الرئيسية » مقالات » ما الذي سيتبدّل في سياسة الأردن بعد التعديل الوزاري؟

ما الذي سيتبدّل في سياسة الأردن بعد التعديل الوزاري؟

من عمان –  :
لم يأخذ تعديل وزاري، في السنين العشر الأخيرة، وقتاً وحيزاً من الجدل مثلما حصل مع التعديل الأول، وربما الأخير على حكومة رئيس الوزراء الأردني نادر الذهبي.
والمضحك المبكي في آن واحد هو هذا التعديل، الذي طال أمد التحضير له أكثر من اربعة أشهر، وتحديدا منذ خروج رئيس الديوان الملكي السابق باسم عوض الله، تزامن مع تكليف زعيم تكتل “ليكود” بنيامين نتنياهو تأليف حكومة جديدة في إسرائيل، الأمر الذي شكل مادة للتندر حيال برامج وسياسات الأحزاب المتنافسة على السلطة في إسرائيل، وأسس اختيار الوزراء في الأردن.
وجاء التعديل كذلك غداة انشاء جبهة وطنية تطالب بإجراء إصلاحات دستورية تفضي إلى حكومات تمثيلية منبثقة من برلمان منتخب وتتمتع بصلاحيات حقيقية وتعتمد برامج سياسية واضحة.
ويقول مدير مركز القدس للدراسات عريب الرنتاوي: “هنا، في الأردن، لم أقرأ حرفا واحدا في السياسة والخيارات والبدائل والاستراتيجيات والمرحلة المقبلة… ليس سوى الأسماء والمزيد منها، للداخلين والخارجين”. ويضيف: “لا معايير ولا مقاييس، فجأة تصدمك أسماء ومرشحون، تأخذك على حين غرة، ويبدأ الوسط السياسي لعبة توزيع الطواقي (القبعات) على الرؤوس: لا بد من تمثيل المحافظات والأقاليم، لا بد للأصول والمنابت من أن تحافظ على توازنها أو عدم توازنها لا فرق، لا بد للطوائف والأديان” أن تكون حاضرة… لا أحد يتحدث عن التحديات والأولويات، لا أحد يتساءل عن الفرق الذي يمكن أن يحدثه خروج هذا وقدوم ذاك”.
وفي ما عدا الخلافات التي حصلت في الأيام التي سبقت التعديل على حقيبة وزارة الخارجية، التي تمسك حاملها قبل التعديل صلاح الدين البشير بها، رافضاً ابدالها بأي حقيبة أخرى مما اضطر الذهبي الى اخراجه من الحكومة، لم يثر التعديل اهتماما لدى الشارع السياسي باستثناء المستوزرين، و”صالونات عمان” التي تريد أن تعرف من تهنئ في اليوم التالي.
حتى ان كثيرا من الطامحين في الوزارة، لم يتلهفوا لطرح أسمائهم في بورصة هذا التعديل، ظناً منهم أن أمد هذه الحكومة “قصير جداً” ولن تستمر اكثر من بضعة اشهر قبل أن تذهب ويؤتى بحكومة جديدة، في بلد صار عمر الحكومات يحصى بالأشهر.
ارتباك وتراجع
ويرى أن أبرز مبررات التعديل هو تغيير وزير الخارجية البشير، الذي طاولته انتقادات كثيرة، خصوصا في مرحلة العدوان الإسرائيلي على غزة وما تبعها من تداعيات. وذهب بعضهم إلى أنه إذا لم يطرأ تغيير على هذه الحقيبة فلا مبرر للتعديل إطلاقا.
هذه الانتقادات ركزت على أن السياسة الخارجية الأردنية، وتحديدا مع بدء الأسبوع الثالث من العدوان، دخلت في دوامة من الارتباك والشلل، وصارت تتخبط في الأداء، وبدا واضحا عدم قدرة بوصلتها على تحديد اتجاهها، وخصوصا بعد التجاذبات التي عصفت بالمنطقة لجهة “حرب القمم” التي شهدتها الدول العربية بين الرياض (الخليجية) والدوحة (الطارئة) والكويت (الاقتصادية) والتي ادعت جميعها “وصلاً بغزة”.
الأردن، تحرك بقوة وبسرعة مع أول أيام العدوان، وطلب عقد اجتماعات طارئة لجامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية، ومجلس الأمن ، وأجرى اتصالات مكثفة مع عواصم القرار الدولي، وتشدد في خطابه حيال إسرائيل، إلى حد تصريح رأس الدولة أن “مؤامرة” تحاك لتصفية القضية الفلسطينية تتخذ من العدوان على غزة أداة لتنفيذها.
وقبل ذلك، لمس مراقبون كثر تغييراً واضحاً مدى الأشهر التي سبقت العدوان، لإعادة ترميم علاقات الأردن العربية وصوغها من جديد بعيدا من سياسة المحاور (الاعتدال والممانعة) التي أضرت بمصالحه.
ونجحت هذه الديبلوماسية كثيرا في تحسين العلاقات مع قطر وسوريا وحركة المقاومة الاسلامية “حماس”، وحافظت على دفء العلاقة مع السعودية ومصر ودول الخليج العربي، وتوقفت عن اللهاث خلف إملاءات الإدارة الأميركية السابقة.
غير أن الديبلوماسية الأردنية عادت وانكفأت وصارت تترقب الأفعال العربية وردود الأفعال من دون فعل يوازي قدرتها على إحداث حراك في المنطقة استنادا إلى اعتدالها وجغرافيتها السياسية ، بل إنها تلقت إهانة مريرة من إسرائيل عندما رفضت الأخيرة السماح بإدخال مستشفى ميداني أردني إلى قطاع غزة طوال فترة الحرب، قبل أن تسمح بذلك بعد وقف النار.
هذا الضعف تحمّل وزره الوزير السابق صلاح الدين البشير، حتى أن رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” خالد مشعل، أشاد خلال لقائه عدداً من الزعامات القبلية الأردنية بجهود العاهل الأردني ومواقفه، وانتقد بشدة البشير متهما إياه بتخريب جهود الملك.
وعلى رغم تأييد آخرين لهذا الرأي، الا انهم لا يحبذون تحميل البشير وحده مسؤولية هذا التراجع في أداء السياسة الخارجية، لجهة أن “هناك لاعبين آخرين يؤثرون فيها بصورة حاسمة”، إلى “عظم حجم التحديات والتجاذبات” التي رافقت التطورات المرتبطة بالعدوان وتداعياته. ويلفت بعض هؤلاء إلى إقالة المدير السابق للمخابرات العامة الجنرال محمد الذهبي شقيق رئيس الحكومة في وقت حرج جدا (الأسبوع الثاني من بدء العدوان)، ويقولون إنه كان لاعبا أساسيا في السياسة الخارجية، وخصوصا أنه كان يتنكب ملف العلاقة مع حركة “حماس” بالكامل، ويرون أن خروجه من اللعبة هو وأربعة من أركان الجهاز، أثر سلبا على أداء الديبلوماسية الأردنية، خصوصا مع انشغال القيادة الجديدة للجهاز بإعادة هيكلتها وتقويم ادائها. اضف أن ثمة من يعتقد أن انغماس الجنرال الذهبي في السياسة الخارجية كان أحد أبرز أسباب خروجه من المخابرات، باعتبار أن وظيفة الجهاز الأساسية هي جمع المعلومات وتحليلها وتقديم اقتراحات الى صانع القرار، وليس التدخل في صنع القرار السياسي للدولة.
وزير جديد: سياسة جديدة؟
معلوم أن وزير الخارجية في الأردن ليس هو من يصنع سياسة الدولة الخارجية، وإنما ينفذ ما يرسم لها في القصر الملكي، علماً ان ثمة من يقر بقدرة عدد من الوزراء السابقين على وضع بصمتهم وخلق حيز من الحركة وفقا لقدراتهم الشخصية والكاريزما التي يتمتعون بها، مثل: طاهر المصري ومروان المعشر وعبد الإله الخطيب…
وزير الخارجية الجديد ناصر جودة الذي تسلم ملف الديبلوماسية الأردنية، ليس بعيدا من هذه الديبلوماسية، وهو شغل لأكثر من ثلاث سنوات منصب الناطق باسم الحكومة وكان وزيراً للإعلام والاتصال.
ومع أن جودة يحاول ألا يظهر مظهر “البديل الضرورة” لسلفه، إلا أن كثيرين يعولون على إمكان قيامه بتحسين الأداء والصورة، خصوصا أنه قريب جدا من المطبخ السياسي وملم بمتطلباته ويحظى بعلاقة جيدة مع مختلف أركان السلطة وحتى خارجها، ومعروف عنه قدرته على الإقناع والتفاوض وكذلك التقاط الإشارات الصادرة من صانع القرار والتعامل معها بحنكة وبصورة عملية.
وفي حين لا يفصح جودة عما سيقوم به من تغيير، إلا أن هذا الرجل، كما يصفه مقربون، “ليس ممن يمرون بالسلطة مرور الكرام… وهو يمتلك القدرة والرغبة في ترك بصماته في أي موقع يتسلمه”.
ويقول مصدر سياسي إن هناك “ثوابت للسياسة الخارجية الأردنية خصوصا في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية التي لا ترتضي عمان أي طرح خلافا لحل “الدولتين” وتأكيدها (على لسان الملك) أنها لا تريد عملية سلام وجدت أساسا منذ عام 1992، بل مفاوضات مباشرة جدية وملموسة تنفذ حل الدولتين”. ويلفت إلى صعوبة التعامل مع المرحلة المقبلة في ظل هيمنة اليمين المتطرف على الحكم في إسرائيل، الذي لا يخفي نيته في تجميد إن لم يكن إلغاء العملية السلمية، كما لا يخفي بعض قياداته مخططاتهم حيال مستقبل الأردن ويعتبرونه وطنا بديلا للفلسطينيين. ويشير إلى أن الملامح الرئيسية والاستراتيجيات العامة للديبلوماسية الأردنية مستقبلا “لن يطرأ عليها أي تغيير جذري… وإنما سيلاحظ بعض الاختلاف في بعض الرؤى السياسية بما يحسن طبيعة علاقاته مع الخارج”. ويضيف أن الأردن “سيركز على عدم التورط مرة أخرى في التجاذبات والمماحكات العربية – العربية، وسيسعى إلى الدفع باتجاه دعم صورته كلاعب حقيقي ومؤثر في رسم السياسات في المنطقة”.