الرئيسية » مقالات » ثرثرة على ضفاف البالتوك

ثرثرة على ضفاف البالتوك

اتيحيت لي الفرصة ان ادخل من شبابيك غرف البالتوك، اي باسماء و”نك”ات تعود لاصدقاء مقربين حين اكون في زيارتهم، وليتني لم افعل،
اذ لا ادري اذا كانت مجرد مصادفة، ام انها “ثيمة” البالتوك الوحيدة وهي “الاكراد الخونة”، فكل مرة ادخل، وفي كل غرفة تقريبا، اسمع اجترار هذه المفردة كالعلكة في افواه جائعة، ولا ادري اذا كان المتداخلون لا يجيدون غيرها، او أن مشاكل الكون كلها قد لخصت بشخصي مسعود البارزاني وجلال الطالباني!؟

فلو سنحت لك الفرصة للدخول ستداهمك غرف المتدينين شيعة وسنة فتسمع كل سيئات الكون تتلخص في “الاكراد المجرمون”…

والمديح في البالتوك يكال لكل المجرمين، من صدام حسين الى اصغر ارهابي مفخخ، ومن عصابات المهدي الى علي حسن المجيد، بينما الشتائم تكال للضحايا لان المجرم عربي والضحية كردي، فهل هنالك مشاعر هدامة تنخب الوحدة العراقية، وتدفع الاكراد بعيدا عن العراق اكثر من هذه “الدردشات” غير البريئة؟

غرف ملوثة بابشع ما يمكن ان يوسخ قلب الانسان، تغلقها و تلجأ الى اخرى، وكلها تعيد ذات النفس، وكلها باسماء الحرية، الشمس، الحبيب، العراق…الخ
وتلجأ، وسط هذا النفس الاسود، الى “ديوانية”، تعد نفسها مسيحية، او حسب الموضة “كلدوأشورية”، يعني من المفترض ان يكون افرادها قد تربوا على تراتيل الانجيل في طفولتهم، وتكون امهاتهم قد ارضعتهم تعاليم يسوع المتسامحة، ولكنك ستصاب بالاحباط ايضا، فلا تسمع سوى عصارة الحقد الشوفيني، التمجيد للبعث والتشفي من شهداء الانفال وضحايا حلبجة.. ترى صور احذية توضع على التكست وتكتب الى جانبها “الاكراد”، واذا سألت كاتبها لماذا الغوص للحضيض، يكتب لك هذا السطر:

jivara 1_1: al akrad hatha mostawahom la akthar min al 7itha2

اي ان الكاتب يسمى نفسه جيفارا، تيمنا بالرائد الثوري الاممي، ولكنه يصر على ان “الاكراد هذا مستواهم لا اكثر من الحذاء”!!! اي ان المسيحية المعروفة بالتسامح، بين الاديان، في العالم، لكنها في العراق ملوثة، هي الاخرى، تقطر عنصرية.
وقد تلتمس العذر لهؤلاء، تربى اغلبهم في معسكرات صحراوية على اخلاقية المراسلين، والعرفاء المتغطرسين.

تغلق الغرفة وتفتح اخرى، عنوانها الفيدرالية والديمقراطية هذه المرة، تستمع الى بعض الرواد يتحدث عن ديكارت فتعتقد بانك على وشك ان تستنشق فكرا نظيفا، ولكن النظريات تمر بماركس وكومونة باريس في القرن الثامن عشر ثم الى سارتر، ولتعود الى الاكراد الخونة.

ولم اعرف اي اكراد هم المجرمين، هل اكراد بهدينان، الذين تعرضوا لعمليات الانفال، أو اكراد السليمانية، الشعب الوحيد في العالم الذي خبر السلاح الكيمياوي، ام اكراد كركوك الذين مازالوا بانتظار اعادتهم الى قراهم المصادرة، ام الكرد الفيلية الذي اسقطت عنهم الجنسية، وتمتنع الحكومة العراقية حتى عن اعطائهم الفيزا لزيارة قبور ذويهم، ام اكراد نينوى الذين خرجوا من سلطة صدام لسلطة الذباحين في الموصل، ام الكرد الايزديين، ام….؟

الجميل في الانسان هي المشاعر، واجمل ما في المشاعر هو النبل، وقلب الانسان النبيل اشبه بمتحف لكل ما هو راق و فاتن.
فكيف تتخيل معي البالتوك، بكل هذه القلوب التي استحال كل منها الى مزبلة سوداء تجمع نفايات الدواخل..

قبل ان اترك البالتوك، والعن التكنولوجيا التي كشفت حقيقة المشاعر الجديدة، التي اعترف انها كانت خافية علي، اكتشفت غرفة باسم البرلمان، الواحة التي استنشقت فيها نسيم السبعينات، استعدت وعي العراقي حين كان يتضامن مع معتقلي شيلي، وثوار فيتنام ولاوس، ويتفاعل مع ثقافات امريكا اللاتينية. سمعت د. نفساني يمثل المتفائلين في الشارع العراقي بقصة البليد “سيكا” اذ كان يغمض عينيه حين يقامر في الريسز كي لا يراه اخيه الاكبر!
نعم، سمعت اصواتا نقية، طالب العواد، اهوار، كوركيس، وقد يكون هنالك المزيد، من الاصوات، ومن الغرف النظيفة، في ازقة البالتوك، سأكتشفها بالتاكيد، رغم اني مللت من البحث، اذ تفوح على ضفاف البالتوك هذه الايام رائحة العنصرية، التي هي للاسف نتنه.