الرئيسية » مقالات » الكورد.. في المعادلة السياسية السورية -الاخيرة

الكورد.. في المعادلة السياسية السورية -الاخيرة

ج- موقف القوميين (التيار القومي خارج السلطة): أستطاع النظام السوري ومن خلال أجهزته الأمنية أن يقوم بتفتيت وتقسيم التيار القومي أيضاً كغيره من الكتل والتيارات والقوى الفاعلة وذلك بهدف التمكن من إدارة اللعبة السياسية في البلد ومن خلال تشتيت الأصوات – حتى أصوات التيار الواحد، وهنا التيار القومي العربي هو المقصود – بين عدد من أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية بقيادة حزب البعث العربي الإشتركي وبعض الأحزاب والقوى التي تعمل خارج تلك الجبهة في كتل سياسية أخرى مثل إئتلاف قوى إعلان دمشق وغيره. ولكن نود أن ننوه إلى نقطة أخرى – نعتبرها مهمة برأينا – ألا وهي: إننا لم نسمي هذه القوى والأحزاب القومية بالجبهة المعارضة كون أجندتها السياسية تتقاطع مع أجندة النظام وحزب البعث أكثر مما تختلف معه ويبقى التباين بينهم على بعض الأولويات والمقدمات وأحياناً يكون الخلاف على الوسائل والأدوات السياسية والصراع على السلطة (التجمع القومي الموحد) وليس على البرنامج السياسي، إلا مؤخراً.

وسوف نأخذ خطابين للقوى القومية – خارج السلطة – بعد أن رأينا موقف الحكومة وحزب البعث من خلال المشروع الأمني والذي قدمه الضابط في الأمن السياسي بمحافظة الحسكة (محمد طلب هلال) وذلك في بداية الستينات من القرن الماضي لقيادته السياسية في دمشق وقد قامت السلطات السورية بتنفيذ أغلبية تلك المقترحات الشوفينية بحق الشعب الكوردي في غرب كوردستان – كما رأينا عند تناولنا لموقف الحكومة السورية بصدد القضية الكوردية – أما أبرز الأصوات القومية خارج دائرة السلطة وجبهة البعث فإنها تبرز من خلال التجمع الوطني الديمقراطي ويمكن أن نقف على موقفهم من القضية الكوردية من خلال ناطقهم المحامي (حسن عبد العظيم) الأمين العام للاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي؛ حيث يرد في إحدى مقابلاته على سؤال: “أين تضع الحركة الكردية، على الخريطة السياسية السورية؟ أجاب: بطبيعة الحال هي الى جانب المعارضة الوطنية لأن للأكراد حقوقاً خاصة بهم لم يحصلوا عليها بعد، فمن الطبيعي ان يقفوا الى جانب المعارضة والعمل معها من اجل الحصول على هذه الحقوق، وكذلك من اجل حقوق وطنية عامة تخص معظم الشعب السوري، على الجميع من عرب وأكراد وآشوريين وغيرهم، ان يعملوا معاً لتحقيها. لكن في ذات الوقت لا نجد مانعاً من أن يحاور الاكراد السلطة من اجل حل مشاكل راهنة يعانون منها، مثل التجنيس، والسلطة قادرة اذا رغبت على حل هذه المشاكل، فنحن لا نشترط على الأكراد، ولا على غيرهم أن يقاطعوا السلطة، لأننا نحن أيضاً كمعارضة وطنية نطالب النظام بفتح الحوار معنا”. (من مقال الحركة الكردية السورية، بين السلطة والمعارضة بقلم: سليمان يوسف يوسف).

وهكذا فإننا نجد بأن الموقف من السلطة السورية ليس في حالة القطيعة وإنما هو قريب إلى المخاصمة؛ بدليل أنهم لا يمانعون من تعاطي الحركة الكوردية مع السلطات السورية، بل أنهم يطالبون السلطة بفتح باب الحوار معهم (كقوى معارضة). أما من حيث الموقف من القضية الكوردية – وعلى الرغم من إعترافه (حسن عبد العظيم) ببعض “الحقوق الخاصة” للكورد ومن دون توضيح تلك الخصوصية – فإنه لا يخرج (أي موقفهم السياسي) من إطار مفهوم “دولة المواطنة” ويصل الأمر ببعض رموزهم القيادية؛ بأن (يرفض مفهوم ومصطلح القضية الكوردية) بل حتى مصطلح (المشكلة الكوردية) غير مقبول لديهم وبالتالي فإن كل (المسألة) – برأيهم – تختصر في حل بعض الاجراءات المتخذة بحق “مواطنين سوريين من أصول كردية” مثل “إجراء الإحصاء في محافظة الحسكة” وقد رأينا مثل هذه المواقف من العديد من كوادر وقيادي الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي وذلك في لقاءاتنا الدورية معهم من خلال إجتماعات قوى إعلان دمشق.

أما الموقف القومي الآخر والذي نود أن نتناوله فهو موقف التجمع القومي الموحد والذي يقوده السيد رفعت الأسد؛ شقيق الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد وعم الرئيس الحالي. إن هذا التيار – إن جاز التعبير – يمثل وبكل جلاء حالة الصراع على السلطة من قبل أبناء العائلة الحاكمة ولكن بصبغة أيديولوجية قومية؛ كون النظام السوري (العائلة الأسدية الحاكمة وحاشيتها المنافقة) تتستر وراء هذه الأيديولوجية، فما كان من أبن العائلة (العاق؛ حسب وجهة نظر العائلة نفسها) إلا أن يتمرد – بعد أن تم التضييق على إمتيازات المافيات التابعة له ولأبنائه وأعوانه – وذلك في وجه (الأخ والعائلة) في صراعٍ على النفوذ و(شفط) إقتصاد البلد. وهكذا فما كان منه – بعد خروجه من سوريا – إلا أن أعلن عن تياره (التجمع القومي الموحد) وكذلك أطلق فضائيته (تلفزيون – ANN) وبالتالي ليعلن من خلالها عن (مشروعه القومي) ورؤيته لمستقبل سوريا عموماً ومن جملة ما توقف عنده – هو أيضاً – كانت القضية الكوردية وهي ما تهمنا في بحثنا هذا ولذلك فسوف نقف عندها بشيء من التفصيل.

لقد جاء موقف التجمع القومي الموحد بخصوص القضية الكوردية في مناسبات عدة وكان منها بمناسبة قيام الأجهزة الأمنية بإطلاق الرصاص الحي على تجمع نوروزي مساء (20 آذار 2008) وذلك على عدد من الشبان وهم يتحلقون حول نار نوروز وكان بنتيجتها ثلاث قرابين وعدد من الجرحى مما جعلت العديد من القوى والكتل السياسية أن تبدي وجهة نظرها بصدد المسألة وبالقضية الكوردية على وجه العموم وكان منهم موقف التجمع القومي حيث مما جاء في بيانهم الصادر بهذه المناسبة بما يفيد: بأن التجمع المعارض والذي يقوده نائب الرئيس السوري السابق رفعت الأسد “حذر من مضاعفات الأحداث الأخيرة في مدينة القامشلي التي راح ضحيتها ثلاثة شبان أكراد، ووعد بأن يطرح رؤية استراتيجية شاملة تتناول القضية الكردية بكل أبعادها والمنهج القومي الصحيح للتعامل معها في إطار حقوق المواطنة والإعتراف بالخصوصية القومية وحق تقرير المصير”. وكذلك قال التجمع القومي الموحد في بيان يوم الخميس إنه “لا يمكن أن يتجاهل مثل هذا الحدث بتفاعلاته التي قد تفتح الأبواب أمام جحيم يصطلي بناره الوطن كله في وقت تحتاج فيه الأوطان أكثر من أي وقت مضى إلى ما يرسّخ وحدتها الوطنية والقومية ويصلب بنيانها السياسي والإقتصادي والإجتماعي وسط نذير عواصف وزلازل على المستويين الإقليمي والدولي قد تجر أوطاناً بأكملها إلى بحور دم”. وهكذا فإننا نجد وعلى الرغم من إعتراف البيان “بالخصوصية القومية وحق تقرير المصير” للشعب الكوردي إلا أنه يحاصرها (أي الاعتراف ذاك) ضمن مفهوم “حقوق المواطنة” وهكذا مرة أخرى تكون الضبابية في الرؤية والإكتفاء بالتلميح دون التصريح، مع التأكيد؛ على أن موقفهم هذا يعتبر متقدماً على غيره من الرؤى والأطروحات.

ويضيف البيان السابق الذكر بـ”أن لغة الرصاص لا ينبغي أن تكون قابلة للتداول أو الإستخدام داخل المحيط الوطني ولا القومي وبين صفوف الشعب الواحد مهما تكن طبيعة الأزمات أو الإختلافات أو التناقضات أو المفاهيم لأن ذلك سيكون تكريساً لإعطاء لغة القوة والرصاص مشروعية سياسية عامة، واستبدال منهج الحوار الوطني بمنهج بديل آخر هو منهج الإحتراب الوطني سيقود إلى إشعال الفتن والخروج بها من محيطها الجغرافي إلى دوائر أجنبية واسعة”. ويرى التجمع أن “الإستخدام المباشر للرصاص الحي في سفك دم عدد من الشباب بادروا إلى إيقاد الشموع وغيرها من مظاهر الترحيب والبهجة بعيد النوروز أو الربيع إنما يعكس حالة مأزومة ومشدودة ومشبعة بالتوتر ينبغي التوقف أمامها وإستبطان أسبابها وتقديم العلاج اللازم لها قبل أن ينطلق في مواقف مماثلة رصاص أكثر ويُسفك دم أكبر”. وأضاف “لا يجوز من كافة جوانب المشروعية السياسية أو الأخلاقية أن يظل منهج التعامل مع القومية الكردية مستنداً إلى بحث عفا عليه الزمن كتبه ملازم في الجيش يدعى محمد طلب هلال عام 1963 بتكليف من أمين الحافظ وهو البحث الذي أُخذ في تنفيذ بنوده في منطقة الجزيرة السورية، بدءاً من عام 1965 بالتهجير والفصل والأحزمة العازلة(يقصد الحزام العربي – التوضيح من كاتب البحث) وإسقاط حقوق المواطنة”، و(مشدداً – البيان – على أن الروح الحية للقومية العربية) “لا تقبل نفي قومية أخرى لها تاريخها وتراثها وثقافتها ونضالها الإنساني”. (المصدر: PUKmedia يو بي آي).

وهكذا فإن ما نجده هنا؛ تأكيد آخر على أن رؤية التجمع القومي الموحد فيه من جرأة الطرح والواقعية في تناوله للقضية الكوردية أكثر من غيره بكثير، ولكن ما يفقد مصداقية أي مشروع من هذه المشاريع هو عدم الاتفاق على برنامج سياسي حقيقي يضم أغلبية أطياف المعارضة السورية، بما فيها الحركة الوطنية الكوردية وذلك لرسم السياسة المستقبلية والخطوات العملية للوصول بالبلد إلى بر الأمان والخلاص بحيث تصبح سوريا دولة المواطنة الحقة؛ دولة القانون والعدل ولكل مكوناته.

هولير – 27/2/2009