الرئيسية » المرأة والأسرة » أطفال الشوراع .. أعمال شاقة ومستقبل مجهول

أطفال الشوراع .. أعمال شاقة ومستقبل مجهول

هناك الكثير من العوائل العراقية التي تنتمي الى شريحة السكان الأكثر فقراً وتعيش ظروفاً قاسية واوضاعاً تخرجها عن مفاهيم الطوق المألوف اجتماعياً وبالاخص حينما تكون المرأة هي المعيلة للاسرة … وقد تشتد احياناً هذه الظروف المأساوية فتدفع الاطفال الى العمل في سن مبكر . تجد طابورا كبيرا من الاطفال يملأون شوارع العراق والمشردين في أزقة المدن بلا مأوى ويقيمون في العراء او يعمل (البعض منهم) تحت مسقف من عيدان الجريد لا يحمهم من حر الصيف ولا مطر الشتاء ، وهؤلاء الاطفال معرضون للانحراف وتعاطي المخدرات والكحول ، لأنهم لا يجدون الرعاية والاهتمام ، للأسف هؤلاء لا يحملون من طفولتهم سوى الإسم لذلك يطلق عليهم أطفال الشوراع .
إن وضع هؤلاء الأطفال الصحي يصبح في خطر لتفشي الامراض والاوبئة ، ليصبح هؤلاء الابرياء عالة على المجتمع ، وقد يتطور الأمر ليصل بهم إلى حد الإجرام وممارسة الحرام في كثير من الحالات ، وتتحول هذه الزهور في وقت معين تحت ظروف معينة إلى صبار شائك ، تفيد بعض المعلومات ان اطفالاً تتراوح أعمارهم بين 10 و 14 عاما التحقوا بمجموعات مختلفة من المسلحين من اجل لقمة العيش او انتقاما لمقتل احد ذويهم ..

والأطفال الذين يعيشون ويعملون في الشوارع وهم في مقتبل العمر لا تزيد عن 15 عاما ويكونون عرضة للعنف والاستغلال وتعاطي مواد الإدمان ، حيث يلجأ ال كثير منهم إلى المخدرات من أجل تحمّل حياتهم وأوضاعهم الصعبة ، ويدفعهم الفقر والجوع الى أحضان عصابات خارجة على القانون وسط عجز المؤسسات الحكومية والمنظمات الإنسانية في توفير بيئة صحية آمنة وينمو فيها بطرقة صحيحة وجيدة ، لكن ما يفاجئك وسط كل ذلك السواد المؤلم القاسي ابتساماتهم البريئة وأحلامهم الصغيرة وقوة ارادة الحياة لديهم والتسليم بقدريتها .

ولم يفلح الطفل العراقي بعد انقاض النظام البائد شأنه شأن شرائح المجتمع العراقي ، ويؤكد هذا الواقع الراهن ولدينا حقائق وادلة كثيرة بان الطفل العراقي يدفع ثمنه الفادح من حياته وفرص تقدمه ورخائه وحقه في العيش الكريم موفور الكرامة ، ومنها هذا التحقيق الذي إرتأينا إعداده لتسليط الضوء على محنة الطفل العراقي وعمله في الشوارع وساحات العمل لكسب لقمة العيش ، بكونه ضحية الفقر والحرمان والفساد الاداري والمالي والتي ستبقى اثارها المدمرة الى أمد بعيد . واصدرت الامم المتحدة في جنيف تقريراً ان اوضاع الاطفال في العراق ليست اوضاعهم افضل بعد الاحتلال الامريكي للعراق ، بل أسوأ بكثير من فترة النظام البائد ( نظام البعث ) حيث اشار التقرير الى تدهور أوضاعهم عاما بعد عام بشكل لافت النظر .
يتزايد يوما بعد يوم تدهور الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية في العراق وعمه الخراب الشامل ليس اقتصاديا اجتماعيا فقط ، بل عمه الخراب ثقافيا وصحيا وبيئيا ، ومن الطبيعي هذه الاوضاع تؤثر على وضع العائلة العراقية والتي تبين اثارها المدمرة وتحديدا على الاطفال ، وتزايد ظاهرة الفقر والجهل في مدن وقصبات العراق ، وهي احد الاسباب المهمة التي تدفع الاطفال الى ممارسة اعمال شاقة ولساعات طويلة رغم صغر سنهم مثل بائع متجول يجوب الشوارع بحثاً عن الرزق او بيع المناديل الورقية والسكائر او في صبغ الأحذية او تنظيف السيارات على تقاطع الطرق وفي ساحات لوقوف السيارات ، حيث يكونون عرضة لكل التقلبات المناخية من برد قارس ، أو حر شديد ، مما ينتج عنه أمراض مختلفة منها السل والسرطان .

بسبب الفقر والحرمان يمارسون هذه الاطفال كل انواع المهن بمساعدة عوائلهم في رفع بعض معاناتهم الاقتصادية ، لعدم قدرة الأسرة على رعاية أبنائها وتغطية احتياجاتهم الرئيسية من مأكل ومشرب وملبس وعلاج ( وتزداد هذه ظاهرة مع بداية كل صيف أي مع انتهاء الموسم الدراسي لأن عوائلهم تعجز ان يوفر لهم متطلباتهم وحاجياتهم المدرسية ) . وتؤكد تقارير المؤسسات المدنية والاجتماعية على اوضاع هولاء الاطفال في العراق صعبة وشاقة . وهناك اسبابا عديدة تقف وراء انخراط الاطفال والتي تتراوح اعمارهم بين 10 و 15 عاماً للعمل في الشارع لكسب المال من اجل لقمة العيش ، بعد ترك الدراسة . إن خروج طفل في العاشرة من عمره إلى الشارع يجعله لقمة سائغة للادمان على السكائر والخمور والمخدرات ، وقد يتعرض الطفل الى الاعتداء الجنسي ايضا في بعض الاحيان.

ان الغلاء وارتفاع بدل الايجارات المشاكل الاجتماعية والعوامل الاقتصادية تدفع الاطفال الى للعمل وترك الدراسة في سن المبكرة ، يشير بعض الباحثين الى عوامل اخرى تتعلق بالفشل المدرسي ومنها سوء المنهج التربوي التعليمي في المدارس وقسوة المعلم مع طلابه كان دافعا اخر كي ينفر الطفل من المدرسة والتوجه الى ساحات العمل من اجل لقمة العيش فلا يجد غير الشارع هو الملاذ الواسع للعمل ، كما ان التوتر داخل البيت وزحف شبح التفكك الأسري نتيجة الطلاق ليخيم على البعض سببا اخرا يؤثر سلباً على نفسية الطفل الهشة فيجد بالشارع ملاذا لا بأس به بالنسبة لما يعانيه ، حيث يصبح وقت الفراغ أطول والآفاق المستقبلية أضيق ، فينضمون إلى مسيرة التشرد . أن النتائج المترتبة على هذه الظاهرة خطيرة بسبب عدم اكمال هؤلاء الاطفال اعليمهم .وهذه الظاهرة لها تأثير كبير على المجتمع ككل وخاصة هذه الشريحة التي يفترض أنها تمثل أجيال المستقبل . فبدلاً من أن ترى الابتسامة على وجه طفل وبيده دمية يلعب بها أو تجده مستيقظا نشيطًا ذاهباً إلى مدرسته … تجده عبوس الوجه رسمت السنين التعب على وجهه الصغير وغابت عن ملامحه الإبتسامة وحلت مكانه علامات البؤس والشقاء ..

من أخطر النتائج المترتبة على تلك الظاهرة هي الانحراف ، حيث إن خروج طفل في العاشرة من عمره مثلاً إلى الشارع يؤدي به حتماً إلى الانحراف ويخلق منه طفلا منحرفا لأنه لا يدرك الصواب من الخطأ ، وعدم وجود له رادع .
فإن عرجنا من الموضوع فيلزمنا جولة داخل المدن العراقية لنثبت الحقائق الملموسة ، وهكذا بكل عفوية نحاول ان ندخل تفاصيل حياة هولاء الاطفال في كثير من أماكن العمل والتشرد والتسكع واللهو فنرصد حركاتهم وصداقاتهم وأحلامهم ، وكشف الحقائق هذه الظاهرة المؤلمة والمخيفة التي يقصها الاطفال من خلال حكاياتهم البؤس والحرمان وعن سبب تشردهم .
ويقول احد اطفال واسمه ” إسامة ” (12 عاما) الذي يبيع المناديل الورقية على تقاطع طرق وسط مدينة بغداد العاصمة قبل حوالي اسبوعين انهيت المدرسة وجئت اشتغل هنا كي اساعد عائلتي وايضا لاشتري لي بعض الملابس والملزمات المدرسية للسنة الدراسية القادمة .
ويضيف زميله حيدر لم يتجاوز بعد سن الثامنة من العمر ، وقائلاً ” والدي يشتغل ولكنه يعجز ان يوفر متطلباتنا جميعا فنحن سبعة اطفال لذلك نضطر في العطل الصيفية الى العمل كي نساعده في توفير حاجياتنا ” رغم ان عمري لا تسمح لعمل لأن العيش في الشارع ليس سهلا بل يحتاج الى صلابة .
بينما يقول حسين (10 عاما) الذي ترك مقاعد الدراسة منذ نعومة أظافره لأن والده لم يستطيع ان يدفع له المصاريف اليومية .. عندما كنت في المدرسة كنت اشاهد اغلب اصدقائي ياتون وفي جيوبهم مبالغ من المال ويشترون كل ما يريدون من حلويات . ويتابع .. وقطرات الدمع الساخن تسقط على وجنتيه عندما طلبت من عائلتي المال قالوا لي ان اترك المدرسة واشتغل لاحصل على ما اريد . ويقول .. نزلت الى الشارع ، وابتعد عن الاصدقائي ، وتعلمت السرقة إضافة الىالاعمال الشاقة .
عندما التقيت باحدى الفتيات تدعى (-?> وشاهدها اصغر سنا بين اولاد الشوارع ، وتقول انها تقف يوميا لساعات طويلة على ناصية الطريق او في ساحات العمل يستجدي المارة او اصحاب السيارات لمنحها اي شيء من النقود لمساعدة أسرتها ، وتقول في سرد كلامها انها تركت مقاعد الدراسة مبكرا اي ( منذ نعومة اضافرها ) لأن والدها ليس بإمكانه ان يتحمل مصروفاتها المدرسية . وعندما ودعتها ، وقد اخرجت ابتسامة صغيرة ممزوجة بحزن كبير يعبر عن وضعها المأساوية ومستقبلها المعدومة والمخيفة .

وفي هذا الصدد يقول محمد ذو الـ 12 ربيعا بعد أن طلق أبي والدتي مما جعلني ألجأ إلى العمل في إحدى ورشات النجارة كي أعيل أمي واخواتي ” وتبدو عليه علامات الحسرة والتأثر كلما استرسل في الحديث عن الدراسة وأحلام الطفولة ، ” إن ما يحز في نفسي ويزيد من حسرتي هو أنني أرى الاطفال في سني متوجهين كل صباح إلى المدرسة في حين أكون أنا منكبا على فتح الورشة قبل أن يأتي صاحبها . ”
ونطرح في ختام التحقيق ، تساؤلات ساخنة مما يجري لطفل العراق المظلوم والمسكين !!! ، نجد من الضروري طرحها على الحكومة العراقية والمنظمات المدنية والإنسانية وجميع العراقيين الشرفاء والحريصين على مستقبل المجتمع العراقي المهدد بعلل وظواهر مرضية خطيرة مستديمة ، من المسؤول عن إنتشال الأطفال اليتامى والعوائل الفقيرة من هذه البيئة المخيفة والمدمرة ؟ وللحيلولة دون تشغيل الأطفال قبل بلوغهم سن 15 سنة كاملة وحمايتهم من الاستغلال ، ومنع تشغيلهم في اشغال تفوق طاقتهم قد تعيق نموهم .
ان من ضروري محاربة هذه الظاهرة من خلال المجتمعات المدنية والديمقراطية ، مشددا على اهمية الجانب التربوي والتعليمي الذي يعتبر احد الأولويات في محاربة تشغيل الأطفال ، مع إيلاء عناية للجانب الاقتصادي للأسر الفقيرة والمحرومة التي يستعيض بعض الاطفال عن مقاعد الدراسة بالعمل المبكر . ويتخلص أهمية دور الأسرة في تنمية القدرات لدى الطفل ومراعاة العوامل النفسية والإحتياجات الأساسية له لينشأ نشأة سليمة ويقوم بدوره في بناء العراق مستقبلا .
على الحكومة العراقية ونخبها السياسيون خروجهم من خندقة المحاصصة ان يتحركوا لحماية اطفال العراق من الخطر الذي يهدد حاضرهم ومستقبلهم ، وعليها العمل على مواجهة مثل هذه الظاهرة المخيفية داخل المجتمع العراقي والتغلب على الصعوبات والازمات التي تمثل عائقا حقيقيا وتحديا خطيرا لتطلعات الطفل العراقي الذي يبني عليه آمالا مستقبليا ، وأعادة تأهيله من الجديد وتقويمه وتعزيز هيبته بعد ما فقده ، بدلا من وائل الخطب الرنانة والكلمات الفارغة ، وعلى المؤسسات المدنية والإنسانية خروجها من خندقة الحزبية والطائفية وان تباشر لحماية العوائل من الجحيم الذي يعيشون فيه وتحسين حالتهم المعيشية وتوفير تأمين الضمان الاجتماعي والصحي لهم ، وانتشال اطفالهم من ايدي العصابات المسلحة والميليشيات واعادة دمج هؤلاء العوائل مع اطفالهم الى المجتمع العراقي وأسترجاع حقهم الأساسي في الصحة والحماية .
إن أهم ما يطرح من أسئلة اليوم : متى تشعر المسؤولين وتحس المؤسسات المدنية والانسانية بمعاناة هولاء الاطفال وآلام عوائلهم ؟ متى تجديد فكرتهم من اجل أهداف الإنسانية بأساليب ديمقراطية حقيقية ؟