الرئيسية » مقالات » بالروح بالدم نفديك يا نوري!

بالروح بالدم نفديك يا نوري!

من الشعارات التي كانت ترفعها المعارضة العراقية السابقة والحاكمة حالياً بمختلف فصائلها شعار القضاء على القبلية والعشائرية التي احياها صدام حسين واعتمد عليها في تثبيت حكمه ومواجهة معارضيه وأعدائه الداخليين بعد أن خلق لنفسه الكثير منهم، وحتى داخل نظامه. وكانت تلك المعارضة تدعو في برامجها الى نظام ديمقراطي دستوري مدني يعتمد على صناديق الاقتراع والتداول السلمي للسلطة. وهو ما يصدعون به رؤوسنا هذه الأيام بأنه قد تحقق.

من الآفات الاجتماعية والسياسية ومعرقلات بناء دولة حديثة ديمقراطية في ما كان يسمى بالعالم الثالث وبخاصة في الشرق الأوسط هي القيم العشائرية في بناء الانسان الروحي وتكوينه النفسي والفكري ومن خلال تحكم القبيلة والعشيرة في مجريات الحياة العامة والسياسية منها. وبما أن هذه القيم كانت ولا تزال سائدة وفاعلة في التوجه الاجتماعي والحياة عامة في هذه المنطقة من العالم دأبت السلطات الحاكمة في بلدانها على تعميقها والاعتماد عليها في مواجهة معارضيها والأخطار التي تشعر بها على أنظمتها الشمولية والملكية والقبلية. فأخذت تقرّبُ رؤوساء العشائر وتغدق عليهم الهبات والعطايا وحتى المناصب وتقوي من مراكزهم، لما لشيخ العشيرة من تأثير على أفرادها في توجهاتهم وتجييشهم وإثارتهم حين الطلب أكثر من تأثير الأحزاب والقوى السياسية المؤدلجة في إطر فكرية ومناهج عمل التي تشكل خطراً جدياً على هذه الأنظمة وذلك حين تتوسع قواعدها وتتمدد في عمق الجماهير إذا اقتنعت بتوجهاتها وبرامجها الفكرية والسياسية. وهو ما قام به صدام حسين على خير وجه وبنجاح، حتى خلق مشايخ ماكانوا مشايخ بل أفراداً من الموالين للنظام والباحثين عن الجاه والمال والسطوة والمركز، وكان بعضهم مرفوضاً ومنبوذاً من عشيرته.

كانت هذه أحد الأمراض التي نخرت في روح الشعب العراقي وشوهت تاريخه ونشرت فيه مرض العصبية القبلية التي حاربها الدين الاسلامي وعمل على الغائها ونبذها كأحد معوقات بناء مجتمع جديد اسلامي انساني بعيد عن كل الضغائن المريضة التي تفرّق الناس بحسب الجنس واللون والانتماء القبلي. وكان هذا أسلوباً خبيثاً في زرع روح الفتنة والتمزيق للمجتمع العراقي المعروف بالتسامح والتعاون والتعاضد مع تنوعه وتعدد أطيافه المختلفة.

وبعد الاحتلال والتغيير الانفجاري في العراق استبشر المؤيدون له خيراً ببناء دولة ديمقراطية مدنية انسانية بعيداً عن الاضطهاد والقهر والتمزق والتمييز طائفياً وقومياً ودينياً، وبعيداً عن العصبية القبلية والقيم العشائرية التي غذاها النظام السابق. فإذا بالمتفائلين والمستبشرين، ولم نكن منهم ولا نزال والحمد لله، يصابون بالصدمة والغضب مما أقيمت عليه الدولة من محاصصة بغيضة جرّت على البلاد الويلات والدمار وعلى الشعب الموت والخوف والمرض والفقر المدقع.

قالوا أنّ نظام صدام حسين كان عنصرياً طائفياً مفرقاً للشعب، فإذا بنا اليوم أمام عنصرية بغيضة وطائفية مقيتة، وتفريق وتمزيق للحمة الشعب العراقي لم يمرَّ مثله في تاريخ العراق القديم والحديث.

قالوا أن نظام صدام حسين كان عائلياً يقرب فيه صدام عائلته في الحكم، فإذا بنا أمام نظام عائلي لا مثيل له، كل مكاتب وحاشيات الأحزاب والقوى الحاكمة ووزاراتها حكر على الأبناء والأشقاء والأقرباء والأقربين.

قالوا أن نظام صدام كان عشائرياً، فإذا بنا أمام عشائرية لم نشهد شبيهها. وإذا رئيس الوزراء في بين فترة وأخرى يجتمع برؤوساء العشائر ليلقي فيهم خطباً عصماء وأقوالاً بتراء طويلة عريضة. وما محاولاته قبل انتخابات مجالس المحافظات في 31 يناير هذا العام لتشكيل ما سمي بمجالس الاسناد في المحافظات ومن أبناء العشائر إلا دليل على الاعتماد ثانية وفي مايسمى بالعراق الديمقراطي المدني الجديد على احياء النظام القبلي الذي عفّى عليه الزمن الآن في مسيرته التقدمية الالكترونية التي أضحى فيه العالم قرية صغيرة لا تحتمل هذه القيم.

مع احترامنا الكبير للجانب المشرق من القيم العشائرية الطيبة والانسانية المليئة بالتعاون والتعاضد ومساعدة الغير وكرم الأخلاق والشهامة والنبل والفروسية، لكن اطلاق العصبية بمفهومها التفريقي والتجييشي والتعبوي لغرض استغلالها سياسياً ولهدف فئوي ذاتي من أجل الاستمرار في حكم العراق وفق مفهوم حزبي ضيق وحلم الوصول الى نظام حكم الحزب الحاكم والقائد الأوحد في الساحة ثانية ومن خلال ديمقراطية شوهاء عرجاء عوراء، هو ما نرمي فيه بكلامنا هنا.

فهل يحلم البعض هذا من الممسكين بزمام السلطة بأسنانهم ومخالبهم أن يوصلونا الى أن تصاغ القصائد العصماء في الرئيس القائد المناضل الجسور باني دولة الأمن والقانون، و هتاف:
بالروح بالدم نفديك يانوري !!!

عبد الستار نورعلي
الجمعة 27 شباط 2009