الرئيسية » مقالات » بغداد بين حرامية الامس وحرامية اليوم

بغداد بين حرامية الامس وحرامية اليوم

جلست شهرزاد في حضرة الملك شهريار , في منتجعه الصيفي على السواحل اللازوردية في منطقة الريفيرا الارستقراطية . لتروي على مسامع الملك المعظم , حكايتها لليلة الثانية بعد الالف . وبعد ان غادر الخدم والحراس القاعة الملكية , ابتدأت شهرزاد حكايتها .

يروى ايها الملك السعيد ذو الراي السديد . انه كان في بغداد , احد الولاة المؤمنين , والذي يرجع في تصريف امور مملكته الى رجل دين وقور . يعينه على حل مشاكل البلد , وكان صوت هذا الشيخ المسن مسموعا سواء من الوالي , المسمى الشافكي وكنيته ابو الاء , او من بقية اركان مملكته , الذين كانوا متخاصمين فيما بينهم دوما , الا فيما يريدون نهبه من العباد . او من العامة وحتى من الكثير من الخواص , والذين تفشت فيهم احدى اهم امراض العامة , الا وهو الجهل . وكانت بطانة الوالي من الناس الفاسدين والمفسدين , من الذين لاذمة لهم ولا ضمير , حيث تفشت في عهده الرشوة والمحسوبية , ولم يكن باستطاعة الصناع والتجار والزراع , من تمشية امورهم , الا بدفعهم اتاوات الى بطانة الوالي , وقلت في زمنه كل الخدمات , فالمارستانات قليلة , وفسد العلم و التعليم , وامست الارض بورا وماتت الزراعة والصناعة , وكانت الاوساخ تعم البلاد و لا يوجد من يجمعها ,وشح الماء وتلوث مما ادى الى تفشي الامراض . وتوقف الاعمار لان الوالي وارضاء لبعض شيوخ الدين . كان يعطل الاسواق والكتاتيب على قلتها , وغيرها من الدواوين في مناسبات دينية عده كل عام . مما ادى الى تعطيل المرافق , وعدم الالتفات الى حاجات الناس , واصبح الفساد هو المتعارف عليه بين العباد , ولكن والحق يقال , فان الوالي كان يعطي اوامره لبناء العديد من بيوت الله , حتى اصبحت الجوامع اكثر من الكتاتيب التي يتعلم فيها الاولاد . ونتيجة لضياع الامن وعدم كفاءة العسس والعيون , فان الحرامية وقطاع الطرق , ملؤوا البلاد وعاثوا في الارض فسادا . وانتشرت عصابات اللصوص في ارجاء البلاد الاربعة , وكانت احدى اكبر العصابات واخطرها , هي عصابة تسرق اموال اليتامى والارامل والفقراء , نهارا جهارا وعلى مرأى ومسمع الوالي وموافقته . وسميت هذه العصابة بعصابة ال 275 حرامي ………… عندها صرخ شهريار بالحاجب ,ان على بالسياط لاجلد بها هذه الكاذبة الملعونه……… فتعجبت شهرزاد من امر الملك بجلدها , وتماسكت سائلة اياه عن سبب نعتها بالكذابة والملعونة ……. فرد عليها الملك قائلا, من ان كتب الاولين تقول , ان عدد الحرامية في بغداد هم 40 حراميا , فكيف وصل العدد الى 275 حرامي . عندها قبلت شهرزاد الارض بين يدي الملك قائلة , لو سمح لي مولاي من الاستمرار في الرواية , لظهر السبب وبطل العجب , ولأطمئن قلب جلالته , من ان جاريته صادقة في هذه الحكاية , فرد عليها الملك , من ان هات ماعندك لنرى .

وامتثلت شهرزاد عندها لامر الملك شهريار قائلة ,, ان الحكاية التي ترويها للملك , لاتدور احداثها في بغداد اليوم ,التي تعيش في دعة و سلام واطمئنان , ويأتيها الخراج من كور افريقيا والهند وجرجان , والري وخراسان , وفيها من الحدائق ما تسر الناظرين , وتكثر فيها المدارس والمارستانات وتنشط فيها الترجمة , وتستقبل طلاب العلم من كل حدب وصوب . ويحترم فيهل العلماء والادباء والشعراء وذوي الفكر , ويتجادل فيها اصحاب المذاهب المختلفة . دون خوف من قمع جلاوزة السلطان ,او من رجال دين هم اقرب الى عبادة الاوثان , و حتى الحرامية فأنهم يمتازون بالنبل ,اذ انهم يسرقون الاغنياء فقط دون الفقراء ,بل قد يناصفون ما سرقوه معهم .

ولكن الحكاية ايها الملك المعظم , تدور في مدينة بغداد بعد الف عام من الان . حيث يعم الخراب مدينة الرشيد , وتفقد بغداد هيبتها ويحكمها الاجانب ,وتنتشر فيها الامراض , ويجف نهراها وتبور ارضها , ويتقاتل ابنائها فيما بينهم , وينعدم فيها الامان ,ويقتل فيها اهل الذمة , ممن يعيشون في مملكتك الان بامن وسلام . وبدلا من ان ياتيها الخراج , من اصقاع الارض الاربعة . تعطي هي الخراج , على شكل بضائع تشتريها من دول الجوار . وتبدأ ولاية الري بحكم دار السلام , عن طريق الولي و الوالي وبطانته ورجال الدين . ولكن العجيب هو زيادة عدد المسلمين وقلة عدد المؤمنين , وهذا ما يفسر وجود ال275 حرامي , لان رسول الانام قال في حديث شريف ( لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ) . ولكن وبفضل فتاوى رجال الدين , من الذين يفضلون متع الدنيا في منتجع الجادرية على الاخرة وامور المسلمين , ويشيعون بينهم البدع , ويقودون الناس كالاغنام وهم راضون , وفساد السلطة ورجالات الدولة , فأن الناس بايعوا من يتحدث باسمهم , في مجلس يشبه مجلس الشورى , يطلقون عليه اسما افرنجيا وهو البرلمان , ولان الناس غير مؤمنة بالله ورسوله , فانهم يلدغون اكثر من مرة من نفس الجحر , فتراهم بايعوا هؤلاء مرة ومرتين وسيبايعونهم من جديد , لان الجهل والامية تفشتا بين السواد الاعظم من الناس . ويستغل هؤلاء البرلمانيون الحرامية , جهل الناس وسكوتهم , وتواطؤ الوالي معهم وصمت الشيخ المسن , في سرقة قوت الناس , وعلى الرغم من ان معاشاتهم وصلت الى ما يقارب 60 الف الف دينار , فانهم يقدمون بين الحين والاخر , مشاريع لزيادة معاشاتهم , بالاضافة لحصولهم على قطع اراضي , وعربات من الحديد لا تجرها الجياد , وفرمانات تسمح لهم ولعوائلهم , بالسفر الى بلدان الافرنج دون الحصول على اذونات مسبقة للدخول . وهؤلاء البرلمانيون هم عصابة ال275 حرامي . وانني اسأل الله , ان يديم ملكك ويبعد الشر وامثال هؤلاء عن مملكتك , وادرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح .


زكي رضا
الدنمارك
4 /3 / 2009