الرئيسية » التاريخ » مصادر تاريخ الكرد – القسم الثاني

مصادر تاريخ الكرد – القسم الثاني

لقد رجع إلى هنا الرومان والفرس والإغريق الغزاة وواجهوا هذه السهول القاسية والمنخفضات.ان سفوح التلال المظلمة هذه تطلعت الى الجيوش،المتشتتة الشمل، جيوش جميع الأمم الشرقية العظيمة، باستثناء آشور، وشهدتها زاحفة مبتعدة، جنوباَ وغرباَ، نافضة يدها، يائسة من التوغل في البلاد العسيرة لشعب(كوردئي) الضاري.
وهو الذي نسل من لا يقلون عنه ضراوة: كورد يوم بالثورة والشجاعة والروح المتمردة، مكانة اللائق بين الشعوب العابرة التي لم تخضعه في يوم من الأيام.وما لم يكونوا هم أنفسهم ـ أو على ما يخيل لنا ذلك ـ فليس لهم من دعوى بإزاء المؤرخ المتحمس. ومهما يكن من أمر هؤلاء الأكراد الغربيين، ليس لهم من الميديين ذلك الشيء. أنهم باقون، على ما هم عليه دوما، لا يقهرون ، ولا ينال منهم، يتيهون فخراَ ويشمخون كبراَ، ولا يخضعون لأحد، ولا يشتت شملهم الا ماقد ينجم بينهم من(خصام تلظى ناره ويطال).أنهم يجتوون الدولة التي تحكمهم أسما، وانهم مطمئنون آمنون في مضايفهم وجبالهم، والى لغتهم القديمة، لا يتنازلون عن وحدانيتهم قيد أنملة، وعلى الغرب ان لا يضغط عليهم بشدة.)).
اما بالنسبة إلى الكتب المقدسة السماوية فقد وردت اشارة في التورات عن الشعب الميدي الذي يعتبره بعض الباحثين انهم من اسلاف الكرد، وكذلك وردت اسماء بعض المدن والجبال والأنهار المتواجدة في كردستان امثال(ميدي، جودي، أرارات ..الخ).
اما العلماء المسلمون الذين كتبوا عن مشاهداتهم لبلاد الكرد واشاروا الى اماكن تواجدهم وترحالهم واسلوب حياتهم من امثال الجغرافي(محمود الكاشغري أو(الغشقري) وهو مسلم من أصل تركي ولد في اواسط القرن الحادي عشر وفي عام(1076م) رسم خارطة جغرافية ـ سياسية اشار إلى الأرض الكردية في كتاب له تضمن خارطة كانت تضم دول الشرق وذكر اسم الكرد وسمي المنطقة التي يقطنها الكرد بأسم(ارض الاكراد) ومن الممكن ان تعتبر هذه الخارطة أول خارطة جغرافية وأول مصدر جغرافي ذكر فيها اسم الكرد كقومية عرقية مستقلة. ومن علماء الاخريين من امثال ابن فقية والمسعودي(توفي في 956م)( ) في كتابه(مروج الذهب). وجاء في خارطة التي رسمها(ابن حوقل) لمنطقة الجبال فانه يضع هذه المشاتي والمصافي التي ذكرها المؤرخون العرب في الجزء من منطقة كردستان. وكان المؤرخ ابن اثير وهو الاخر شاهد عيان للصراع الدموي الطويل الذي خاضه الهماونديون والبوتانيون والشكاك والقبائل الكردية الاخرى ضد المجموعات التركمانية دفاعاً عن المراعي والقرى، وشاهد المؤرخون آخرون هجوم قبائل التركمان المتوحشة الذين كانوا يرتدون القمصان وكانوا حفاة جائعين يتقدمون بعرباتهم التي تجرها الثيران وبعوائلهم ليسيطروا على الوديان الباردة وعلى المراعي الخضراء الواقعة بين لحر قزوين وكردستان(1100 ـ 1180م) ومن ثم عبورهم إلى اراضي الكردية(كردستان).
مصطلح كوردستان لدى المؤرخين والحغرافيين العرب والمسلمين
اما أول من استخدم مصطلح(كردستان) كمصطلح جغرافي لتسمية(إقليم) أو لمعرفة ولاية إدارية مستقلة، لأول مرّة في التاريخ، في عهد السلطان السلجوقي(سنجر)( ) كان ذلك في القرن الثاني عشر الميلادي. ومنذ ذلك الحين أصبح اسم كردستان كمصطلح جغرافي أو كأسم ولاية دالة على مجموعة اثنيكية مستقلة يرسم على الخارطة الجغرافية كانت ضامة ستة عشر مدينة كبيرة منها(كرمنشا، حلوان، جمجمال، اليشير، كنكاور، ديناور(دينور) ماهي دشت، دربند تاج خاتون، شهرزور).
وكلمة كردستان تعني الأرض التي يؤلف الكرد عليها اكثرية من السكان، أي ديار الكرد وكردستان تتألف من مقطعين(كرد) و(ستان).
تعني(كرد) اشعب الكردي الشجعان، وتعني ستان المنطقة او البلاد( ). واختلف الجغرافييون بشأن المنطقة التي سميت بكردستان حيث قال البعض انها تقع غربي جبال زاجروس فبحسب هذا الرأي يشمل كل من(سنة، سنندج، دينور، همدان، كرماشان،(كرمنشاه). وبموجب الرأي الثاني تشمل ولايتي شهرزور وكوي(وكويسنجق) فقط.
اما الامير شرفخان البدليسي يقول بان اسم كردستان يطلق على(ديرسم) وهناك من قال اطلق على منطقة(جمشكرك) فقط( ).
اما العلماء العرب والمسلمين مثل(البلاذري والطبري) عرفوا الكرد باسم(بقردي Bakarda) وقردي.
ويقول ياقوت الحموي نقلاً عن ابن الاثير ان بلاد(بقردا) هو قسم من بلاد(جزيرة ابن عمر) فكان بها مائتا قرية وضيعة ومدن(الثمانين، جودي، فيروز، شابور) كانت على الضفة اليسرى لنهر دجلة إزاء(بازيدا ـ Bayabda) هذه المدينة كانت تقع على الضفة اليمنى لنهر دجلة لقد اندثر اسم بقردي، بكردا، وحل محله في الكتب العربية والاسلامية اسماء اخرى مثل(جزيرة ابن عمر) و(بوهتان)( ).
واطلق المؤرخ(القزويني) على هذا الاقليم لاول مرة اسم(إقليم الجبال)لانها منطقة جبلية، لمعرفة الجبال التي يقطنها الكرد، ويقسم ديار العرب عن ديار الكرد، واخذ المؤرخون العرب يستعملون هذا الاسم واستمر الفرس كذلك باستخدام هذا الاسم(الجبال) (كوهستان). ويحلل المؤرخ الانكليزي لوسترانج ـLestrange في كتابه الذي ألفه في اواسط القرن الثاني عشر ميلادي(؟ ـ 1150) سبب اطلاق اسم كردستان على هذا الجزء من بلاد الكرد من قبل السلطان(سنجر) السلجوقي وهي من المراكز الغربية لإقليم الجبال(Jibal) والتابعة لكرماشان وجعلها ولاية مستقلة اطلق عليها اسم كردستان ثم وضعها تحت سلطة ابن اخيه سليمان باشا الذي حكم هذه الولاية للفترة(1156ـ1161م) ويقول لوسترانج ـLestrange ان قيام السلطان سنجر بهذا التغيير الاداري لم يكن عفوياً بل كان له مغزى سياسياً حيث ان الاكراد في عهده كانوا قد وصلوا إلى أوج الشهرة والسلطة في أراضيهم وكانت مدينة(بهار) التي تبعد عن شمال مدينة(همدان) بثمانية أميال،عاصمة.
مصطلح الكرد لدى المؤرخين والجغرافيين المسلمين والعرب
مصطلح(الكرد) تم اطلاقه على الشعوب الايرانية التي سكنت في مناطق الخلافة الاسلامية إذ كانوا يستخدمون دائماً صيغة(الكراد) و(الكردي) اما صيغة(الكرد) بالمعنى العلمي التاريخي للكلمة فنادراً ما استخدمت. وفي نهاية القرن التاسع عشر ظهرت وجه نظر في دراسات المستشرقيين ومفادها بان مصطلح(الكرد) في المصادر العربية يعني القبائل التي تتكلم اللغة الايرانية وتعيش في الجبال وتحيا حياة الرحل(البداوة) ويتجلى هذا الرأي في ابحاث(نولدكة، بارتولد، مينورسكي، يلتشيفسكي، ليمبتون، اكوبوف، فاسيليفا وغيرهم) وان دراسة المصادر العربية تجيز لنا الاستنتاج بأن مصطلح(الكردي) كان يحمل معنى محدداً مثل(بدوي، مربي المواشي) ولقد استخدم بهذا المعنى في مؤلفات الجاحظ ، والدينوري، والطبري، وابن الاثيرن وغيرهم). ويقول الباحث ارشاك بولاديان بان مثل هذه المعلومات في المصادر العربية مستقاة من التقاليد الايرانية المحلية ولاسيما من كتاب(كارنامة أردشير باباكان) وهو كتاب يحتوي مآثر أردشير بن بابك والمكتوب في القرن السادس وهو مجموعة من الحكايات التاريخية والأسطورية مكتوبة باللغة الفارسية القروسطية عن ملك الملوك الساساني الاول. وبالاضافة إلى ذلك استخدم مصطلح(الكردي) بعض الاحيان بالمعنى السلبي وكأنه شتيمة.
ولدى البحث في المؤلفات العربية والاخرى يتبين لنا بأن مصطلح(كرد) في القرون الوسطى كان يعني أيضاً البدوي ومربي المواشي وقد ظهر هذا الاتجاه بالدرجة الاولى لدى الشعوب الايرانية نفسهان فمثلاَ حمزه الاصفهاني(القرن العاشر) يقول بان الفرس قد سموا الديلميين اكراد طبرستان والعرب سورستان وتحت تأثير الايراني استخدم المؤلفون العرب فيما بعد كلمة(الكرد) بهذه المعنى وهذه الصيغة)).
ان تاريخ الكرد في العصر الوسيط يكتنفه الكثير من الصعوبات والتعقيدات فليس لدينا كتابات لمؤلفين قدامى متخصصون بهذا التاريخ وان كثيراً من المؤلفات التي تطرقت إلى القبائل والعشائر الكردية من العلماء المسلمين والعرب مع الأسف لم تصل إلينا الأ القليل وعدّت من جملة الكتب المفقودة ولو وجدت لما حدث هذا الغموض لتاريخ الكرد وهم احد الاقوام القديمة والعريقة في المنطقة.
كذلك تطرق العلماء المسلمون واخرون الى الشعب الكردي ومنهم ابن جبير(المتوفي في عام 1183م) والادريسي، وابن حوقل، والبلخي، وحمدالله المستوفي القزويني(وهو فارسي الأصل) في كتابه الموسوم بـ(نزهة القلوب في المسلك والممالك) الذي الفه في القرن الرابع عشر الميلادي تحدث بشكل مطول عن الشعب الكردي وعن ولاية كردستان.
والاصطخري(المتوفي في عام951) واليعقوبي(المتوفي في عام 897) والمسعودي يصف الأكراد بانهم شعب ذو طباع حادة. وحسب المصادر العربية فقد كان للاكراد لغتهم التي تحتوي على لهجات عديدة ، ويورد التنوخي(من القرن العاشر) اللغة الكردية في سياق اللغات العربية والرومية والافرنجية والصقلية والخزرية وحسب المعلومات المتوفرة لدينا فإنه لم يكن للأكراد أدب مكتوب في الفترة الممتدة ما بين القرنين السابع والعاشر، وكانت المؤلفات الأدبية التي وصلت إلينا باللغة الكردية ومكتوبة بأحرف عربية تعود للقرنين العاشر والحادي عشر وقد عوض الابداع الشعبي المنقول شفاها عن غياب الأدب المكتوب. والطبري (838ـ942م) في كتابه الموسوم بـ(الرسل والملوك) وابو دلف(المتوفي في عام 942م) وياقوت الحموي يؤكدون على انه كان في شهرزور وحدها مشاتي تتسع لأكثر من ستين الف عائلة كردية. وتسكنها القبائل الجلالية والباسيان والحكمية والسولية ولهم بها مزارع كثيرة.
وينتقد الدكتور فرست مرعي لما أورده ياقوت الحموي من مزايا سيئة للكرد اعتبرها من شيم الكرد بقوله:((…ان الأكراد من جبال تلك النواحي(يقصد الشهرزور) على عاداتهم في اخافة أبناء السبيل وأخذ الاموال والسرقة ولاينهاهم عن ذلك زجر ولايصدهم عنه قتل ولا أسر. وهي طبيعة للأكراد معلومة وسجية جباههم بها موسومة، وفي ملحٍ الأخبار التي تكسع بالاستغفار ان بعض المتطرفين قرأ قوله تعالى: الاكراد أشد كفراً ونفاقاً فقيل له: الا ان ما جاء في الآية الآعراب أشد كفراً ونفاقاً. فقال: ان الله عز وجل لم يسافر إلى شهرزور فينظر إلى ما هنالك من البلايا المخبأت في الزوايا، وانا استغفر الله العظيم في ذلك وعلى ذلك…)).

التآخي