الرئيسية » شخصيات كوردية » لقاء مع الفنان المبدع جعفر حسن *

لقاء مع الفنان المبدع جعفر حسن *


شرح الصور


صورة رقم 1 ـ الفنان جعفر حسن ـ من ارشيف الفنانصورة رقم 2 ـ الفنان جعفر حسن مع الكاتب يوسف أبو الفوز ـ تصوير أبو جيفارا



 


 



فترة حكم النظام الديكتاتوري الشمولي هي من عمر خراب الوطن والثقافة


تركة النظام الديكتاتوري اثمرت لنا اغاني البرتقالة والخيارة والباذنجانة


ادعو الى وضع مقاييس فنية لاختيار الاغاني وبثها


ادعو الجهات المعنية الى المبادرة لحماية المبدع العراقي من سرقة جهوده وابداعه




يوما ، في بغداد ، في سبعينات القرن الماضي ، في حفل زواج ، حين ترك اغلب الحاضرين وقارهم جانبا وراحوا يدبكون مع أغنية “عمي يا بو جاكوج ” واغنية ” اليمشي بدربنه شيشوف يا بوعلي ” سألتني امرأة عراقية ، وقور :


ـ من اين تأتون بهذه الاغاني التي تملك كل هذا السحر ، ولا نسمعها في الاذاعة أو نراها في التلفزيون ؟


بعد سنوات طويلة ، وعبر طاولة مجاورة ، في كافتريا مقر جريدة “الصباح الجديد ” في اربيل ، حيث كنت مطلع شباط 2009 في ضيافة زملاء احبة ، طارت اليّ ابتسامة مترعة بسحر الذكريات ، وسرعان ما شدت على يدي بحرارة تلك الانامل التي طالما قدمت لنا اعذب الالحان التي اجتاحت العراق والوطن العربي . قبل هذا، ولاخر مرة كنت التقيته على شواطئ مدينة عدن ، مطلع ثمانيات القرن الماضي ، حيث ضمت اليمن الديمقراطية اعدادا من العراقيين اللذين اجبرهم الطاغوت على ترك وطنهم . تنوعت وتعددت منافي جميع العراقيين . وكنت اتابع اخباره دائما . وهاهو الفنان الصديق جعفر حسن ينتصب امامي ، مفعما بذات النشاط والحيوية والدفء . واتفقنا على لقاء خاص بصحيفة طريق الشعب :


· ابو سلام ، أين هو جعفر حسن الان ؟


ـ موجود منذ 2004 في العراق ، في اقليم كردستان ، عملت مستشارا لوزارة الثقافة في الاقليم لفترة ، والان اعمل مستشارا فنيا لفضائية ” النهار ” التلفزيونية العراقية ومخطط لها ان تنطلق قريبا .


* وفنيا ؟


ـ حاليا انا مشغول بأعداد فواصل موسيقية وتايتلات لفضائية النهار .


· والاغاني الجديدة ؟


ـ لدي مجموعة من الاغاني الجديدة ، منها اغنية ” وديني للبصرة” ، من كلمات ستار الساعدي والحاني وغنائي. واغنية ” اهلي اكراد فيلية ” من كلمات فالح حسون والحاني وغنائي ، ومن كلمات الشاعر احمد فؤاد نجم والحاني اغنية ” يسعد صباحك يا وطني ” ، ….


· هذه الاغاني ، هل سيضمها البوم واحد ؟


ـ لدي مجموعة البومات انتجتها في الاونة الاخيرة ، تضم مجموعة من الاغاني انجزتها بالتعاون مع العديد من الاخوة الشعراء ، وبعض من هذه الاغاني صارمعروفا ومطلوبا في الحفلات . مثلا البوم ” الغريب ” ، ايضا لدي البوم اغانيه فقط من كلمات الشاعر احمد فؤاد نجم .


· هل ترى ان الاغاني الوطنية ، او ما عرف بالاغاني السياسة ، لا يزال لها جمهورها ؟


ـ صحيح ان الاوضاع تغيرت . الاجواء الان غير ما كانت في سبعينات القرن الماضي . ولكن لا زال هناك أيمان بان الناس تقبل الاغاني التي تتغنى بالوطن والمستقبل والامل والكادحين . وانا متـاكد لو ان الاوضاع الامنية مناسبة ونزلت بقيثاري الى الشوارع مع اربع موسيقين لالتف علينا الكثير من الشباب رغم كل ما يقال عن الاوضاع الثقافية الحالية السائدة في العراق .


· هل تعتقد ان لغة ” اليمشي بدربنه شيشوف … يو موت لو سعادة ” لا تزال ملائمة للوضاع الحالية ؟


ـ بالتأكيد ان المفردات والمفاهيم تغيرت كثيرا . انا اجد ان الحاني القديمة لا زلت مقبولة ومرغوبة . اما مفرداتها ومفاهيمها فهي كانت ابنة عصرها . ابنة ايامها . ولدت وانتشرت وسط ظرف مغاير تماما . الان حين يطلبوها مني استبدل بعض الكلمات ارتباطا بالمتغيرات ، مثلا بدلا من ” يو موت لو سعادة ” اقول ” شوق ووفه وسعادة” . هذه الاغاني شكلت لنا هوية ، وانا افخر بها وهي تأريخي ، ولا زلت اقدمها في مناسبات معينة . قدمتها قبل فترة من على قناة عشتار . في مصر ، في سهرة مع الشاعر ” احمد فؤاد نجم ” غنيت ” عمي يا بو جاكوج ” و” يا بو علي ” والعديد من الاغاني التي ارتبطت باسم ونضالات الحزب الشيوعي العراقي . في اواسط سبعينات القرن الماضي كان المناخ السياسي مواتي . كنا نطرح افكارنا عبر اغانينا. الحياة الان في العراق تشهد عدم وضوح في الرؤيا. نحن لا زلنا ننتظر هدوء هذه الفوضى .


· اين تجد جمهورا يطلب الاغاني السياسية ؟


ـ مرة اخرى ، اقول ليس كما في سابق الايام ، لكن هناك من يرغبها . خصوصا في الاحتفالات . المشكلة هي ان الحفل الفني عندنا لا زال مرتبطا بالعمل السياسي ، بل جزءا منه ، بطابع احتفالي بمناسبة ما . واذا ذهب الفنان الجاد لحفل سياسي ما لا يحصل على كوب شاي . مهمته عند السياسيين ان يغني للمناسبة الفلانية ومع السلامة . كأنه عنصر تكميلي لادوات وزينة الاحتفال . للاسف لا زلنا بدون تقاليد فنية. لا زلنا مرتبطين بالخطاب السياسي . لا يوجد لدينا جمهور مسرحي يتوجه الى المسرح لسماع اغاني ملتزمة جادة ، وجدانية ووطنية ، ليتغذى روحيا.


· هذا يقودنا للحديث عن واقع الاغنية العراقية ؟


ـ للاسف هناك حالة تردي في حال الاغنية العراقية ، رغم جهود فنانين جادين واصلاء للحفاظ على صورة مشرقة للاغنية العراقية . واقع الاغنية العراقية الحالي يذهب باتجاه الاغنية الهابطة السطحية . اغاني الهز واغان الغجر، بل يمكن القول لا هي اغاني غجرية ولا اغاني مدينة هي خلطة نشاز جدا . واذا كان الفن مرأة يعكس واقع المجتمع فأن هذا الغناء يعكس واقع مجتمعنا الحالي المحزن ، خصوصا مع هذا الانتشار الوبائي الفظيع للاغاني الهابطة من اغاني الباذنجان والتفاح والبرتقال . شئ مريع . تردت كلمات الاغاني بشكل يخدش حتى الذوق وبدون خجل. تصور ان مطرب يغني ” عذبيتي الله يعذبك … عذبتيي الله يموتك ” . هل يمكن ان تستوعب هذا ؟ اغنية تحمل لغة تهديد ؟ اين كلمات الغزل والعتاب الرومانسي الوجداني ؟ يساعد على ذلك وجود الفضائيات التي تريد فقط مادة حشو ، اي مادة بغض النظر عن مستواها ، لسد ساعات البث الطويلة ، فتنتشر مثل هذه الاغاني الهابطة فتساهم في تسطيح عقول الناس وتسد الطرق امام الاغاني الوجدانية والجادة .


· واين تكمن اسباب ذلك ؟


ـ انا اعتبر كل ذلك نتاج مباشر لفترة النظام الديكتاتوري. حيث ان اربعين عاما هي فترة حكم النظام الديكتاتوري الشمولي هي من عمر خراب الوطن والثقافة ، هذا الخراب اثمر لنا اغاني البرتقالة والخيارة والباذنجانة . كانت حكومة ديكتاتورية جاهلة ، نشرت اغاني الحرب العدوانية والاغاني الهابطة . وسمحت لاشباه الفنانين ان يصيروا نجوما . الفنانين الجادين تركوا العراق مرغمين ، وحتى خارج الوطن كانوا يطاردون ومحاصرين من اجهزة الانظمة العربية المتواطئة مع اجهزة النظام الديكتاتوري . تصور ان النظام الديكتاتوري مسح كل الاغاني المسجلة بصوتي او من الحاني من ارشيف الاذاعة والتلفزيون ، وكذلك فعل مع الكثير من اغان واعمال زملائي واصدقائي الذين تركوا العراق خصوصا ممن ترك العراق بشكل مبكر ولم يساهم في الردح للنظام خلال سنوات الحرب الكارثية.


· وما هو برأيك الحل ؟


ـ في سبعينات القرن الماضي ، قبل تسلط النظام الديكتاتوري ، حيث بحق يمكن تسميته بالعصر الذهبي للاغنية العراقية ، كانت هناك لجان متخصصة لفحص النصوص والالحان والاصوات . وكان الفنان يبذل جهدا ملحوظا في البحث عن نص هادف ، راقي ، ويعتكف لوضع اللحن ويراجعه كذا مرة ، ويعاني من اجل ان يرى عمله النور بشكل متكامل . الان الامور سلق بيض . بأختصار اختلط الحابل بالنابل . انا ادعو الى وضع مقاييس فنية لاختيار الاغاني وبثها .


· والفيديو كليب ؟


ـ عن الفيديو كليبات حدث ولا حرج . حيث تحوي هذا االكليبات كل ما لا يمت للفن والغناء بصلة . وحتى لا اكون ظالما فان 75% منها هابط وغير فني ، والنسبة البقية تحتاج الى تقويم لفرزها بمستويات مختلفة .


· هل فكرت شخصيا بانتاج فيديو كليبات خاصة بك ؟


ـ نعم اعددت بعض الفيديو كليبات ، بثتها بعض الفضائيات العراقية . بالتعاون مع الاخوة الفنانين المصورين والمخرجين حاولنا ان نقدم عملا فنيا له علاقة بالغناء . صورة ومعنى لهما علاقة باللحن والكلمات ضمن سيناريو بسيط معبر . اتعاون الان مع الفنان قتيبة الجنابي والفنان عماد حسن لاعداد اغنية الغريب . واغنية دجلة الخير من كلمات الجواهري ستكون من اخراج الفنان عماد حسن . وهناك تعاون مع الفنان ناصر حسن لاغنية اخرى .


· وكيف ستجد هذه الاغاني والفيديو كليبات طريقها لتصل الى الجمهور ؟


ـ هنا المشكلة الاساسية . وهي مشكلة شركات التوزيع والانتاج . فبعض من البوماتي انتجتها على نفقتي الخاصة وبنسخ محدودة . وما ان يحصل بعض الموزعين على نسخة من البوم ما ، وبدون اذن وترخيص تجدهم يطبعون ويوزعون منه المئات بدون اي مسؤولية او خوف وبدون الرجوع للفنان لاخذ اذنه او للاتفاق معه بأي شكل . لا توجد قوانين تحمي حقوق الفنان . الكتاب لديهم نفس المشكلة . نحن في العراق بحاجة الى قوانين تحمي حقوق الابداع . وزارة الثقافة والجهات المعنية مطالبة بالعمل الجاد لسن مثل هذا القانون ، وعبر طريق الشعب ادعو الجهات المعنية الى المبادرة لحماية المبدع العراقي من سرقة جهوده وابداعه. نحن بحاجة الى شركات انتاج وتوزيع تعمل وفق معايير فنية وقانونية ، تساهم في دعم الفنان وحماية نشاطه وابداعه وبالتالي تساهم في تطور عمله .


· وما هو دور نقابة الفنانين ومؤسسات الدولة المعنية بهذه القضية ؟


ـ للاسف ، مرة اخرى اقول ، لا يوجد اي دور ملموس . ما تحدثنا عنه في جواب السؤال السابق هو عمل ومهام نقابة الفنانين التي يبدو انها عاجزة ، وكذلك وزارة الثقافة العراقية التي لم نر منها اي مبادرات بهذا الخصوص . مرارا طالبت شخصيا بتأسيس اتحاد جديد لجمهرة الفنانين المغضوب عليهم سابقا وحاليا . لدينا اسماء مبدعة تنتشر هنا وهناك ، داخل وخارج الوطن ، بدون اطار يلمها ويحمي حقوقها وينسق نشاطاتها . قدمت اقتراح للاستفادة من شبكة الانترنيت لعقد لقاءات ، والان اكرر اقتراحي عبر طريق الشعب . مثل هذا الاطار يمكن ان يساهم بالمطالبة بتشريع القوانين المطلوبة . ان تجربة الفنانين الرواد ايضا يجب ان تصان وتصل الى الاجيال القادمة اطالب الان بتأسيس اطار نقابي للفنانين للديمقراطيين ويقوم بتنظيم مهرجان دوري . اتمنى ان تتم المبادرة من جهات معنية لرعاية هذا الاقتراح . وايضا طرحت اقتراحا بعقد مهرجان غنائي جاد دوري اتمنى ان تتبنى انجازه جهة معينة.


· كلمة اخيرة لقراء طريق الشعب ؟ـ جمهور طريق الشعب ، هو جمهوري ، وهم ناسي واهلي ، لهم محبتي وأملي ان القاهم دوما في ساحات الفن والجمال في عراق مزدهر ديمقراطي .


نشره الكاتب في طريق الشعب البغدادية العدد 130 ليوم 26/2/2009