الرئيسية » مقالات » قراءة هادئة لما أفرزته صناديق الاقتراع!

قراءة هادئة لما أفرزته صناديق الاقتراع!

قبل ايام، وعقب ظهور اسماء الفائزين، كتبنا مقالا حول النتائج النهائية التي حصلت عليها الكيانات السياسية المشاركة في العملية الانتخابية، والتي على أساسها تم أختيار أعضائهم وممثليهم في مجالس المحافظات، وأن ما يهمنا من هذا الموضوع بشكل أكثر تحديداً هو ممثلي مجلس محافظة نينوى. فكتبت مقالات عديدة، وتحليلات متباينة، واستنتاجات غير قليلة، ومطاليب مشروعة واخرى مشروعة بتحفظ، وراح البعض لحد التفاؤل المفرط، والبعض الآخر أكتفى بالتفاؤل، والكل محق حسب رؤيته، ولكن الامر لم يخلوا من التحفظ بعدم الاستعجال في الحكم. وفي رأيي فإن الحق مع هؤلاء الذين يؤكدون التأني في الحكم على النتائج، لأن الامر فعلا بحاجة إلى تأني وعقلانية وتصور كامل لمختلف الملابسات التي قد تظهر هنا و/أوهناك، والتي لم يتم التحسب لها، ومن الممكن أن تطفو في اي وقت في المستقبل لتعلن عن مفاجآت.
فلا يعقل بأن لم نتعلم لحد الآن من تجربة العراق طوال هذه الفترة، وخاصةً من جميع هذه المفاجآت التي كانت تبدو لنا مخفية وكانها لا تستحق الاهتمام، فإذا بها تظهر فجأة على السطح لتنسف البناء راسا على عقب (كما هو الامر بشأن قرارات مجلس النواب بشأن حقوق الاقليات). وفي تصوري، فإن جميع المخطئين بحق الشعب سيدفعون الثمن غالياً إذا لم يراجعوا تاريخهم الحقيقي ويصلحوا من مسيرتهم، وأن المجتمع سيدفعِهم الثمن. وعندها سيكون حكم الشعب قاسياً، ليس بحسابات القساوة المادية، وإنما سيغير البوصلة ويعيد اتجاهها نحو الصحيح.
فالنتيجة كانت 19 صوتاً لقائمة الحدباء الوطنية، و12 صوت لقائمة نينوى المتآخية، و3 للحزب الاسلامي، والكوتا لكل من الحركة الايزيدية من أجل الاصلاح والتقدم، وقائمة عشتار، وقائمة الشبكي المستقل بممثل واحد لكل كيان ليبلغ العدد الاجمالي بما مجموعه 37 ممثلاً. هنا يجب أن نقف أمام هذه الارقام، وفي الحقيقة لست خبيرا حول هكذا أمور، ولكن لا بأس من مناقشة الامر للفائدة، ولعل هناك مَن يضيف على قولنا ويغنيه بما اخفقنا فيه من التحليل.
فالرقم 19 من أصل 37 يعني ببساطة، النصف زائداً واحد (18+1)، وهذا حسب معلوماتي يكفي كنصاب قانوني لاختيار المناصب المهمة فيما إذا كانت الامور ستجري حسب هذه القاعدة. والحالة هذه ستعزز أكثر في حال ضم الحزب الاسلامي وممثل الحركة الايزيدية من أجل الاصلاح والتقدم (وهو أمر متوقع)، إلى جانب قائمة الحدباء في هذا الاختيار بأربعة أصوات إضافية ليصبح عدد أصوات قائمة الحدباء 23 من أصل 37 صوتاً (أي النصف زائداً 5)، مستبعدين الشبكي المستقل وقائمة عشتار التي هي الاخرى قد تكون في صف قائمة نينوى المتآخية، أو سيكون لهما رأي آخر. ولكن لابد لهما من التحالف مع جهة معينة ولو بالحد الادنى من التوافق، أو على أساس المصلحة العليا للمحافظة، أو قد تتطلبها مصالحهم الخاصة. وفي جميع الاحوال فإن الصوتين الاخيرين (عشتار والشبكي) سيكون لهما تاثيراً كبيراً في بعض الحالات التي قد تظهر كما قلنا فيما إذا حصلت مفاجآت آنية غير محسوبة، وخاصة في المفاصل التي تحتاج إلى قرار يتطلب موافقة ثلثي مجلس المحافظة، وعندها سيكون القرار كاملا بيد قائمة الحدباء. ولكن لا يجوز الاعتماد كلياً في هذا الأمر ايضا على موقف الحزب الاسلامي الذي قد يكون مع قائمة نينوى، وضد قائمة الحدباء على قاعدة عدم الاهتمام بالجانب العرقي والقومي قياساً بالفكر الاسلامي الذي يدعو إلى دولة إسلامية بغض النظر عن القومية.
في الجانب الآخر، هناك 12 صوت لقائمة نينوى المتآخية (أي أقل من الثلث بدون صوت عشتار) وقد يضاف إليها ممثل قائمة عشتار ليصبح العدد الاجمالي في أقصى الاحوال إلى 13 صوت من أصل 37 صوتاً ليصبح الموقف أكثر قليلا من الثلث، ولكن غير فعّال وسيحتاج إلى جهد كبير وأحياناً تنازل أو تضحية. وهنا يجب أن نعلم أيضاً بأن السيد حجي حسن بيسو هو الآخر مرشح الحزب الشيوعي ضمن قائمة نينوى المتآخية، وبالتأكيد سيكون رأيه حسب ما تتطلبه مصلحة حزبه السياسي، على الرغم من أن ترشيحه كان ضمن قائمة نينوى المتآخية، وليس لصوته بدون تحالف أي قيمة تذكر. وبذلك قد يرجع عدد الاصوات في قائمة نينوى المتآخية (في بعض الاحيان)، إلى نفس العدد الذي بدأ به وهو (12 صوت، أي أقل من الثلث إذا استثنينا الموقف مع الحزب الاسلامي في حالات الطواريء)، وهو ما نعني به أيضاً في حالة ظهور مفاجآت غير محسوبة على أساس التقلبات السياسية ومتطلبات مصلحة الحزب المعني بالصوت.
في مثل هذه الحالة، كيف يمكن ترتيب المناصب الادارية؟ وكيف يمكن أن نتوقع شكل التركيبة الادارية في مجلس المحافظة (المحافظ، نائب المحافظ،، رئيس مجلس المحافظة، رئيس المجلس البلدي، رؤساء اللجان المهمة وغيرها)؟ فالمحافظ كمنصب هو معلوم ومحسوم أمره، ولكن قد يحصل أختلاف (أو خلاف)، بشأن أختيار نائب المحافظ أو رئيس مجلس المحافظة فيما إذا نفذ الجانب الكردي تهديده بالانسحاب في حال تم اختيار أثيل النجفي محافظاً ل نينوى. وكذلك من المحتمل أن يبرز خلاف (أو أختلاف)، في حال تم ترشيح نائب المحافظ من بين قائمة نينوى المتآخية فيما إذا كان المرشح من خارج المجموعة الإيزيدية، لكونها صاحبة العدد الاكبر من الممثلين ضمن قائمة نينوى المتآخية. وفي جميع الاحوال، لا أعتقد بأن قائمة نينوى قادرة على فرض اختيار المحافظ كشخص على قائمة الحدباء التي فازت بفارق كبير على بقية القوائم، سواء أختارت النجفي أو غيره لمنصب المحافظ الجديد. وفي ذات الوقت أؤيد ما جاء في مقال بير هادي على أن المكونات التي ساهمت في تفعيل قائمة الحدباء كانت لها نفس الغرض المشترك بإبعاد السيطرة الكردية وهيمنتها على واقع المحافظة منذ ست سنوات. عليه، فالاهداف اتفقت وقد تتفق مستقبلا على هذا الاساس.
وحتى لو تم التوصل إلى أتفاق في أن يكون نائب المحافظ من القائمة الثانية في ترتيب الفوز وهي قائمة نينوى، فلا أعتقد بأن هذا المنصب سيسند إلى أي من الممثلين الايزيديين الذين تم انتخابهم، وبالتالي سيصار إلى شخص آخر لم يتم الاعلان عنه لغاية الان (وهو مجرد تكهن واستنتاج). وهذا بالتأكيد سيغضبهم جميعاً وسيفتح باباً ليس من السهل غلقه على خلفية مئات المقالات والمواقف التي أشارت إلى عدم جدية الموقف الكردي مع الايزيديين، خاصة إذا ما عرفنا بأن هناك كلاماً يدور خلف الكواليس حول إقناع بعض الممثلين الايزيديين على التنحي ليحل محلهم أشخاص آخرين، وسيكون منصب النائب من بين تلك الاسماء حسبما تستدعيه (المصلحة العامة). وفي جميع الاحوال، يجب أن نعلم بأن الواقع الحساس على الأرض يتطلب المزيد من المرونة والتفهم والتضحية في أن لا يكون اختيار الاشخاص (رغم أهمية الشخص الذي سيتبوء المنصب)، هو أساس المشكلة بقدر ما يجب التفكير بالمستقبل الذي ينتظره الجميع. فلا يعقل بأن الشعب الذي أنجح العملية الانتخابية سيدفع هذه المرة ايضاً ثمن هذه الصراعات على السلطة وتعيين ناس ليس لهم القدر الكافي من المعرفة والكفاءة في إدارة شئون المحافظة (ليرجع الفساد بالتفعيل من جديد)، لمجرد أنها تتعارض مع فكر أو مصلحة الحزب أو الكيان أو القائمة المعينة، حتى ولو كان هذا المنصب على حساب المصلحة العليا لجميع ابناء المحافظة.
فلازالت هنالك احتقانات، وتداعيات المواقف تتفاعل بتحسب دقيق وتخوف أدق، ولا أعتقد بأن المكونات العربية التي فازت بقوة سوف تفسح المجال مرة أخرى للتواجد الكردي بالتسلط والهيمنة على مجريات المحافظة على خلفية العديد من التهم الموجهة عربياً للسياسة الكردية بحق ابناء المحافظة. وهو العنصر الاساسي الذي أجمع عليه المكون العربي بكل فئاته للحد من تلك الهيمنة وإرجاع الامور إلى نصابها العربي.
يبقى أن نقول، هل الممثلون الايزيديون سيتصرفون ك أكراد فقط، أو ك إيزيديين فقط، أم ك (كرد إيزيديين)، أو كعراقيين لا يهمهم سوى المصلحة العليا للوطن، فهذا بالتأكيد سيعتمد على تصرّف المقابل العربي. وأن المكون الايزيدي أصبح مهما في الحسابات السياسية لمحافظة نينوى بالذات، ولكن لحد الآن لم يصل إلى معرفة وحقيقة أمكانياته الهائلة. ومع جل احترامي لهم جميعاً، إلا أننا يجب أن نتكلم بواقعية وتجرد، بأن ليس لغالبيتهم تجربة وبٌعد سياسي متميز. وأن دخولهم في هذا العراك المعجون بالمقالب والتصيد سيكون له الاثار الكارثية على مستقبل الايزيدية إذا كان هناك تهوّر أو تصرف غير مدروس وغير محسوب العواقب، ضمن مجلس المحافظة.
وفي تصوري أيضاً، ولكي نرفع عن كاهلهم بعض العبء، فعلي القيادات الإيزيدية الدعوة لعقد إجتماع عاجل أو (مؤتمر عاجل)، وبمشاركة كردية فاعلة لوضع كامل الامر على بساط البحث والنقاش الاخوي الهادف والهاديء والشفاف. لان مصير الايزيدية وكذلك الوجود الكردي في المحافظة أصبح مرهوناً بما يحمله كاهل هذه النخبة وما سيقرره ويترشح عن تصرفات هؤلاء الاعضاء وخاصة في هذا الوقت، حيث انهم سيتكلمون كممثلين منتخبين دستورياً من عمق العملية السياسية والكلام الان مختلف عن الكلام العشوائي وإطلاق التصريحات الغير مسئولة. وعلى مواقفهم سيتوقف مصير مناطقنا المتنازع عليها وبالتالي الطلب بكل وضوح وشفافية من القيادات الكردية بحسم اي غشاوة بحيث يتم تثبيت الحقوق دستوريا وببنود وقوانين واضحة ليس فيها لبس لكي نتفادى الاجتهادات لأننا نتعامل بحقوق الاجيال. وهذا لا يعني بأني أشكك في النوايا ولكن الظروف التي مرت علمتنا الكثير، وعلينا أن نترك العواطف ونتعامل بواقعية مع المعطيات على الارض، لأن المطالب السياسة التي تثبت حقوق الناس ليست ملكاً خاصاً لأحد لكي يتصرف بها، وليس للمطالبة بها قصور ولا عيب، وهي أمانة تاريخية ثقيلة يحملها ناس أصبحوا مسئولين بتصويتهم لهم. وعلينا أن لا نخجل من طرح استحقاقاتنا بعدما أكدنا قدرتنا على تثبيت الوقائع على الأرض، ثم علينا أن لا نجعل من الفرص أن تذهب سدىً ومن ثم نلوم أنفسنا ونقول بأن الاخر استلب حقنا ونتهمهم بتهم نحن كنا جزءً أساسياً في تفعيلها. وإذا كان البعض يقول بأننا يجب أن لا نستغل الظروف الحالية ونضع القيادات الكردية في حرج، فعلينا الكف عن اللوم والمطالبة بوقوفهم بجانب قضايانا. فأنا لم أقصد بقولي هذا سوى أن المطلب حيوي لانه ضمانة لمستقبل كردستان أولا، والايزيدية ثانياً كمكون من المحتمل أن يصبح ضمن نسيجه، لأن أمر المناطق المتنازع عليها لازال يكتنفه الكثير من الارباك والشك والغموض، فهي متنازع عليها ولم يحسم أمرها لحد الان. وببساطة نقول بأنه يجب أن تكون كل السياسة في خدمة الانسان، وأن جوهر الانسان هو حقوقه. ومن الله التوفيق


القاهرة في شباط /2009