازهرارا …
” صفير القطار ” …تتألف من تسع عشرة قصة بين قصيرة وقصيرة جدا ،وبين الومضة أو ” النذفة” …في طبعتها الأولى :2008، عن دار
اعتمدت المؤلفة صيغة المتكلم ،لتعطي النصوص نوع من المصداقية ،لارتباطها بذاتية الكاتبة ،ولتضفي عليها شيء من الواقعية ، حتى وإن كان الخيال هو الغالب من حيث الإيحاء الباذخ ، وصور الدهشة التي تمنح النصوص بعدا دلاليا . فالرحلة عبر هذا القطار ، لم تكن هروبا من الواقع بتسلطه واستبداده ، بقدر ما هي رحلة بحث عن بديل يكون أكثر تحررا وانفتاحا …رحلة عبر المحكي من خلال الذاكرة الإنسانية ، رحلة ذات نقطة انطلاق ، ودون تحديد نقطة وصول ، حتى تبقى قابلة لكل التأويلات والإضافات ، لكن لها نقطة تواصل مع المتلقي …رحلة في الزمان عبر المكان ، حيث تغوص في أغوار مدينتها الفاضلة :” دمشق” لتعيد تأثيثها حسب الرغبة ، برموزها ودوالها ، باحثة عن الحفريات الروحية الراسخة للمكان بكل تجلياته حتى تعيد له الحياة والحركة والدينامية …
تروم من خلالها العودة إلى ما وراء التيه…إلى الزمان والمكان ، والذكريات التي تربطها بهما ، رغم الخيبة واليأس والفشل ، لأن الإنسان من الفشل يتعلم كيف يبني ويؤسس للنجاح …لهذا نجدها تستبطن الماضي وبإلحاح ،لتستنبط منه الحاضر المرتقب …
تمنح القارئ حرية افتضاض بكارة النص ، ثاقبا أغواره عبر إغراءات تفتح شهيته وشهوته القرائية ، فيتلذذ برفقته …
” صفير القطار ” …بدايتها :” همسة دافئة “، ونهايتها :” نظرة في المرآة “، بحثا عن العشق المتخفي وراء ملامح الوجه حتى وإن كان مستنسخا …وبين الهمسة والنظرة فيض عشق الكتابة التي تقتنص من خلالها الثابت والمتحرك في مسيرتها الإبداعية ، لتنتهي في الخطوة الثانية بين مخالب ” ثعلب …” يتقن التنكر في كل الحفلات ، ليبدو لها زاهدا تعلق عليه كل الآمال،لكن بعد اكتشاف مكره وخداعه في :” اللحظات الأخيرة ” تقرر الرحيل ، بحثا عن اللحظات الآسرة والآسنة ، عبر قطار لم تسمع إلا صفيره في الغياب، ما دام موعد انطلاقه لم يحن بعد …فكان عليها الانتظار حتى :” الساعة الثانية” ،في زمن :” خيانة” الوقت ، وفي غياب :” معلمة “الوفاء للزمان والإنسان …أما المكان ، فقد غدا وكر ثعالب ولصوص ،وسفاكي دماء …أي دماء …ا .وما أكثرهم في مجتمعاتنا …ا.ا.
الذكرى والعشق …الحزن والأسى والحسرة ، كلها حاضرة بين تلافيف المجموعة التي تستكشف هوية صاحبتها ، سواء الهوية الإنسانية ، أو الأدبية والسردية ، من خلال سبر أغوار الذاكرة المكانية ، والتي تعلنها صراحة ، عبر ( همستها الدافئة لدمشق ) ،وبكل فخر ونشوة واعتزاز :-
دمشق أرهقني عشقك
وأتعبني هواك
فلا أنت تكبرين لأقترب منك
ولا العشق يهترئ فأتخلص منه
وكلانا يلاحق الآخر في أروقة الشوق …
عن قصة ” همسة دافئة ”
” ثعلب في ثوب زاهد “…المكر والخداع من صفات الثعالب …أي ثعالب كانت ، ثعالب حيوانية أم آدمية موغلة في مجتمعاتنا …قد تكون للثعالب الحيوانية خدعة واحدة يعتمدونها في اصطياد فرائسهم ، لكن الثعالب الآدمية ، كل لحظة تجدهم يختلقون خدعة ومكيدة لا تخطر على بال …ثعالب في صور حكماء وفقهاء في الدين والوعظ والوعيظ والإرشاد ، لكن حقيقتهم تخفي مجرمين ، يترهطون كي يحققوا مطامحهم إن لم نقل مطامعهم ، بتقربهم إلى السلطة للزيادة في التسلط ، أو عن طريق النصب والاحتيال على الناس ، ناسين أو متناسين مع سبق إصرار ، أن حبل الطمع والجشع قصير ومحدود ، وله نهاية غير معلومة المعالم …
” صفير القطار ” …صوت يؤرق العاشقة في منفى الهجر المفتعل …وغسان المثالي زيادة عن اللزوم ، حيث حكم على حبه في النهاية بالضياع رغم كل التوسلات ، وأسدل الستارة لتحجب شمس الأمل في وجه عاشقة استرخصت الحياة والسعادة في سبيل حبيب اشترته بكل الدنيا ، فباعها رخيصة أول ما استعصت عليه الحياة …ليبقى الحزن والألم والحيرة تؤرق مضاجعها ، وتطير النوم من تحت رموش عينيها ، مهما حاولت أن تغفو، لكن صورته كانت دائما لها بالمرصاد ، لا تفارق مخيلتها …ألا يقولون أن : الحب للحبيب الأول…؟.
” اللحظات الأخيرة ” …الخلفة أو الأولاد أجمل هبة من الله في حياة الأزواج ، فالأطفال كما قال تعالى من زينة الحياة الدنيا ، وعدم الخلفة هي العقدة التي تنغص الحياة على الأزواج ، الزوجة قبل الزوج ، خاصة عندما تصبح مضايقة بسبب اللغط وحشو الكلام من طرف عائلة الزوج ، خاصة أمه التي تضل ترن وتزن بين الحين والحين على ابنها : ( أريد أن أرى أولادك في حياتي …) …هكذا قررت البطلة عائشة أن تخرج من حياة زوجها ، فاسحة له المجال كي يتزوج من ابنة خالته،حسب رغبة أمه ،مترفعة عن أنانيتها كامرأة لم تستطع تحقيق أمل عاشت له وعليه سنين أربع ، لكن القدر شاء عكس ذلك …وهي تتوجه نحو الباب لتغادر البيت والزوج الضائع بين حبه لزوجته ، ورغبة أمه ، أصاب عائشة دوار سقطت على إثره مستنجدة بزوجها الذي أسرع وأخذها إلى أقرب عيادة ، ليخبره الطبيب بعد إجراء التحاليل : على أنها حامل في شهرها الثاني …خبر بدل الحزن فرحة ، واليأس إلى بصيص أمل …وعادت الحياة إلى مجاريها …
الانتقال من قصة إلى أخرى ، جعلت الأحداث تتداخل لتعبث بفكر المتلقي ، أو لتجعله يرتبط بالقصة ارتباط الباحث عن الحقائق ، حتى وإن كانت مكلفة للجهد والفكر …
فالقصة أخذت منحى ثاني حسب القاصة وعلى لسان الراوي الذي أقحم قصة حمو المستهان به في القرية ، أوالمعتبر ( أبلها ) ، والذي يتخذه الآغا أضحوكة أو كركوزا يتسلى به وضيوفه في جلساتهم الحميمية …تداخل قد يكون مفروضا ، تريد القاصة من ورائه إيصال رسالة إيحائية للمتكبرين والمتسلطين على الرقاب …خاصة إذا كانوا كلابا ضالة طريق الإنسانية.
” في الساعة الثانية “…للوقت قيمته ودلالته ، كما للمال جبروته وإشعاعه ، وتبقى الحياة تصارع الاثنان بحثا عن التوازن …عن الاستقرار النفسي والوجودي وحتى الوجداني ، لكن العجز والحاجة تقفان حجر عثرة نحو تحقيق الأحلام : ( الزواج وفتح بيت ) ، إلا أن الأقدار في بعض الأحيان تأتي بما لم يكن في الحسبان ، حيث تضع في طريق الإنسان من يغير له حياته رأسا على عقب ، ويستبدل الشقاء سعادة ،والحيرة اطمئنانا وراحة بال ، فتتحقق الأحلام ، وينعم الإنسان بالسعادة المشتهاة ، حتى وإن كان في الخيال ، بعيدا عن الواقع …المر …وهذا لا ينفي وجود قلوب رحيمة ….
مجموعة :” صفير القطار ” …هي رحلة في المتن القصصي السردي ، بأسلوب راق ، لا تروم من خلاله الواقع السوري فحسب ، بل العربي ككل …بلغة سلسة رقيقة رقة الكاتبة …
لن أقول في حقها أكثر مما قاله الأستاذ الناقد : إدريس الهلالي …في تقديمه لهذه المجموعة ، مستلهما مقولة الفراعنة الراسخة في تاريخ الأهرام المحروسة …( من يشرب من ماء النيل لابد من عودة ثانية )، فأستنبط منها بدوري مقولة مفادها أن ( من قرأ للقاصة السورية وزنة حامد ، لابد أن يعود ليقرأ لها …ويقرأ ويقرأ ، ما سنحت له الفرصة لذلك…).

محمد الكلاف – ناقد وقاص
طنجة—المغرب