الرئيسية » مقالات » حضارة وادي الرافدين تعود الى الضوء … ولكن !

حضارة وادي الرافدين تعود الى الضوء … ولكن !

مرة اخرى يؤكد العراقيون للعالم بأنهم شعب لاتقهره الصعاب بل ينهض مسرعا من اي كبوة وهو الجواد الاصيل القادم من ثنايا التاريخ والحضارة الممتدة نحو مايزيد على خمسة الاف عام فبعد ان استطاع ان يلوي ذراع الارهاب القادم من بيداوات الجهل وكهوف الظلام ’ أعاد وباصرار وجهه الحضاري الناصع الى دائرة الضوء من جديد باعادة افتتاح المتحف الوطني العراقي بحضور عربي ودولي واسع ضاقت قاعة المتحف الوطني بهم ماحدا ببعض افراد حماية رئيس الحكومة الذي رعى الافتتاح الى منع عدد من الصحفيين من الدخول والاعتداء عليهم حين اصروا على القيام بواجبهم المهني ونقل وقائع هذا الحدث المهم في مسيرة بلادنا العزيزة ما أشر تناقضا ما بين حدث الافتتاح وحدث نقل الوقائع للجمهور الى ابعد نقطة في العالم دون ان يعلم اولئك الافراد بان كلا الحدثين لايقل أهمية عن الاخر .
فبعد سقوط النظام امتدت الايادي الاثمة بمختلف اشكالها وكأنها كانت تنتظر ساعة السقوط بفارغ الصبر فسارعت الى نهش اضلع حضارة وادي الرافدين التي كانت في متحفها وهي تحكي لاجيال الدارسين والمطلعين قصة الابداع العراقي في مجالات العلوم والفنون والقانون والملاحم
منذ حقب زمنية بعيدة ضانين بانهم سينجحون في طمس معالم تلك الحضارة الراسخة في ضمير العالم , والمؤسف ان بعض عمليات النهب كانت تمت أمام مرآى من كان متواجدا من القوات الاجنبية اثناء عمليات النهب على ماذكره شهود عيان كثيرون , وكانت الحصيلة ليس سرقة الاف اللقى الاثارية التي لاتقدر بثمن , بل العبث وتحطيم محتويات المتحف بكل خسة مايؤكد ضلوع اطراف داخلية واقليمية ليس بالضرورة ان تكون رسمية فضلا عن سراق الاثار المنظمين لهذا النوع من السرقات اليسيرة , فيما سارع سراق آخرون مستفيدين من فراغ السلطة الى الاسراع بسرقة المواقع الاثارية نفسها وبطريقة همجية استخدموا فيها (الشفلات ) للعثور على القطع الاثرية الثمينة وهذا الامر يقع هو الاخر على القوات الاجنبية التي لم تأخذ بالحسبان حدوث مثل هذه المأساة الحضارية وتتخذ الحيطة لملافاة نتائجه الوخيمة على الانسانية.
وبعد خمسة اعوام على مرور تلك الايام المريرة استطاع الخيرون من اعادة ستة عشر الف قطعة أثرية مختلفة الاحجام ستة الاف منها تعود الى احضان متحفها والمتبقية تعود الى ماسرق من المواقع الاثارية وقد ساهمت الاردن باعادة قرابة الفي قطعة وسوريا الف وخمسمائة قطعة وامريكا اكثر بقليل من الف قطعة فضلا عن جهات دولية وعربية مختلفة , ولكن القطع المعادة رغم الجهود الكبيرة للحكومة في محاولة اعادتها الا انها لم تكن تمثل سوى ثلث ماسرق أي ان المتبقي من القطع الاثارية المفقودة اكثر من اثنين وثلاثين الف ’ وما زال السراق يتجولون بحرية في اسواق العالم بحثا عن مشترين من اللذين يتاجرون بحضارات الشعوب دون رادع .
ان هذه الارقام المخيفة تؤشر امرين أولهما ان الجهات الحكومية الاثارية والامنية ربما تفتقر الى خطة يتم من خلالها التحرك على العالم من خلال اتفاقات امنية وثقافية لاسترداد الاثار المسروقة
ترصد لها الاموال اللازمة طالما ان مافقد لايقدر بثمن , وثانيهما ان الدول الاقليمية ودول العالم الابعد التي وصلت اليها الاثار لم تكن على درجة عالية من الحرص ربما لاسباب تتعلق بطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة الامريكية على خلفية موقفها من الحرب عامة متناسية دورها الانساني بعيدا عن حسابات السياسة , كا ان المواقع الاثارية مازالت تفتقر الى الحراسة المطلوبة حتى بعد ان نجحت الحكومة في بناء قواها الامنية الوطنية وفي التصدي للارهاب , ما يتحتم دراسة وضع مثل هذه الخطة المهمة التي اشرنا اليها وتضمين جميع الاتفاقيات العلمية والثقافية بنودا حول استرداد اثارنا الثمينة , وترويج حملة اعلامية واسعة بمختلف اللغات وتقوية أواصر التعاون مع جميع المنظمات الثقافية في العالم لتقديم المساعدة كما يتحتم اشراك الجماهير الشعبية المتواجدة في مناطق المواقع الاثارية لحماية تلك المواقع وبصيغ مدروسة بدل جعلها عرضة للنهب وهي اصلنا وارثنا بل تراث العالم اجمع .
ان مثل هذه الاجراءات وغيرها كفيل باعادة الكنوز الثمينة الى وطنها العراق وان الحكومة التي استطاعت بدعم شعبي واسع ان تقضي على الهجمة الارهابية التي كانت تطال الارواح بالدرجة الاساس لقادرة على اعادة كنوز وادي الرافدين الى موطنها لتظل تحت دائرة الضوء الى الابد .