الرئيسية » مقالات » في ذكرى استقلال اليسار الفلسطيني

في ذكرى استقلال اليسار الفلسطيني

تحتفل في هذه الأيام، الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، بذكرى انطلاقتها، التي سبق وأن أسمتها “استقلال اليسار”. كان ذلك قبل ثلاثين عاماً، تمكنت الجبهة خلالها من أن تشكل لوناً مميزاً في الساحة الفلسطينية، وأسهمت بإغناء وتطوير الفكر السياسي الفلسطيني، عَبر إسهامها الواضح في ثلاث محطات مركزية، من أبرزها برنامج النقاط العشر – البرنامج المرحلي، حيث كان للجبهة الديمقراطية إسهام واضح وبارز في بلورته وصياغة نقاطه، وترتب على تبني م.ت.ف لهذا البرنامج، ما يشبه الانشقاق داخل الساحة الفلسطينية، بين “دعاة التسوية” والرافضين لها، لدرجة تم تأسيس وقيام جبهة ائتلافية من أربعة فصائل هي:
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الشعبية – القيادة العامة، وجبهة التحرير العربية، وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، سميت جبهة القوى الفلسطينية الرافضة للحلول الاستسلامية. دار صراع فكري دامٍ بين هذين التيارين، ما طوّر الفكر السياسي الفلسطيني عموماً وأغناه. ولعل المحطة الثانية إسهامها بطرح برنامج الوحدة والاصلاح بعد انشقاق حركة فتح 1983، وما شهدته م.ت.ف من اصطفافات متعارضة. كان لهذا البرنامج دور السبق في تقريب وجهات النظر وصولاً لحوارات عدن – الجزائر، ومن ثم انعقاد دورة المجلس الوطني الفلسطيني التوحيدية في الجزائر 1987.
كانت الجبهة الديمقراطية من أشد الفصائل وأبرزها في الدفاع عن شرعية ووحدانية منظمة التحرير، وعبر المرافق كافة، كان الدور الفكري – التنظيمي للجبهة هو الدفاع عن المنظمة والذود عنها. كما وعرفت بقوة أواصرها التنظيمية التي وصفت بالحديدية، واستمر ذلك حتى بروز الخلافات داخل أطرها، وخرج تيار منها، شكل حزب “فدا”.
في هذه الذكرى، ذكرى “استقلال اليسار الفلسطيني” كما سبق وأن أسمته الجبهة الديمقراطية ذاتها، تعود بنا الذكرى لتلك المحاولات والبرامج التي سبق وأن طرحت، بشأن توحيد اليسار الفلسطيني. جاءت هذه المحاولات عبر التلاقي بين فصيلين رئيسيين هما: الجبهة الديمقراطية والجبهة الشعبية. كما وجاءت عبر وثائق أوسع وأعم لتلاقي الفصائل الوطنية الفلسطينية اليسارية كافة. ولا تزال هذه البرامج تطرح وتناقش عبر محاولات، كررت الفشل ذاته المرة تلو الاخرى.
لعلّه من نافلة القول، إن “الديمقراطية” لا تتحمل وحدها مسؤولية الفشل، على الرغم من أنها جزء منه. كانت النزعة الفصائلية وحساباتها الضيقة، تقف دوماً حائلاً دون إحداث أي تقدم جدي في مسار توحيد جهود اليسار، ولعلّ الحسابات هذه، هي التي أسهمت في بعض فصائل اليسار أن تكون جزءاً من تحالفات مع تيارات إسلامية تقف ضد م.ت.ف وبرامجها، ما جعل من تلك الفصائل اليسارية غطاءً لنشاطات فصائل إسلامية! كان بالإمكان أحسن مما كان، لكن ضيق الحسابات الفصائلية، وعدم رؤيته بعيون مفتوحة، كان يحول دوماً دون تحقيق وحدة اليسار.
الآن ونحن نحتفل بذكرى تأسيس وقيام الجبهة الديمقراطية، نستذكر جملة أمور، مستوحاة مما هو جارٍ ميدانياً، وأبرزها تراجع قوة اليسار الفلسطيني عموماً، نتيجة متغيرات دولية أبرزها تصدع وزوال منظومة الدول الاشتراكية، وكذلك تراجع دور م.ت.ف في ظل متغيرات إقليمية وذاتية فلسطينية، ما أعطى الصراع الداخلي أبعاداً أخرى، بين تيارين أحدهما وطني – يساري والآخر إسلامي أصولي.
وبالطبع، فإن هذا الاختلاف والصراع، يمكن أن يكونا ضمن بوتقة واحدة، لكن ما يجب الانتباه إليه هو، أن صراعاً كهذا بات يحتاج إلى تأطير جهود اليسار في ائتلاف قادر على الحفاظ عليه من جهة، وتهيئة الأجواء كي يلعب دوره في هذا الصراع استناداً لتاريخه ودوره الوطني.
على الجبهة الديمقراطية تقع مسؤوليات تاريخية وواقعية في آن، في توحيد وتأطير جهود اليسار، ذلك أنها لعبت أدواراً مهمة في التاريخ الوطني الحديث، كان لها الأثر الكبير في إحداث تحولات مهمة.

استاذ العلوم السياسية – جامعة بير زيت – القاهرة