الرئيسية » مقالات » الجزء الثاني ..المالكي وقضية كركوك

الجزء الثاني ..المالكي وقضية كركوك

لا حاجة لي أن اكرر و اذكر مدى المظلومية التي لحقت بالكورد بالدرجة الرئيسية في كركوك من سياسات النظام السابق طيلة الاربعة عقود الماضية ,فالكورد والكورد وحدهم ,هم من تعرضوا لأبشع صنوف الاضطهاد والتهميش والترحيل بل والإبادة ايضا في هذه المدينة وإطرافها من جراء السياسة الاقصائية المنظمة لسلطة البعث التي كانت تهدف بالدرجة الأساس إلى التقليل من أعداد الكورد في المدينة وبالمقابل جلب المزيد من العرب محلهم وفق سياسة عنصرية ومنظور فاشي قل نظيره في العالم معتقدا أن ذلك سيساعد في إبعاد الكورد عن آبار النفط وبالتالي إبعادهم عن تحقيق حلمهم في إنشاء دولتهم المستقلة تلك البعبع الذي كان وما يزال يقض مضجعهم ليل نهار !!!! ….
كان اعتماد نظام البعث في تنفيذ هذه السياسة اللعينة بالدرجة الأولى على عرب الجنوب الذين يدين معظمهم إن لم يكن كلهم بالمذهب الشيعي وذلك لأسباب إستراتيجية تتلخص في وضع عدوين (للبعث) في مواجهة الآخر, أي العدو القومي والعدو المذهبي في خندق متقابل بحيث أن كل عمل انتقامي من قبل احدهما تجاه الآخر آنذاك أو في المستقبل سيصب أساسا في مصلحة البعث, والثاني كان بسبب الاستعداد لدى سكان الجنوب الذين كانوا يعانون من وضع اقتصادي مزري من الانتقال إلى كركوك والتمتع أو الاستفادة من كل الامتيازات الممنوحة لهم وبالمناسبة كان هؤلاء يطلق عليهم رسميا (بالمستفيدين) !!! , وقد تم توريط هؤلاء للانخراط في الأجهزة القمعية للنظام وكانوا أعضاء فعّالين في حزب البعث إضافة إلى قيامهم بتنفيذ أية مهمة حزبية مهما كانت قذرة توكل إليهم لإرضاء سادتهم ورؤسائهم بل كان قسم منهم ومع بالغ الأسف يبالغون و يتفانون من اجل ذلك !!
وبعد عملية التغيير في العراق كان لزاما على الأحزاب الشيعية أن تحدد موقفها من هؤلاء … هل تعتبرهم من ضمن الذين وافقوا أن يطبقوا إحدى السياسات القذرة للنظام السابق ضد مكون رئيسي ومتحالف مع هذه الأحزاب الشيعية طيلة فترة معارضة النظام البعثي واعني هنا الكورد, وبالتالي يجب التعامل مع هؤلاء العرب الشيعة المتورطين باعتبارهم جزءا من الأجهزة القمعية للنظام السابق(كما تم ذلك مع البعثيين المتورطين بجرائم ضدّ الشعب في الجنوب ) , أو تعتبرهم ضحايا للنظام ولكن يجب تصليح موقفهم الشاذ وتعويض ضحاياهم قبل ذلك, لنشر ثقافة التسامح في المجتمع أو أن تعتبرهم شيعة بغض النظر عن أي شئ آخر وان تدافع عنهم ظلاما كانوا أو مظلومين ؟؟؟؟ , وانه مع بالغ الأسف بل من الأخطاء الإستراتيجية التي وقعت فيها هذه الأحزاب أن اعتبرت هؤلاء شيعة قبل أي اعتبار آخر, وضربت بذلك عرض الحائط كل تلك التحالفات والاتفاقات مع الكورد بدوافع طائفية وعاطفية بحتة, وخاصة أن اغلبهم قد غير جلده بين ليلة وضحاها متحولا من رفيق بعثي إلى مناضل شيعي دعوي أو صدري أو مجلسي ….والانكى من ذلك إن هؤلاء المستفيدين أو من نسميهم نحن أهل كركوك بالعرب العشرة آلاف , قد تراصفوا مع الآخرين الذين يعادون الكورد وفق أجندات أخرى (الجبهة التركمانية ) مثلا , ورفعوا معا شعارهم المقيت …( لا الله إلا الله كوردستان عدو الله).
وهنا يجب علينا أن نؤشر موقفا خطيرا وخبيثا في نفس الوقت حينما تعمد أعضاء بارزون في الجبهة التركمانية المعروفة بتوجهاتها ومصادر تمويلها وأهدافها, بالانخراط في صفوف الأحزاب الشيعية خلال الانتخابات التي أجريت عام 2005 من اجل أن يكونوا قريبين من مراكز القرار في بغداد , فانخرط عدد منهم في حزب الدعوة أو في التيار الصدري وآخرين في المجلس الأعلى وذلك للاستغلال الأمثل للأكثرية الشيعية في العراق والاستفادة من ذلك لتحقيق أجندة الجبهة التركمانية التي من شأنها التشويه والتشويش على الكورد, ومحاولة التضييق على كل منجزاتهم والتقليل من قيمتها وإفراغها من محتواها, وبالأخص فيما يتعلق بالمادة 140 السيئة الصيت , فكلنا نلاحظ دور النائب عباس البياتي الذي بدأ (نجمه) يتلألأ يوما بعد يوم, ويعتبر مهندس التقارب الشيعي التركي من اجل التنسيق مع الإدارة التركية في معاداة الكورد و تشويه مواقف الكورد في كركوك وتهويل ما يحدث هناك ولا يخفى الدور الخطير للنائب فوزي أكرم ترزي عن التيار الصدري الذي أعلن وأمام الكاميرات ووسائل الإعلام العالمية في برلمان اذربايجان في مدينة باكو , بان الكورد يحتلّون كركوك ويجب العمل على طردهم منها بكل الوسائل الممكنة .

خلال مرحلة وضع الدستور العراقي وحتى قبلها في مؤتمرات المعارضة العراقية في كوردستان أو في الخارج والذي كان المالكي نفسه احد الأعضاء الشيعة البارزين في تلك اللجان و المؤتمرات , تم الإقرار والاعتراف من قبل جميع أطراف المعارضة العراقية أن ما جرى خلال حكم الطاغية صدام في كركوك كان ظلما مٌبينا بحق الكورد بالدرجة الأساس, حيث تم إتباع مختلف السبل وحتى التصفيات الجسدية (خلال عمليات الأنفال ) التي شملت تدمير أكثر من 750 قرية كوردية في محيط كركوك وانفلة وتغييب أهلها, وبذا يجب أن يتم إتباع آلية مناسبة لتجاوز هذه المظالم بعد إسقاط النظام للخلاص من ذلك الوضع الشاذ وتصحيح الأوضاع وفق معايير ديمقراطية سلمية يخرج الشعب العراقي من ذلك النفق المهدد بالانهيار في أية لحظة ,فكان الاتفاق بالاعتماد على نصوص المادة الدستورية (140) كمخرج مناسب لحل ولحلحة تلك القضية المعقدة والبالغة الحساسية وخاصة بالنسبة للكورد الذين عانوا من جراء السياسات الفاشية للنظام في محافظة كركوك على وجه الخصوص إضافة إلى أن الإخوة الشيعة في تلك اللجان قد طرحوا أيضا مظلوميتهم من سياسات النظام المشابهة من حيث إلحاق بعض المناطق ذات الأكثرية الشيعية إلى محافظات معينة(بغداد وكربلاء والحلة ) لتطبيق نفس السياسة التي اعتمدت ضد الكورد أي سياسة التعريب القومي في الشمال والتوسع الجغرافي السٌني في الوسط ,وبالتالي فان المادة المذكورة قد تم اعتمادها أيضا لمعالجة مسألة تشويه الواقع السكاني والإداري في عموم العراق وليست في كوردستان فحسب , علما بان موافقة الكورد على المادة 140 قد جاءت أصلا بصيغة توافقية أي أن الكورد قد اضطروا من اجل تثبيت تلك المادة المهمة في الدستور أن يتنازلوا عن الكثير من الثوابت الوطنية والديمقراطية في نصوص الدستور وكان هذا في نظر احد الأخطاء الكبيرة التي وقعت فيها القيادة الكوردية كما سآتي إلى تفصيل ذلك في الأجزاء القادمة .

والذي حدث بعد ذلك أن تسلم إبراهيم الجعفري رئاسة الوزارة بعد الانتخابات العامة في البلاد وكان تطبيق( المادة 140) احد أهم المواد الواجبة التنفيذ دون كلل أو ملل من قبل الحكومة العراقية المنتخبة وفق آليا ت معينة وحسب ما نص عليه قانون إدارة الدولة الانتقالي في مادته 58 , والتي تحولت إلى المادة 140 الدستورية والملزمة التطبيق لكل هيئة تنفيذية في العراق, ولكن الذي حدث أن الجعفري قد أهمل تنفيذ تلك المادة بشكل مخطط ومتعمد (حتى انه لم يخفي ذلك الانجاز لمناصريه بعدئذ!!!!) وبدأ بالتسويف بل والعمل بشكل مغاير تماما لنصوص وروحية تلك المادة , وذلك انطلاقا من نفس المفهوم العنصري العروبي الذي اتبعه البعث ونظامه حتى انه قد أفصح متفاخرا خلال حملته الانتخابية من اجل كسب بعض الأصوات التي لا تزال تعيش أوهامها العنصرية وخاصة تجاه ما ارتكب بحق الكورد في كركوك من قبل البعث الفاشي واعتبار ذلك حقا عروبيا واجب التنفيذ والاقتداء, حينما أصّر على اعتبار عدم (التنازل ) عن كركوك من ضمن مسؤولياته الوطنية المقدسة!!!!, ولا ريب انه قد تأثر أيضا بالتهويل التركماني للأحداث سواء من خلال علاقاته العائلية ومن خلال ما كان يؤلبه فيه النواب التركمان والأعضاء في الأحزاب الشيعية ومنها حزبه بخصوص قضية كركوك , هؤلاء النواب والأعضاء التركمان الذين قد أجادوا دورهم المرسوم تماما واستطاعوا استغلال العمق والانتماء الشيعي في تخريب العلاقة التاريخية مع الكورد, ودفع القادة الشيعة إلى تبني خطابات متشنجة تجاه الكورد وأوّد أن انوه واعترف بأنهم أي النواب التركمان والأعضاء المندسين في الأحزاب الشيعية قد لعبوا دورهم المرسوم هذا بمهارة وخبث لا نظير لهما , بعكس الكورد الشيعة والفيليين منهم على وجه الخصوص الذين لم يستطيعوا توظيف انتمائهم الطائفي بل ومعاناتهم الشديدة أيام النظام الصدامي بشكل مماثل للأعضاء التركمان في تلك الأحزاب وبشكل يخدم القضية الكوردية بشكل عام والعلاقة الكوردية الشيعية بشكل خاص رغم قدم تواجدهم في تلك الأحزاب الشيعية وقسم منهم من ساهم في تأسيس وتنمية تلك الأحزاب في إيران إبان الحرب العراقية الإيرانية وضحّت بالكثير من اجل ذلك , ويجب أن نقرّ هنا بأن القيادة الكوردية نفسها تتحمل الجزء الأكبر من هذا التقصير لأنها لم تستطع أن تستوعبهم وتحتضنهم بشكل يمكن أن يؤدي في النهاية إلى نفس النتيجة التي استطاعت الجبهة التركمانية أن تجني ثمارها !!!! .

وكان ما كان مع الجعفري حينما عمل الكورد على إزاحته من منصبه و تخليه عن رئاسة الوزارة لان دوره التخريبي قد أمسى واضحا للقاصي والداني , ثم جاء خلفه المالكي , وكانت هناك مباحثات مطولة مع قائمة الائتلاف الشيعي (حينما كان موقف الأخيرة في اضعف حالاته) وخاصة إن الإرهاب قد وصل إلى مًديات قياسية وكانت الحرب الطائفية بين السنة والشيعة وأعمال الانتقام والانتقام المضاد , قد اندلعت بأوسع نطاق في كافة مناطق الوسط والجنوب ,وتعهد المالكي باتفاق تحريري أن يكون مسألة تنفيذ المادة 140 من أولى مهامه , كان ذلك في شهر مايس عام 2006, ومرت الأيام والشهور والسنين ,لعب خلالها المالكي دور المستكين والمستعد لحل مشكلة كركوك وإعطاء الوعود لتفعيل اللجنة المشكلة لهذا الغرض ورصد بعض الأموال لتسهيل تلك المهمة , كل ذلك والكورد يدفعون دماء غالية للحفاظ على عرش المالكي من الانهيار في مدن الموصل والرمادي والحلة ,إضافة إلى بغداد العاصمة , ورويدا رويدا استطاع المالكي أن يثبت أقدامه ويعزز قدراته العسكرية والإدارية مستفيدا من الوضع الاقتصادي المتحسن جراء ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية , والذي جعله يقف على قدميه وبدأ بعدها يظهر على حقيقته ويفصح عن كافة نواياه وأجندته المخفية وأعلن خططا عسكرية وإدارية من شأنها إعادة روح التعريب إلى كركوك والمناطق الأخرى مثل خانقين وأجزاء من الموصل إلى سابق عهدها الصدّامي , ولكن تحت مسميات وحجج أخرى , بدلا عن العمل على إزالة آثار التعريب السابق .

واليوم وعملية تحرير العراق قد أوشكت أن تدخل عامها السادس , وقضية كركوك لا زالت تراوح في مكانها , فلا كل الكورد المهجرين قد عادوا إلى ديارهم ولا تمت إعادة الأقضية والنواحي المنسلخة عن كركوك إلى وضعها السابق والطبيعي ولا تم وضع حل للعرب الوافدين إلى كركوك , بل وظهرت بوادر جديدة من قبل حكومة المالكي في ترسيخ عملية التعريب من خلال نقل موظفين ومراتب عسكرية بل وألوية عسكرية بأكثرية شيعية بكاملها إلى كركوك لتوصيل رسالة إلى الكورد من إنها تريد فرض نفسها بالوسائل العسكرية إذا اقتضت الضرورة والقيام باستفزاز الكورد بمختلف الوسائل , إضافة إلى العمل بالاتصال مع رؤساء العشائر العربية التركمانية بل وحتى بعض الأغوات الكورد الذين كانوا في خدمة النظام السابق لإعادة وإحياء مهزلة ( الجحوش والفرسان )السيئة الصيت مرة أخرى تحت مسميات جديدة (مجالس الإسناد) وغيرها ,إضافة إلى سعي المالكي المحموم بإعادة الألوف من الضباط البعثيين إلى الجيش العراقي دون استشارة شركائه السياسيين من الكورد وغير الكورد كإشارة واضحة إلى نياته المبيتة و توظيف إمكانيات العراق الحالية الهائلة لبناء جيش شبيه بجيش صدام للتنكيل بكل العراقيين الذين سيعارضون النظام , وبالتأكيد سيكون الكورد أول هؤلاء المعارضين لان الأجواء المتعكرة بين المركز وحكومة الإقليم توحي بذلك ,ونحن ككورد لدينا تجربة قاسية ومرة مع ذلك الجيش الذي استخدم منذ تأسيسه في قمع الانتفاضات والثورات الكوردية بل وغير الكوردية أيضا في طول البلاد وعرضها , وكل هذه الإجراءات المشبوهة هي جزء من حرب نفسية بل وتهيئة الأجواء لحدوث مذابح لا أول لها ولا آخر في هذه المدينة المجروحة تكون ضحاياها الأبرياء من أبناء شعبنا بمختلف قومياته ,في وقت نحن أحوج إلى نشر مفاهيم التآلف والتسامح في هذه المدينة والتسامي على جراح الماضي وحل المشاكل بروحية مسئولة تعيد الحقوق المغتصبة إلى أصحابها الحقيقيين.

الأمر الآخر والمرتبط عضويا بقضية كركوك هي الفيدرالية وحدودها. ولا غرو أن التنصل عن تطبيق المادة 140 هو بداية للتنصل عن باقي فقرات الدستور التي نخص الكورد وخاصة مسألة الفيدرالية التي بدورها قد أصبح النكوص منها قاب قوسين أو ادني من قبل المالكي الذي ما برح ينوه ويهدد بالرجوع إلى الدولة المركزية أو تقليل سلطات وصلاحيات الأقاليم (وفي الحقيقة لا يوجد غير إقليم كوردستان الفيدرالي في كل العراق ), حيث بدون تطبيق المادة 140 يستحيل تحديد الحدود الإدارية لفيدرالية كوردستان وبالتالي تكون كل الفيدرالية مفهوما هلاميا هشا غير ذا معنى ومحتوى , وهذا هو سر تهٌرب الحكومات العراقية المتتالية عقب سقوط النظام من استحقاقات قضية كركوك لأنها كانت تدرك وتعلم علم اليقين أن الوصول إلى الحل الدستوري لقضية كركوك سيحدد نوعية وحدود الفيدرالية الكوردستانية وهو الأمر الآخر الذي ليس بمقدور القيادات الشيعية على الأخص تفهمها وهضمها لعدم وجود هكذا مفهوم ضمن أجندتها الدينية والمذهبية أو حتى في البرنامج المعلن لحزب الدعوة وباقي الأحزاب الشيعية, وما يجري في إيران للكورد و وبقية القوميات الغير فارسية لهو دليل واضح على ما أقول … فمن منطلق المذهب الشيعي الذي يدين به المالكي وأركان حزبه لا وجود لحقوق قومية بصيغته الفيدرالية المعروفة في ثنايا هذه البرنامج أبدا …. بل أن من يطلع على فكر حزب الدعوة كما أسسه المرحوم محمد باقر الصدر يجد أن تأسيس دولة إسلامية شيعية, وفق النموذج الإيراني الخميني هو المبتغى , فإلى متى نظل نخدع أنفسنا نحن الكورد الذين ليس فقط من الناحية القومية مختلفون ,بل حتى من ناحية مذهبية يدين اغلبنا بالمذهب السني الذي لا وجود ولا قبول له في الأجندة المعلنة والمخفية لحزب الدعوة والأحزاب الشيعية المماثلة .