Mamma Mia

هذه ليست سطور دعاية للفلم السينمائي ، الذي يحمل عنوانه هذا النص ، وعرض في كثير من دور السينما العالمية ، وحقق نجاحا تجاريا ملفتا للنظر ! وليس دعاية لأغنية لفرقة الروك الموسيقية السويدية ، الذائعة الصيت ، والتي لاقت رواجاً عالمياً في سبعينيات القرن العشرين ـ الماضي ـ حتى بداية ثمانينيات نفس القرن ، والمكونة من رجلين وامرأتين ، والمسماة “ABBA ” ، …
تيمنا بالأحرف الاولى لكل فرد من أفراد الفرقة ، وهو ايضا اسم شركة للسمك المعلّب وافقت على إعطائهم الاسم …

وبالاستفادة من اغاني فرقة ABBA ، التي لم تفقد حيويتها رغم الزمن ، بنى الفلم المذكور قصته ، ولولا هذه الاغاني لكان مجرد فلم ميلودرامي بحبكة ساذجة !
ان لم يكن هذا حديثا عن الفلم او عن الفرقة الموسيقية ، فما الذي تريد قوله هنا ، وبلادك تلتهب ، واحداثها تتصدر نشرات الاخبار في كل مكان ؟ فالعراق من ازمة الى ازمة ، ومن ملف ساخن الى اخر ، وجنود الاحتلال لا زالوا يساومون على الرحيل ، وساسة الطوائف يتقاتلون لاقتسام الكعكعة تحت ظل ستار ايات قرانية وحوقلة وبسملة ، وانت بشئ من البطر تضع عنوانا كهذا ـ وبكلمات اجنبية ـ لنص يبدو انه ولد في لحظات عاطفية ، و …
فلم “Mamma Mia” ، ذو القصة البسيطة ، السلسلة ، ينقل المشاهد ، وبانسيابية ، الى جزيرة يونانية صغيرة ساحرة ، ومجهولة ، …
نقلت الوكالات انه بفضل هذا الفلم بالذات صارت محطا لرحلات السواح …
وهناك تقيم ” دونا “، المرأة التي تجاوزت سن الشباب ، تدير فندقا للسواح ، ولعبت دورها ببراعة الممثلة ، الستينية العمر ، المتألقة دوما ، “ميريل ستريب” …
تقول الاخبار ايضا ان ميريل ستريب للتو نفضت عن نفسها غبار ثياب الام من مسرحية “الأم شجاعة وأبناؤها” لبرتولد بريخت .
واذ تعثر ابنة دونا ، وهي الصبية ، الحلوة ، المغناج ، العابثة ، المقبلة على الزواج ، على دفتر مذكرات امها ، وتعرف ان لامها ثلاث عشاق في فترة متقاربة قبل الحمل بها ، وتتعرف الى عناوينهم ، تقرر الصبية ـ العروس ـ دعوتهم معا الى حفل زفافها في الجزيرة ، من دون علم امها ، بحثا عن ابيها المجهول .
وانت ، عن ماذا تبحث في هذا النص ؟
كانت زوجتي ، ومن محل عملها ، حصلت على بطاقات دخول للسينما بسعر مدعوم للموظفين ، فدعتني …
زوجتك طبعا
طبعا ! دعتني زوجتي الى مشاهدة فلم سينمائي نختاره معا . اعجبني الامر ورحبت به فورا . لاكفر عن تقصير ـ نسبي والحمد الله ! ـ بسبب انشغالاتي المتكررة ، حيث وعدتها منذ شهر باصحطابها الى فلم او مسرحية . وها قد حانت الساعة للتعويض .
الان … الان ، وليس غدا !
وهاتفني صديق ليطمأن على صحتي ، واذ سألني عن برنامجي في عطلة الاسبوع ، اخبرته بنزق ـ استيقظ فجأة دون مقدمات ـ بأني ساصحب زوجتي الى السينما وسأختار مقاعدا في اخر الصفوف و… ” انزل بوس “. قال لي بشئ من الخباثة : ” الا يوجد عندكم مكان في البيت لذلك ” ؟ فخرب لي نزقي ومحاولة استحضار ذكريات بريئة ، يوم كنا ــ ونحن في اول درب العواطف ــ نهرب من المقاعد الدراسية لنختلس قبلات وجلة مع حبيبات حائرات، بعضهن كان يكتب رسائل الحب ـ وبعلمنا ـ بالاستفادة من كتاب ” الرسائل العصرية في كل المناسبات”.
اتريد ان تقدما لنا في هذه المناسبة حديثا عن مغامراتك العاطفية الاولى ، وكيف كنت …
اعرف ان الجزء الاكبر من بهجتي لمشاهدة فلم “Mamma Mia” يأتيني من فرقة ABBA . تلك الفرقة التي انطلقت عام 1972 لتغزو موسيقاها العالم ، ورغم توقف الفرقة عن الغناء منذ حوالي ربع قرن ، لازالت موسيقاها تصدح في كل مكان .
اتريد منا ان نشاركك البهجة ؟ أم تريد …
… ، كانت ايام الدراسة الجامعية في البصرة . منتصف سبعينات القرن الماضي . سنوات صعود نجم فرقة ABBA وغزوها العالم . وكنا في اول شبابنا ، مترعين بالاحلام والامال ، نحلم ببناء حياة سعيدة ، نحلق عند حواف الحلم مع كل فجر يوم جديد . وكان العفلقيون مسعورون من حولنا ، ينهشون الوطن ، ويكشرون عن انيابهم لبناء دولة الحزب القائد ، الذي صار فيما بعد الحزب الاوحد ، معمما سياسة ” انت بعثي وان لم تنتم “!
بدأ طحن الحبوب الخشنة …
يوما ، جلبت لنا زميلة من اهالي بغداد شريطا موسيقيا جديدا لفرقة ABBA . فصارت اغانيه لنا مثل الاناشيد الوطنية . لم يبق احد من حولنا لم يستنسخ هذا الشريط . كان البعثيون مندهشين من ولع الطلبة ، وخصوصا الشيوعيين واصدقائهم بهذه الفرقة وتشجيعهم للطلبة للاستماع اليها ، فظنوها ـ لا تعجبوا ـ … فرقة شيوعية !
ربما ظنوا “بيني اندرسون” ، عضو الفرقة بلحيته الخفيفة حفيدا لكارل ماركس ؟ !
مع وصول اغنية “Mamma Mia” ، فان النغمة واللحن استهوى العديد من الاصدقاء . كان كاظم هاشم ، ووافي كريم مشتت ، واذ يعرفون ان امك اسمها “عطية ” ، راحوا يغنون لك كل مرة ، مشاكسين : “Mamma Mia” … يا ابن عطية … وين تروح اليوم ؟ ”
اوه ه ه ، كيف رهموها ؟ ها ها ها ها
Mama mia, now I really know
my my, I could never let you go
حين اضطررت لترك العراق صيف عام 1979 الى الكويت ، هربا من بطش البعثيين ، وفي طريق هروبي الى اليمن الديمقراطية ، بعد فترة من ذلك ، اخذت مجموعة من الاشرطة الموسيقية من اسواق الكويت ، منها مجموعة من الاشرطة الموسيقية لاغاني تراثية عراقية ، يتقدم ذلك ـ باقتدار ـ المطرب الخالد ابو كاظم ـ داخل حسن …
كنت تقول لحبيبتك اياها صاحبة المقاعد الخلفية في السينما “احب عيونك وداخل حسن والباميا ” ، فكانت تعتبرك شاعر سيريالي !
ومع داخل حسن ، كان هناك شريطان اجنبيان فقط ، الاول لفرقة Bony M ، والثاني لفرقة ABBA . وهكذا وصلت ” ملكة الرقص ” Dancing Queen معي الى سواحل عدن اولا ، ثم عبرت الى اطراف الربع الخالي، هناك حيث عملت معلما للتأريخ ، وكانت حياة المعلم مستهدفة من قبل اعداء تجربة اليمن الديمقراطية .
رفيق لك يشاركك السكن ، في لحظة عبث ، وسط وحشة وضيم وهجير الصحراء ، كتب رقعة ووضعها امام البيت كتب فيها : “من هنا مر عنترة” !
لم نعثر انا وزوجتي على مكان في اخر الصف. جلسا في يسار الوسط. وافقت فورا ـ على الاقل فيه رائحة يسارـ كانت قاعة السينما صغيرة نسبيا ، ولا تسمح بأي نشاط خططت له سواء بدافع النزق او تحت مشاعر رومانسية.
يبدو انك تخطط لنقلة ما ؟ تريد ان …
ما ان بدأ الفلم حتى اشعلت الموسيقى الساحرة النار في دمي ، وقادتني ـ رغما عني ـ بعيدا … بعيدا . خارج حدود سماء القطب الثلجية وبردها القارس والنهارات القصيرة وطقس خليج بوتاميا المتقلب . الى سماوات النخل والبلوط . الى فضاءات تعيش جذوتها تحت رماد الايام . لم اكن احتاج سوى الى ريح خفيفة لنفخ ذلك الرماد . احيانا يكون ذلك كأس مع صديق ، او صورة قديمة ، واحيانا يكون صفحة من كتاب ، او قصيدة …
هذه المرة كان فلم Mamma Mia ؟
بالضبط . وبالذات موسيقى الفلم ، الاغاني الساحرة لفرقة ABBA ، الفرقة التي تعني لي موسيقاها كل تلك الايام . قادتني الى تلك اللحظات الراسخة في الروح . الى ايام السماوة والبصرة . الى بستان “ال محمد علي ” وشارع كورنيش العشار وظلال اشجار الكالبتوس . الى شجرات البمبر والاشرسي و” حلوة حاج عباس” . الى غرين الفرات وجسر السماوة الحديدي ، وشط العرب والطبكة وملزم زوارق الصيادين وتمثال بدر شاكر السياب . الى بحيرة ساوة واطلال اوروك و”عمارة النقيب “. الى ازدحام سوق السماوة المسقوف وسوق الهنود وضجيج ام البروم ومساءات شارع “ابو الستين “. كان نخل السماوة يظلل قامات السمراوات ، وكان “تومان” يدور بدل بيرس بروسنان Pierce Brosnan يغازل ميريل ستريب ، التي كانت ـ وبمسحة من وقار ـ تغني وترقص وتنط مثل فاتنة في العشرين . كانت “ملكة الرقص” الباحثة عن ملك تراقصه .
You can dance, you can jive,
having the time of your life
See that girl, watch that scene,
dig in the Dancing Queen
الطاقة التي تملكها موسيقى فرقة ABBA تدب في اجزاء الفلم فتمنحه الحياة . الهبت الموسيقى في الفلم سكان الجزيرة اليونانية الساحرة . فبدوا مسحورين ، مثل مصابين بحمى طاعون اسمه موسيقى ABBA .
وانت ؟
كنت محموما ارتجف في مقعدي . كنت الوحيد الذي دفع بجسمه الى الامام كأني اريد اختراق الشاشة للتوحد مع الموسيقى الساحرة . لادخل في عمق الشاشة واكون واحدا من الراكضين والقافزين في مياه البحر . كانت كل حواسي متوثبة مع كل خفقة موسيقى ، ومع رجفة كل عين من ابطال الفلم . كنت داخل الفلم وبعيدا عنه . كنت هنا وهناك ـ آآآآآه من هناك ـ كانت زوجتي كل مرة تسحبني بهدوء لاسند ظهري الى المقعد ، وكنت ادفع بجسدي الى الامام . احاول اخفاء دموعي عنها .
هنا سُكبت العبرات ، و …
نزلت دموعي دون قدرة على ايقافها . بذلت جهدا لاتماسك . خفت ان اجهش بالبكاء فأبدو غريبا وسط هذا الجو الموسيقي الساحر. هؤلاء الاوربيون مستمتعون بروح الموسيقى وبخفة الاجساد الراقصة. تنطلق احيانا ضحكات من حولي عند مواقف فيها لمسات كوميدية تمر في احداث الفلم . وكانت روحي ملتاعة ، مثل سمكة اخرجت من الماء ، مرمية هناك عند ظل نخلة في التنومة . عند ظل حائط في خمسة ميل .على مقعد في مقهى “علي زغير”. عند تقاطع شارع العيادة الشعبية مع شارع “ال مصيوي” .
الالوان بدأت تتداخل …
كانت موسيقى فرقة ABBA تسحبني من مكاني وتعيدني الى تلك الايام ، تدفعني الى الجري في شارع الوطني لالحق بفاتنة لاتملاها ، في شارع ابو الستين لادس رسالة حب في دفتر تلميذة صرعتني عيناها ، في ساحة سعد لتسليم ترحيل حزبي ، عند محطة قطار السماوة لانتظار صديق ، …
ولون الحنين هو الطاغي …
تدور بي الموسيقى عند المقاهي الطلابية والمطاعم الفقيرة ، في المكتبات والمسارح ، وفي غرف الاجتماعات الحزبية وقاعات الدراسة ، لتلمس تلك الوجوه النضرة التي غابت عنا ، وسرقها منا العسف البعثي العفلقي ، وحلقت خالدة في سماء الشهادة ، واثقة في موكب الشمس : جمال وناس ، طالب عبد الامير ، وافي كريم مشتت، حسن مرجان ، هاشم كاظم ، زهير عمران ، رضية السعداوي ، …
ربما علي الان ان الملم كلماتي واتوقف عن مشاكستك ؟
كنت اتلمس بدموعي تلك الوجوه ، التي افترقنا عنها بالرغم منا : عطا راشد جادل ، زيدون غالب ، صباح اسكندر ، سهيلة حسن ، سمير لعيبي ، …
انت تريد ان تورطني ؟
لا ورطة مع الحنين . ليس سوى الوفاء والذكرى . ليس سوى الدمع والعهد . ليس سوى الغضب والاصرار على مواصلة التحليق لتلمس حواف ذات الحلم الذي لاجله بذلت الاسماء الراحلة حياتها ، والغائبة كل جهدها وطاقتها. ليس لنا مع الحنين سوى الامنية والحلم .الامنية بان تتحقق احلامك بأن يوما اخر قادم لا مكان فيه للقتلة والظلاميين !
When I know the time is right for me
I will cross the stream – I have a dream



سماوة القطب ـ منتصف اب 2008
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* النصوص بالانكليزية مقتبسة من اغاني فرقة ABBA .
** عن مجلة الثقافة الجديدة العراقية العدد 328 / 2008