الرئيسية » مقالات » أيادي الكرد نظيفة و رؤوسهم مرفوعة

أيادي الكرد نظيفة و رؤوسهم مرفوعة

تستمر السلطات العروبية البعثية الحاكمة في سورية في تطبيق سياسة إنكار الوجود القومي الكردي في سورية, وتتابع ممارسة القمع والإفقار المبرمج في جميع المناطق الكردية. و تحتفظ في معتقلاتها بعدد كبير من الوطنيين الكرد الذين يدافعون عن هويتهم القومية ضمن إطار الدولة السورية. و تمنع هذه السلطات على الشعب الكردي المشاركة في الثروات الطبيعية التي تنتجها الأراضي الكردية, وترفض هذه السلطات على النخب الكردية حقها وواجبها في المشاركة في صنع القرار السياسي أو المساهمة في إدارة البلاد.
فبعد أن تم إقصاء الكوادر الكردية عن المراكز القيادية في الجيش، و بعد أن تم تجريد قسم من أبناء الشعب الكردي من الجنسية السورية منذ عام 1962، و بعد الاستيلاء على الأراضي الكردية باسم الاشتراكية العربية، و بعد تغيير الكثير من المعالم الجغرافي الكردية، وبعد اتخاذ الإجراءات العنصرية التي تمنع على الأكراد التصرف بملكياتهم العقارية بدون موافقات أمنية، تحول الأكراد على أراضيهم إلى أسرى بيد القيادات الأمنية العروبية في سورية.
بعد أن تمكنت النخب المتعاقبة على الحكم في سورية من إضعاف النخبة الكردية، و بالتنسيق مع الأوساط العنصرية في الدول الأخرى التي تتقاسم الأكراد و بلادهم، دخل الاضطهاد ضد الكرد مرحلة رهيبة و خطيرة جداً. إذ لم تعد تكتفي الحكومة الحالية بما وصلت إليه حالة الكرد في سورية، بل تلجأ إلى أسلوب التصفية البدنية. و هذا ما حدث بشكل واضح منذ 2004، بعد توثيق العلاقات الأمنية المعادية للكرد مع السلطات العنصرية الحاكمة في تركية.و رغم ذلك شارك و يشارك أبناء الكرد في الدفاع عن هذه الدولة التي لا تنظر إليهم إلا كغرباء و دخلاء.
وبعد أن استطاعت الزمرة الحاكمة حالياً، مسخ القوى العربية الوطنية الجنينية في الداخل، و تمكنت من شراء صمت القوى الأجنبية على حساب المصالح الوطنية العليا لكل السوريين، شددت هذه الزمرة من جديد الإجراءات القمعية بحق أبناء الشعب الكردي واستفردت بنخبته الوطنية. لأنها تدري بأن الشعب الكردي، بحكم معاناته ودرجة تنظيمه، يمكنه لعب دور المحرك الأساسي للتغيير الديمقراطي في البلاد.
و لم يعد يمر يوم دون أن نسمع بقتل كردي، أو بإجراء تعسفي أو عنصري بحق أبناء الشعب الكردي في سورية، و أصبحت الاعتقالات و الاتهامات المختلقة والمحاكمات الصورية من الممارسات اليومية للأجهزة العروبية في سورية.
وبات واضحاَ للجميع بأن الحالة المعاشية السيئة التي يعيش فيها الكرد في سورية قد توصلت إلى حد مأساوي. و يبدو لكل المراقبين بأن الهدف الوحيد للسلطات العروبية المركزية وممثليها في المناطق الكردية هو محاولة القضاء على الوجود القومي الكردي في سورية، عبر وسائل التجويع و القمع و التهجير.

هذه السياسة اللاوطنية و الممارسات اللانسانية تجاه أبناء الشعب الكردي، يمكن تفسيرها بطبيعة النخبة التي تتحكم بمقدرات البلاد و بمصير العباد في سورية. فهي، بحكم مرجعياتها الفوقوطنية، لا تعتبر سورية وطناً، و لذلك تسترخص بحقوق و حياة الوطنيين، و بشكل خاص الكرد منهم.
و لا يمكن مقارنة الوطنيين الكرد، بكل المقاييس، مع سماسرة السياسة و محترفيها الذين أضعفوا الوطن و لم يجلبوا للمواطنين إلا الفقر و الذل. إذ لم تتح لهم النخب العروبية فرصة المشاركة في الحكم، فلم يشاركها الكرد في جرائم سلب البلاد و إذلال العباد. و لم تسمح النخب العروبية مشاركة الكرد في القيادتين العسكرية و السياسية، و بالتالي لم يتمكنوا من مشاركة النخب العربية في هدر الطاقات السورية، أو في خيانة التفريط بالسيادة الوطنية على أجزاء من الأراضي السورية.
فالنخبة الحاكمة في سورية لا تعترف عملياً بسورية كوطن، و لا تعترف بالسوريين كمواطنين شركاء في هذا الوطن، و من هذا المنطلق تسترخص هذه النخبة أرواح المواطنين و حقوقهم، و خاصة المواطنين الذين تمت حرمانهم من أية قوة زاجرة، كالمواطنين الكرد.
إن أنصار و مناضلي الأحزاب الكردية المعتقلون في سورية، لم يتنازلوا عن السيادة الوطنية على أية بقعة من الأراضي السورية، ولم تتلطخ أياديهم بدماء شركائهم السوريين من أية طائفة أو قومية كانوا، ولم يسرقوا المال العام، و لم يسلبوا حقوق أو حرية أي سوري كان ، و يطالبون بما فيه تقوية سورية كوطن لكل السوريين، فأياديهم نظيفة و رؤوسهم مرفوعة.
النظام السياسي الحالي في الدولة هو ذات طابع مركزي ذات سلطات ممركزة، ويستند في شرعيته المعلنة على المرجعية القوومية، فهو لا يتناسب مع الواقع السوري المبني على تعددية الانتماءات القومية و المذهبية و الولاءات المناطقية، و لذلك يتم الاعتماد على العنف المفرط كأسلوب لاستلام الحكم و لممارسة السلطةً.
تتم ممارسة العنف على الشعب السوري عموماً، إلا أن العنف بأشكاله المختلفة يزداد بشكل خاص ضد الكرد في سورية . و بالتأكيد لن يتمكن هذا العنف من إنهاء الوجود الكردي الأصيل في هذه البقعة الجغرافية، لكن تخفيف المعاناة يتطلب المزيد من الجد و الاجنهاد من قبل النخب الكردية و النخب الديموقراطية السورية. فالآن يدفع أبناء الكرد باهظاً ثمن وطنيتهم و نضالهم من أجل قوة الوطن وعزة الشعب، و الواجب الوطني يفرض على كل القوى السورية مشاركة الكرد في نضالهم من أجل نظام لامركزي ديموقراطي يحترم وجود و حقوق كل مكونات الشعب السوري.