الرئيسية » مقالات » تساؤلات مشروعة اثارتها قضية الدايني هل تحمي الحصانة البرلمانية المفسدين؟

تساؤلات مشروعة اثارتها قضية الدايني هل تحمي الحصانة البرلمانية المفسدين؟

من اجل الحصول على الفيزا الاميركية لابد من ملء استمارة تحتوي على الكثير من الاسئلة تتعلق بالسن والاصل والنسب وسبب السفر والامراض التي يعانيها طالب الفيزا وما الى ذلك من الاسئلة الخاصة والعامة.. ويذكر ان فرنسيا كان يروم السفر الى اميركا فكان لابد له من ملء الاستمارة سالفة الذكر.. وفي معرض اجابته عن سؤال يقول: “هل سجنت سابقا” وتحت السؤال خانتان للاجابة بنعم او لا.. اشار الى كلمة “لا”.. وفي خانة اخرى من السؤال عن “سبب السجن” كتب قائلا: “بسبب ان الشرطة لم تستطع القبض علي لحد الان “.. هذه الحكاية مرت بذهني حين سمعت العديد من التساؤلات التي اثيرت في الشارع العراقي حول ازمة عضو مجلس النواب (الهارب) المدعو محمد الدايني، اهمها كيف ومن اين استطاع تمويل جماعاته الارهابية!! وكيفية هروبه ومن المسؤول عن ذلك!! فضلا عن ذلك ان الخيوط الاولى لانكشاف امره كانت قبل ثلاثة اعوام، فلماذا لم توجه له اصابع الاتهام وتحرك القضية في ذلك الحين!! ثم عن تصريحات الدايني نفسه ساعة احتضاره وتهديداته بأنه سيكشف كذا قضية فساد وكذا قضية اختلاس و… واخيرا وليس اخرا هو بالاساس كيف استطاع الحصول على مقعد في مجلس النواب العراقي!..
لنحاول ان نقرأ الواقع بصورة مقتضبة حيال ما مر من تساؤلات عسى ان نجد اجوبة منطقية تخرجنا من دوامة كهذه..
فعن مصدر تمويله من المؤكد انه استطاع الحصول على دعم ما من جهة خارجية كانت ام داخلية.. مايهمنا في هذا الموضوع كيف يمكن ان نصل الى خميرة دعمه ونقصد بذلك كيف بدأ يمول جماعاته بادئ الامر ليحصل على دعم اكبر!! وهذا التساؤل يقودنا الى ظاهرة خطيرة برزت في الدولة العراقية بعد عام 2003، الا وهي ظاهرة التوزيع السيئ لموارد الدولة فهي بالتأكيد السبب وراء ظهور الحالة الداينية وحالات اخرى مماثلة منها ماكشف عنها الغطاء واخرى تنتظر والمصيبة ان جميع تلك الحالات تتمتع بغطاء قانوني اسمه الحصانة.. فحين توفر الدولة الحصانات لاصحاب المعالي والسادة المسؤولين وتضمن لهم دخلا يفوق كل التصورات وقروضا تتحول فيما بعد الى منح، وامكانيات غير محدودة وسلطات واسعة فماذا يمكن ان نتوقع ان يفعل بها شخص فاسد سوى مزيد من الفساد والاستهانة بالدم العراقي.
مع احترامنا وتقديرنا للمخلصين من اصحاب المعالي لهذه البلاد ولشعبها وارضها وتاريخها.
فكيف وفرت الدولة هذه الامكانيات؟!.. لنرجع قليلا الى الاعوام السابقة ولنقرأ باكورة قرارات مجلس النواب في جلساته الاولى اذ اقر رواتب ومخصصات اعضائه فضلا عن المنح المالية الضخمة والهدايا والمصفحات وعدد الحراس والتي ارهقت بمجملها ميزانية الدولة بتكاليفها وقضايا مادية عمقت باقرارها جراحنا.. خاصة ان الشعب العراقي كان يمر بمرحلة عصيبة كانت تنتظر منا ان نوجه عقولنا ونشد سواعدنا لكف شر تلك المرحلة والتي قطفت منا الافا من الرؤوس دون ذنب سوى انهم كانوا احجارا لاحول لها ولا قوة على رقعة شطرنج كبيرة، ملوكها ووزراؤها يحكمون عن بعد مختبئون خلف جدران محصنة في مكاتب مرفهة وابواب موصدة.
فهذا الاغداق كان الخميرة الاولى لعدد من عديمي الضمير لدعم جماعات الارهاب ومن اموال الدولة ذاتها.. حيث شهدت الوقائع تورط عدد من (السادة) المسؤولين بالارهاب ومن بينهم نواب ووزراء حين اوجدوا لانفسهم غطاء قانونيا لنهب اموال الشعب عبر معاشات خيالية لم تستوعبها عقولهم فاختلط الامر عليها ومخصصات مالية ضخمة.. فاستغل ضعاف النفوس منهم هذا الخلل الخطير وبدأوا يمولون جماعات الارهاب لاجل مصالحهم الضيقة، وكما ذكرنا الامر لايقتصر على مجلس النواب فالسادة الوزراء ليسوا ببعيدين اذ ظهرت بينهم حالات مماثلة وما كانت حالتا الوزير الهارب الاول ايهم السامرائي والوزير الهارب الثاني اسعد الهاشمي الا انموذجا، وهنا يجب ان ننوه الى اننا حين نذكر اموال الدولة وانها اصبحت من وسائل تمويل الارهاب فلا نقصد مطلقا الحكومة لانها جزء من الدولة ولاحول لها امام تشريعات مجلس النواب.
أفلم يكن الاولى ايجاد قانون ثابت تحدد بموجبه رواتب كبار المسؤولين ومن بينهم اعضاء مجلس النواب والوزراء؟
نعم ربما يوجد قانون كهذا لكن المصيبة ان مشرعيه هم المستفيدون منه لذا جاء على المقاسات التي يريدونها دون الاخذ بنظر الاعتبار هذا الهدر في اموال الدولة التي هي بالتأكيد اموال الشعب، ولضمان تدفق الاموال الى حساباتهم الشخصية شرعوا قانون تقاعد على مقاساتهم ايضا، فبعد عشرين عاما اذا بقيت هذه الرواتب الضخمة للسادة المسؤولين ورواتب تقاعد البرلمانيين وكبار الموظفين ستحتاج الدولة عندها الى تخصيص نصف الميزانية لتغطيتها هذا الى جانب رواتب كبار مسؤولي تلك المرحلة، فاين العقل والمنطق من هذا الهدر..؟! ونعود لنؤكد ان هذه المهاترة الخطيرة هي التي ادت الى ولادة الحالة الداينية وغيره فلو.. لكن مانفع الـ(لو) هذه طالما هناك من يجد تفسيرا قانونيا يمحي به الـ(لو) وكل ماقبلها من تساؤلات، فالقانون هم مشرعوه، والموت له تشريعاته ايضا في عراقنا الجديد.
التساؤل الاخر الذي اثير حوله الجدل عن كيفية هروب الدايني بل وغيره ايضا ممن سبقوه؟!.. الحق يقال ان وزارة الداخلية دقت ناقوس الخطر وانذرت من هذا العضو المتخفي تحت قبة مجلس النواب لكن وقفت اجراءاتها عاجزة امام حاجزين الاول مجلس النواب نفسه حين تصدى عدد من اعضائه تصدي الميامين وهم يدافعون عن هيبة عضو المجلس الموقر وحرمة لمسه لانه مواطن مقدس لايجوز الطعن به فهو منزه عن اي خطأ!! مستندين الى نظرية انصر اخاك ظالما او مظلوما، دون ان يدركوا المغزى الحقيقي لهذا القول ومن اين لهم ان يدركوا طالما ان جل همومهم المجاملات والمنافع الشخصية!!
الحاجز الآخر كان تعليمات السيد رئيس الوزراء حين امر بعدم التعرض للدايني حتى يقول القضاء كلمته.. عجبا.. ألم يقل القضاء كلمته حين ارسل طلبا لرفع الحصانة عنه واصدر امرا بالقبض عليه.. أم ان المتحدث باسم خطة فرض القانون حين اعلن مااعلن عن الدايني والاتهامات الموجهة له كان من هوى نفسه!!
فلنفترض الحالتين معا ان القضاء لم يفصل بعد وان المتحدث كان ينطق عن الهوى، فالنتيجة سواء مفادها ان هناك اتهامات وشكوكا حول جرائم موجهة لعضو من مجلس النواب لذا كان الاولى بالسيد رئيس الوزراء حين تدخل عن غير وجه حق في عمل القضاء ان يأمر ايضا بفرض الاقامة الجبرية على المتهم مع ضمان عدم التعرض له لا ان يترك حرا طليقا حتى يجد له مهربا.
اذن على السيد رئيس الوزراء ان يتحمل جزءا من مسؤولية هرب الدايني والجزء الآخر على مجلس النواب الذي تأخر في رفع الحصانة عنه خصوصا ان التهمة الموجهة اليه هي ارتكابه مجازر بحق ابناء الشعب لذا كان الاولى ان يجتمعوا في جلسة استثنائية لهذا الغرض ولكان الشعب العراقي صفق لهم بحرارة واعاد جزءا من ثقته المهزوزة باعضائه، لكن للاسف ان قرارهم جاء متأخرا ليلتحق الدايني بقافلة الفارين عن وجه العراق.
وكذلك مسؤولية هربه يتحملها عدد من الذين ساعدوا على اخفائه ومن ثم هربه.. والغريب ان عددا من اعضاء مجلس النواب بدأوا يطبلون ضد قوات الداخلية والدفاع ويحملونها مسؤولية هرب الدايني متناسين ان تأخيرهم لرفع الحصانة كان سببا اساسيا في هروبه عن وجه العدالة.
القضية الاخرى التي اثير حولها جدل بناء على مامر من تساؤلات هي ان هناك اتهامات مباشرة وجهها اهالي قرية الهدف في محافظة ديالى الى الدايني بعد مقتل ابنائهم على يد عصابات الدايني كما صرحوا بذلك انفسهم وبناء على اقوال الناجي الوحيد من رجال القرية.. والغريب ان تلك الاتهامات كانت قبل ثلاث سنوات فلم لم تؤخذ بنظر الاعتبار وخصوصا انها اتهامات خطيرة بالقتل الجماعي ربما لان ذلك القتل كان بحق الابرياء من عامة الشعب وليس بحق النواب، ثلاث سنوات ترك فيها الدايني يصول ويجول ويقتل وهو مقنع بحصانة من البرلمان والدولة، فمن غطى على تلك الاتهامات؟! ومن كان يدافع عنه؟! وهل ان تلك الاتهامات لو اخذت مجراها القانوني كانت ستضر بعملية المصالحة الوطنية؟! فنقولها بملء افواهنا (بئس) المصالحة التي تقام على جماجم العراقيين، وتجري من تحتها انهار من دماء المظلومين، فيد من التي صافحت يد ملطخة بدماء بريئة من اجل ان تنجح خطة السيد رئيس الوزراء في المصالحة! والله يعلم كم غطت المصالحة على ارهابيين لاتزال اعناقهم تنوء بقتل العراقيين، والمصيبة ان المؤسس للمصالحة والقائمين عليها لايعترفون بخطأ مابدأوه.. بل يؤولون ذلك على انه نجاح، فأي نجاح هذا حين نعطي لمجرم مسوغا لاجرامه ليعيث بين ظهرانينا فسادا..
واخيرا نقف على ماصرح به الدايني نفسه قبل ايام من هربه، انه سيكشف قضايا فساد واختلاس واخذ يهدد ويتوعد وان مايحدث مجرد مؤامرة بحقه و… وهذه الامور هي ذاتها التي هدد بها اقرانه من السامرائي والهاشمي وغيرهم بانهم يملكون ملفات فساد وغيرها.
وهي دعوة نأخذها من لسانهم الى جميع السادة المسؤولين بأن يكشفوا مالديهم من ملفات فساد ولاداعي ان يخبئوها حتى توجه اليهم اصابع الاتهام او حين يجدون انفسهم في زاوية ضيقة او بعد ان هربوا ويكون قد فات الاوان، فملفات الفساد التي يحصلون عليها هي امانة الشعب في اعناقهم وليس لهم ان يساوموا بها من اجل مصالحهم الشخصية.