الرئيسية » مقالات » تحيَّتان..

تحيَّتان..

يبدو إن مفهوم ومقولة “أصبح العالم قرية صغيرة” لا يصح فقط في الجانب الاتصالاتي وثورة المعلومات وتقنياتها الحديثة، بل يصح أيضاً في الجانب الانساني منه أيضاً؛ فها هم أبناء شعبنا الكوردي – وعلى بعد أميال – يعيشون مأساة ومعاناة واحدة وإن أختلفت أساليب التعامل والتعاطي مع الحدث/ المأساة (فالموت واحد) وذلك من قبل حكومتين متباينتين في (كل) شيء ولا يلتقيان إلا على حساب “الدم الكوردي”؛ حيث في إحدى عواصم الديمقراطية (برلين) الاضراب المفتوح عن الطعام لعددٍ من أبناء جاليتنا الكوردية المنفية والمهاجرة قهراً بسبب سياسات النظام السوري القمعية وذلك تنديداً بالاتفاقية الأمنية السورية – الألمانية والتي وقع عليها كلٍ من وزيري الداخلية في البلدين المشار إليهما وكذلك هناك في الداخل السوري (غرب كوردستان) الاعتصام الجماهيري والذي دعت إليه قوى وفعاليات سياسية كوردية وغيرها وإن ما تقولها الصور والصرخات الأولى من الداخل، بأن هناك ملاحقات وإعتقالات أمنية بالجملة لعدد من الكوادر المتقدمة في الاعتصام المذكور.

حيث ذكرت موقع (كميا كوردا) في خبر عاجل لها اليوم (28/2/2009) بأن “الأجهزة الأمنية قامت باعتقال عدداً من المعتصمين تلبية لنداء الأحزاب الكوردية لم يتسنى معرفة أسماءهم جميعاً ومن بينهم عضو المكتب السياسي لحزب يكيتي الكردي في سوريا (سليمان أوسو) والسادة عبدالمجيد صبري والدكتور إبراهيم عباس حسين والدكتور فؤاد حنيفة والمهندس حسين إبراهيم أحمد ومحمد عيسى قاسم (أبو ولات) والمحامي بهاء الدين فاطمي في شارع فلسطين بالحسكة”. وأضاف الموقع في خبرها السابق “قد وقفت جموع غفيرة من المواطنين في أرجاء محافظة الجزيرة في تمام الحادية عشرة وسط تواجد أمني لم يسبق له مثيل وأكدت مصادر أن اعتقالات مماثلة جرت في قامشلو أمام جامع زين العابدين لم تتأكد أسماءهم حتى الآن وفي منطقة ديرك تم اعتقال كيف خش عيسى وفي الدرباسية اعتقال المحامي مسعود كاسو”. والقادم يبدو أعظم وأجل.

وكذلك فإن الخبر الآخر يفيد بأنه و”بالرغم من البرد القارس في العاصمة الألمانية برلين، تواصل مجموعة من أبناء الجالية الكردية السورية في ألمانيا بإضرابهم عن الطعام، وذلك لليوم الرابع على التوالي، حيث افترش المضربون عن الطعام الأرض والتحفوا السماء بإصرار ومعنويات عالية مؤكدين مضيهم قدما في اضرابهم المفتوح عن الطعام احتجاجا على الاتفاقية الأمنية المشؤومة التي وقعتها كل من وزارتي الداخلية في ألمانيا وسوريا، بهدف إعادة اللاجئين الكرد والعرب الى سوريا وتركهم ليواجهوا مصيرهم المحتوم في سجون وأقبية النظام السوري، وكما هو معلوم وخاصة للهيئات والمنظمات الدولية المهتمة بحقوق الانسان بان النظام السوري من الانظمة التي تنتهك حقوق الانسان ومن الانظمة التي تستخدم اساليب وحشية في التحقيق مع ضحاياه وقد شهدت المعتقلات السورية موت العديد من المعتقلين اثناء التحقيق والاستجواب”. (الخبر مقتبس من نفس الموقع؛ كميا كوردا)

وهكذا يبدو أن مقولة “لا أصدقاء سوى الجبال” بالنسبة لقضيتنا وشعبنا الكوردي ما زالت تفعل مفاعيلها، على الرغم من كسر حاجز (العزلة الأمنية) والتي كانت تفرضها الأنظمة الغاصبة لكوردستان وبأدواتها القمعية الاستبدادية وذلك بالنسبة إلى قضية التعامل مع الملف الكوردي وإعتباره – من قبل تلك الأنظمة – ملفاً داخلياً أمنياً ولا يحق للآخرين التدخل في شؤونهم الداخلية؛ حيث أن اليوم باتت القضية الكوردية إحدى أهم قضايا المنطقة، إن لم نقل أهمها، وخاصةً بعد تحرير العراق من جور وتعسف طغمتها الدكتاتورية السابقة وكذلك ما لعبته وتلعبه الديبلوماسية الكوردية في إقليم كوردستان (العراق) بصدد إيصال القضية الكوردية إلى مراكز القرار الدولي والاستراتيجي وليس على صعيد الإقليم فحسب وإنما على مستوى الأمة والجغرافية الكوردستانية وما قائم حالياً من تبادل الرسائل بين كلٍ من حكومة الإقليم والحكومة التركية إلا مثالاً عن الدور الذي تقوم به إقليم كوردستان وحكومتها للمساهمة في حل المسألة الكوردية في الأجزاء الأخرى من كوردستان.

ولكن يبقى للعامل الداخلي/ الذاتي أكبر دور في تغيير الأوضاع القائمة في بلداننا المبتلية بحكومات إستبدادية وذلك على الرغم من حالة القمع الأمني والذي أوصلت شعوبنا إلى نوع من الاستسلام والخنوع وما يمكن تسميته بـ(الموات السياسي) وبالتالي إنتظار (المهدي المخلص أو الخضر أو.. – حتى – غودو” ليخلصهم من حكوماتٍ لا تقيم وزناً إلا لمصالحهم ولأرقام أرصدتهم في البنوك الغربية. وهكذا فإننا نعي وندرك بأن لتلك الدول أيضاً – الأوروبية منها وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية – مصالح سياسية وإقتصادية مع حكومات(نا) العسكريتاريا الأمنية وبالتالي فهم حريصون للحفاظ على هذه الحكومات إلا أن (تأتي الساعة) وتكون مصالحهم قد تعرضت للتهديد والتقويض ولكن عليهم أن يدركوا أيضاً وبأنه مهما طال عمر الطغيان فلا بد أن يأتي ذاك اليوم الذي تذهب “به وبصاحبه”.

وأيضاً نطالبهم – الدول الغربية – لأن تحترم مواثيقها وتعهداتها لشعوبها – وليس لنا؛ حيث المعتر لا أحد يعاهده بشيء – وذلك بإحترامها لحقوق الانسان والأعراف الدولية وخاصةً (الاعلان العالمي لحقوق الانسان) حيث تقول المادة (13) منها: “لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه” وكذلك فإن المادتين (15و16) وعلى التوالي منها فإنهما تؤكدان على أن “لايعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة” و “لكل إنسان أينما وجد الحق في أن يعترف بشخصيته القانونية”. أما المادتين (9 و 14) من الاعلان المذكور نفسه فإنهما تقولان وعلى التتالي بأنه “لا يجوز القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً” و”لكل فرد الحق في أن يلجأ إلى بلاد أخرى أو يحاول الالتجاء إليها هرباً من الاضطهاد”. فهل بقيت للحكومة الألمانية – بعد كل هذا – حجة لأن تقوم بإعادة هؤلاء اللاجئين إلى سوريا، بل إلى الأقبية الأمنية كما أكدها الصديق والزميل مروان عثمان في مقاله الأخير (المضربون عن الطعام في برلين يفترشون شتات احلامهم واهمالنا لهم) وذلك عندما كتب: “ان ايقاف مسيرة تدفق اللاجئين الكرد لا يكون في عدم منحهم الملاذ الامن او بترحيلهم، وانما يكون فقط في ايجاد حل عادل للقضية الكردية ووقف مايتعرض له شعبنا الكردي من انتهاكات لابسط حقوقه الانسانية والقومية”.
وبالتالي – وأخيراً – نقول: وجب علينا أن نوجه هاتين التحيَّتن – وهو أقل ما علينا أن نفعله – إلى كلً من أهلنا في الداخل والمهجر لتصديهم البطولي لسياسات القمع والتنكيل والذي يمارسه النظام السوري بأجهزتها الأمنية المخابراتية ضد الوجود الكوردي في غرب كوردستان وحتى في المهجر. فألف.. وألف تحية لكل أولئك المناضلين.

هولير – 28/2/2009