الرئيسية » مقالات » علي وعائشة – سيمفونية الحب على ارض السواد

علي وعائشة – سيمفونية الحب على ارض السواد

ان الكاتبة علياء الانصاري تكافح بشدة –كما يبدو لي من خلال الرواية –من اجل القضية التي تؤمن بها بل انها تكافح ((بلا هوادة)).
اجاب ذات مرة الكاتب الروسي الكبير (مكسيم جوركي)عن سؤال لماذا يعزف الكاتب عن الكتابة اثناء وقوع الاحداث ,او اثناء الأزمة,فأجاب (مكسيم جوركي)قائلا: أن الأنسان لايستطيع أن يتنفس في العاصفة.
الا ان الكاتبة علياء الأنصاري استطاعت أن تتنفس…. وقد ناقشت من المواضيع أخطرها.
العنوان: ثريا النص ,المصباح الذي يضيء النص أو الرواية أو القصة أو يضيء بعض جوانب ذلك العمل الابداعي.
لقد أختارت الكاتبة علياء الأنصاري هذا العنوان (علي وعائشة) والذي قد أستخدم كثيرا في كتب ومؤلفات دينية وسياسية غير أن هذا الاستخدام لم يستهلكه ,بل أزداد ألقا وتوهجا.وكما تعلمون ان الأدب هو المحايد الأول ,و أكثر حيادية من الدين والسياسة والأجتماع فجاء استخدام الأنصاري علياء لهذا العنوان في محاولة جادة ورصينة لأفراغ الشحنة السلبية المعروفة والتي تكاد تدمر البلاد ,تعتمد هذه الشحنة على موروث قديم جعل من (علي وعائشة)معادلة لا يمكن اختصار رموزها أو استبدال علاماتها فضلت عصية على التناول وأدخلت ضمن المحظورات التي لا يمكن التعامل معها بالفن الروائي أو القصصي ألا اذا كان الكاتب يمتلك حرفية عالية يستطيع من خلالها النفاذ من هكذا ممرات دون أن يخدش الأطر العامة والثوابت ,ان الكاتبة وجهت شعلة ضوء بدقة ومهارة فأضاءت مساحة ظلت مظلمة على مر السنين من دون أن يتم تناولها روائيا بهذا الشكل وأعتقد ان الأرضية التي يتحرك عليها أبطال الرواية وهو ما موجود على الواقع أعطى جواز سفر لعقول وقلوب القراء في تصديق بل والتآلف مع الاحداث والحوارات ان الدافع الأول لكاتبة هكذا رواية وكما يبدو لي واضحا في ثنايا الرواية أن الكاتبة أرادت أن توقف زحف النظريات التي تحاول أن (تؤدلج) الدين لكي يتحول وفق ما تشتهي سياساتها وسلطانها وهكذا أفكار لابد لها من أن تستغل نقاط خاصة لتمرير مشاريعها ,وحدث هذا امامنا جميعا وراح أبناء المدينة الواحدة يقتتلون بدون سبب وكان الواجب عليهم وقفة واحدة بوجه المخططات الكبيرة.
لقد أستطاعت الكاتبة من تحرير أبطالها من الجدلية التي تقول (أن تكون أولا تكون),علي وعائشة على الرغم من أن الذي نتحدث عنه هو الواقع الحقيقي ولكن من الواجب أن نتفاعل معه أيجابيا دون أن نؤسطر الواقع مستخدمين إسقاطات لها أهدافها السياسية ومحاولة الكاتبة لتهشيم القوالب الجاهزة التي تحيد بنا والتي أسست وتؤسس لمد متطرف يحاول أن يخرب كل شيئ؟
تبدأ الرواية بكلمة(باهتة) – باهتة كانت أبتسامة أبو خليل – هذه العبارة أعتراض على موقف وليست هي الوصف أو الانطباع لما كان عليه أبو خليل ,لان صفحات الرواية تؤكد ذلك الموقف.
ثم تقول الكاتبة (وهو يطالع اللوازم المنزلية)ولم تقل الكاتبة الأثاث المنزلية ,وطبعا أن هذا جاء بقصديه كاملة وبوعي مدروس بواقع الحال ,تفصح عنه فيما بعد ,وقد أستخدمت كلمة(لوازم)وأختصرت بفنية عالية الكثير من الحوارات التي يتطلبها البناء السردي وصولا الى مرحلة يعرف بها القارئ نوع وكيفية الخروج من البيت وعندما يكون الخروج قسريا وهذا الذي حدث بالفعل فلا يستطيع الأنسان من حمل أثاث البيت إلا القليل جدا وفي بعض الأحيان لا يستطيع أن يحمل شيئا مهما كان ثمينا أو صغيرا.
إنها بداية موفقة جدا ,وجملة واحدة أختصرت بها الكاتبة مشكلة كبيرة ,فقد كانوا ((الإرهابيون القتلة))يستولون على البيوت وما فيها من أموال ,إن هذه الصورة وحدها كافية لان تنزع القناع عن تلك الجماعات التي تتستر بغطاء ديني أو تحت مسميات أخرى.إن الذي يهم هذه الجماعات هو القتل من اجل أهداف سياسية أو من اجل المال.
المكان داخل الرواية
شارع 60 – بغداد – الحلة – ص 9سمر (وقف)علي الشاب – والعامرية عبارات وصفية جميلة…إذن المكان الأول هو العامرية ثم شارع 40 ,مصطفى راغب –شارع المكتبات – اللطيفية – الشعلى – حي الجهاد – الدورة – ديالى – جامعة بابل – مستشفى الفيحاء
سيارة النقل (مكان التنقل)إن الارض التي يتحرك عليها أبطال الأنصاري هي سمة سياسية بعد السمة الأولى أو الثيمة أو الفكرة الأم في الرواية والتي تشظت الى بؤر كثيرة تتحرك وفق الإطار العام للرواية ولا يمكن للكاتبة من تغيير أو استبدال هذه المحطات لأنها استلمت حركة الأبطال داخل الرواية وأصبحت الشاهد الحقيق في النص الروائي وفي المدلولات والإسقاطات البعيدة مع الزمن ,استطاعت الكاتبة أن تؤثث الرواية مكانيا بما يوافق حركة الأبطال وبما يدهش القارئ ويجعله منشدا مع تلك التنقلات ومتفهما لها وعندما يتفهم القارئ الاحداث وما يدور بها وبهذا يثق الكاتب ثقة كبيرة وفي حقيقة الامر أن الثقة هذه هي غاية كبيرة تهم الكاتب الذي يسعى لانتزاعها بنبل وشهامة بعد أن تكون المسارات الدرامية في الفعل الروائي تشكل لوحة صادقة أمام وجدان وخيال القراء الذي يستلمها ببراءة.
لم يكن اختيار العامرية مصادفة أو عبثا فهي المكان الذي تدور عليه أعنف الأحداث وأشدها ضراوة والعامرية بمدلولاتها الميتافيزكية تنتهي الى ليلى العامرية.
أما اختيار الكاتبة الشارع الجميل (شارع المكتبات)لتعزف عليه أعلى ترددات سمفونيتها كان الموقف الحقيقي في الفعل الدرامي لاسيما أن هذا الشارع قد خلده سيل دماء الشهداء ممن سقطوا ذات غروب جميل وهم يمرون مصطحبين الأحبة وبعد لهفة وحرارة اللقاء تناثرت الجثث ,أما استثمار الكاتبة لهذا الحدث المروع كان أستثمارا فنيا حذقا يلتقي مع العامرية ابتداء كما ولابد من القول أن الإغراق في تفاصيل المكان والانحياز الى الأماكن التي لها حيزا كبيرا في مخيلة وضمير الكاتب أو الكاتبة ,ربما هذا ما يجعل العمل غارقا في المحلية ويخرجه من الطابع الإنساني العام.غير أن الكاتبة استطاعت أن تمر من خلال هذه الأشكالية بجدارة حيث إنها إعتمدت المكان المكمل الأساسي للفعل الروائي المتداخل معه تداخلا فنيا بارعا.
وكما إن الموسيقى لغة عالمية فأن سمفونية الأنصاري وثبت بلغتها وأحداثها لتكون دراما كبيرة أمام الضمير العالمي.
ص 12 يقول علي ((مرعب يامهند..كذا…., يقولون إننا كفرة وعليهم واجب ديني يقضي بإبادتنا)).لقد صرخت الكاتبة بأهم الأسباب التي سببت تلك المأساة ووثقت ما كان يجري ثم تقول الكاتبة ((أية سخافة هذه التي تتحكم بمصائرنا)).
إنها سخافات تمت صياغتها ضمت الأفكار الدينية لأسباب ايدولوجية وسياسية من أجل السيطرة وإلغاء الأخر ولهذا جاءت الرواية التي نتحدث عنها الآن ,انه الواجب المهني والأخلاقي والديني.
ص 15 يجسد العنوان للمرة الأولى بوضوح كامل حيث أن طرف المعادلة الأول (علي)ويبدو واضحا في الفعل الروائي (عائشة)عندما قال مهند(وعائشة يا علي).
(سقط اسمها على قلبه قبل أن ترشفها أذناه ,رفع وجها مبلل بالحزن).
في هذا المشهد الدافئ استطاعت الكاتبة أن تجد المعاني الحقيقية للحب ,(ترتشفها أذناه) الكلمات المختارة بشكل موجع مدم للضمير والقلب ,ارتشف الشاي أناء الشاي يكون قريب جدا من الشفة ثم نجده ملاصقا لها غير أن الشفة لها من حرية الحركة قليلا فتلامس الشاي لحظة لتسحبه بأرتشاف الى الداخل فالكاتبة صورت في تلك اللحظة عائشة نفسها قد حضرت قرب الأذن المتلهفة لسماع أي خبر عنها ,بل إنها إقتربت من شغاف القلب وقد دخلت.وفي حقيقة الأمر إنها في القلب منذ البداية وهي ممتزجة بذات علي. أما عبارة (رفع وجها مبلل بالحزن)لم تقل الكاتبة رفع وجهه المبلل بالحزن…رفع وجها…وهنا عبارة بليغة جدا معبرة عن حال علي بشكل دقيقي مبينة حالة الأسى الشديدة التي كانت تلم به.
وتستمر الدراما في تصاعد بنسق سمفوني أخاذ ,حيث أن الوحة في النص الادبي دون الرجوع الى مرجعياتها الأم قد أكتملت ,رجل ومرأة….غير أن ما أخبرتنا به الرواية أتم وأكمل ,
ص 17 تقدم الكاتبة وصفا دقيقا للطريق مابين الحلة وبغداد ,منطقة اللطيفية ,معسكرات الإرهابيين ,الذاهب الى بغداد يعد من الأموات حوادث السلب والقتل والأختطاف والمفارز الوهمية ثم تقول الكاتبة (الجثث بلا رؤوس في ما يسمى البزل….في الطريق المؤدية الى بغداد دار السلام)بغداد دار السلام وأين السلام في هذه المفردات ,ألا يستحي الأنسان /ألا يخجل ,ألا يخاف الله.
مفردة البزل أصبحت مخيفة جدا ,جثث في البزل ,أين الرؤوس ,إن الكاتبة لاتصرح في روايتها عن السبب الذي وراء أختفاء الرؤوس.والسبب في الحقيقة أشد رعبا من عملية الذبح المرعبة.فالرؤوس تباع وبشكل واضح ومعروف ثم أن من يقطع مجموعة من الرؤوس يصبح أميرا إمتلأت بلاد وادي الرافدين وبغداد السلام بالأمراء وأن من يقطع الرأس من أجل أن لاتعرف الجثة يكون قد جانب الصواب واتجه الى الخطأ.
لأنهم لا يخشون احد فهم يبلغون أهل الضحية بدفع مبلغ مالي ضخم من أجل أن يطلقوا سراح المحتجز ,وعندما يستلمون الأموال ينقضون الاتفاق بأي شكل من الأشكال.القتلة في كل مكان يتشابهون والجثث تتشابه إلا في بلاد الرافدين ,الببلاد التي تشكلت عليها أول الحضارات ,البلاد التي هبط عليها الانبياء والرسل وبرغم كل هذه الاحداث المخيفة والطريق المرعبة ما بين الحلة وبغداد من خطف وذبح من الوريد الى الوريد وتعذيب وتشويه.تقول الكاتبة (لم يكن كل هذا يخيفه بقدر ما يخيفه لقاء عائشة) استطاعت (علياء الانصاري)أن ترسم أروع صورة الإنسان العربي والعراقي بصورة خاصة ,حيث أنه ما يزال يتعامل مع هذا الموضوع باندهاش وحساسية مفرطة وخوف وارتباك , حيث ان الحب لديه غاية لا يمكن ان تسمو فوقها غاية
فالشاعر يقول:
والله ما شرقت شمس ولا غربت

الا وذكرك مقرون بأنفاسي
وما همت لشرب الماء من عطش
الا وخيال منك في الكأسي
ويقول عنترة العبسي
ولقد ذكرتك والرماح من نواهل
وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم
ويقول الشاعر ايضا
احبها وتحبني ويحب ناقها بعيري
ويقول أيضا وعند السلام نسيت ان استرد يدي
فطال السلام وطالت رفة الهدب
(لقاء عائشة ,المحبوبة الغالية يخيفه..)
ص 49 (كان راتبنا ثلاثة آلاف دينار وطبقة البيض الواحدة بالسعر نفسه ,قبل السقوط)
لم تنسى الكاتبة أن تستذكر بعض مفردات يتناولها أبناء هذا الشعب المقهور.وللبيض حكايات طويلة مع الجميع وبرغم المأساة الهائلة لاتنسى الكاتبة أن تطل علينا ببعض مايبهج وهذا هو واقع الإنسان العراقي.
(أم علي تقول: ولكن عليك تزويج مهند…)
ص 48 (هذه القلادة نفيسة جدا…)
مثل كل الامهات العراقيات دائما وأبدا ،لا بد وان تكون تلك القلادة ثمينة للأيام العصيبة ،وان المدهش في الأمر ليس وان القلادة ثمينة وإنما بالكيفية التي جاءت منها القلادة فهي هدية من أقرب الناس وأعزهم وربما جاءت بعد جهود كبيرة تختلط بأيام جميلة.
ثم تستمر الكاتبة بأسترسال بطيئ كأنها تتجه الى النهاية ،بدون ذروة وكأنها أعلنت هدنة مع القارئ وراحت تخطو بتمهل ،فراحت الأحداث تتسلسل وكأن الحياة طبيعية وربما أرادت الكاتبة أن تعلن عن مقدرة الإنسان على التواصل حتى في احلك المواقف.
ص 72 تتصاعد السمفونية بشكل مفاجئ لترسم لوحة درامية جديدة ،لم تكن ضمن الخط العام للرواية طرقات سريعة على الباب…فأسرعت عبير…فوجدت نفسها أمام سيدة جميلة)
عبارة (فوجدت نفسها ،تشبه لحد كبير جملة رفع وجها…)وهنا الجملة جاءت لكي تفتح الباب الجديد للتحاور مع القارئ ولكي تتم تهيئته للتعامل مع الاحداث الثانوية في النص الروائي بأعتبارها حدثا رئيسيا في الرواية أو حدثا مهما ،ثم ترسم لنا الكاتبة وبشكل سريع المد الروائي المكثف والسريع.بأتجاه القادة الجديدة والتي قد تربك حضورها تلك العوائل التي تمتلئ بالألم فنسيت ما هي عليه لتلتحم وتتعايش مع الالم الزائر الجديد وترسم الكاتبة عقدة جديدة بدقة متناهية لتتداخل مع النسيج الروائي ،وتتناغم مع سمفونية الحكي التي تعزف على أوتارها بصمت يجعل القارئ منشدا الى ذلك النسيج.
ص 96 تخبرنا لكاتبة بتفاصيل العلاقة القوية بين عائلة علي وعائشة والكيفية التي جاءت منها هذه العلاقة.ثم تضيف بشيء من الواقعية المرة التي كان يعيشها الأنسان العراقي أيام النظام البائد (لقد انتقلت عائلة أبو علي الى منطقة العامرية كي يظلل رجال الأمن والاستخبارات بعد أن ضايقوه لألتزامه الديني ورفضه التطوع للحرب ضد أيران)وبعد هذا تنشأ علاقة ممتازة بين العائلتين ويعملان معا في مطبعة والد عائشة ،ثم هنالك وصفا دقيقا لنمو تلك العلاقة الانسانية الصادقة وتسميتها لآفاق رحبة تدل على الطيبة التي تتمثل بها العوائل العراقية.ثم يقتسم والد خديجة أو عائشة لقمة العيش مع والد علي.
واعتقد ان الكاتبة استطاعت أن تنجح في رسم هكذا علاقة واستطاعت ان تقدم نسيجا دراميا مقنعا وهذا هو الجزء المهم جدا في العمل الادبي لأن الكاتب الناجح هو من لايكتب ألا الروايات أو القصص التي لاتكون بعيدة عما لا يمكن أن يصدقه القارئ او عما لايمكن ان يتخيله.ثم يقرر أبو خديجة السفر الى الحلة…(لكنني أخاف عليك من السفر…فهذه الأيام يستهدفون الأغنياء،) هنا تكشف الكاتبة الأقنعة التي كانت يختفي خلفها القتلة حيث ان هدفهم المال وكل مايدعون به فهو محض أفتراء.
وعندما تستدرج الكاتبة (علياء الأنصاري)القراء الى زوايا أخرى بعيدة عن السفر الى الحلة ويظل القارئ مع تلك السمفونية التي راحت تتحرك بهدوء ،وفي ص 118 ومثل كل الأخبار المهولة جاء صوت عائشة عبر الجهاز…..ليعلن بمرارة لم تر مثلها سوى يوم قتل والد علي.
(قتلوا العم أبا خديجة )فرشاة القدر ترتسم مقتلة جديدة على لوحة بلد اسمه العراق لم تكن تلك اللحظة الالحظة يتساوى بها كل أبناء هذا لبلد المسكين ولا رد سوى دموع الأمهات اللواتي يغرقن في بحور الدم
-البقية في حياتك يا خال
-في من….؟
-قتلوا زيد ثانية ،قتلوا والدك يا علي مرة أخرى.
هكذا تتشكل للحزن مرافئه الدائمة في وادي الحضارات ومدينة السلام ،من فجيعة لأخرى اشهد هو لا من الأولى ومن كارثة تتمزق لها شغاف القلب ونياطه لكارثة أخرى اشد رعبا من الأولى.
ثم تعود وجفاة الروح تنساب مابين بغداد والحلة.
عائشة………علي…….من يكلم من والفجيعة ترتسم في الفضاء كله ،والجريمة تأكل وتنام وتتلذذ بالدماء.بل من يستطيع ان يبدأ الكلام عائشة تبكي وماذا يفعل علي للذباحين والذباحات ؟
ص 184 نضال تموت من دون حزام ناسف ومن دون مفخخات خبئت او فخخت المكان من دون مختل عقليا او مختلة او منغولي او منغولية ،وقد حملوه المواد المتفجرة والية تفجير عن بعد دون ان يعرف ما الذي سوف يحدث ،حيث ان الكثير من الجماعات الارهابية والتي تدعي أنها جماعات اسلامية مع سبق الاصرار والترصد كانت تبحث عن هؤلاء وبعد حدوث الحادث المروع تعلن انه حادثا انتحاريا ولطالما اقلق هذا الموضوع ابناء الشعب العراقي بل العالم كله.
كان يتساءل عن سبب الانتحار وعن كيفيته تساؤل ذو مغزى عميق وبعيد وفي حقيقة الامر إنها عمليات قذرة قد تم استخدام هؤلاء الناس بها ،ولهذه الظاهرة جذور بعيدة تعود الى أيام الهدام فهم يمسكون المجانين من الشوارع ويتم أعدامهم بدلا عن المجرمين ممن حكموا بالأعدام وهذا طبعا مقابل الأموال الطائلة في حقيقة الأمر أن ظواهر العنف في العراق لم تكن وليدة هذه الظروف فقد كانوا يقتلون ويذبحون ويقطعون الأعضاء.الاان موت نضال جاء موتا طبيعيا حيث ان السيارات التي حملت النعش الى وادي السلام لكي تلقي بالجسد الذي عانى كثيرا من المرض (نضال…..المرض…..)الكاتبة هنا تقول: أن النضال تعاني من المرض أو الضعف.والنضال بصورة عامة هو الجهد المبذول من اجل قلب حالة ما او من اجل هدف ما أي من اجل مقاومة اوضاع سلبية للوصول الى الاحسن والافضل من اجل ولادة اخرى، وبدون نضال لا يمكن ان تكون هناك ولادة.
ان نضال في الرواية اسم ومعنى يدل بوضوح فالكاتبة تعتقد ان نضال الانسان الان يمر بمأزق كبير مما ادى به الى ان يموت (حتف انفه)العربي كان يأنف بل يشمئز من الموت الطبيعي ولا يرغب بالموت بالموت على الفراش – يتمنى ان يموت في ساحة القتال – (نضال)عندها سوف تخرج روحه (هكذا يعتقدون)من الجرح اما الذي يموت في فراشه فأن روحه خرجت من انفة (مات حتف انفه)اما نضال الأم قد ماتت حتف أنفها ،غير أن موتها كان الموت الطبيعي الذي كانت بلاد الرافدين وهي محتاجة اليه.
ولايعني موتها ذاك حتف أنفها حالة سلبية مطلقا لان حمل السيف والخنجر والذبح من الوريد الى الوريد بالتأكيد ليس نضالا. حيث أن الكاتبة ارادت ان يكون موت النضال بمعقولية جدا وهذا هو المعقول.
الكاتبة ارادت ان تختم الجزء المهم من أن تختم الجزء المهم من ملحمتها الدرامية في شارع المكتبات هذا الشارع الذي يحتضن عنفوان الشباب والذي تنام في طياته دفء الجراح النابضة وهي تصرخ الى الأبد ,أبرياء من الدرجة الأولى حيث أن للبراءة لا توجد درجات.ثم أنتقلنا جميعا نحن القراء وأبطال الرواية على شراشف من نور تحملها أكف علياء الأنصاري.
ثم تقول الروائية عند مدخل زقاق ضيق التقى علي ببعض شباب المحلة….حتى بدأت الشمس تزف موعد رحيلها فقال لهم أعذروني عليَ الذهاب إلى شارع المكتبات ومع أرتفاع صوت المؤذن ،جاء صوت عائشة (هنا اتقنت الكاتبة فن الدرما وكيفية توظيفها في العمل الروائي والارتقاء بها وبتقنية عالية وبإقناع كبير.)
(تحركت شفتا علي لتقول شيء)وماذا يقول؟ يا ترى؟ كلمة احبك مليون مليون مرة.
غير ان القنبلة كانت تنتظر واقفة بين الشفة والشفة بين الحنجرة والحنجرة بين الروح والروح بين علي وعائشة إنها الكراهية والحقد الاعمى علينا أن نمقته جميعا.
وبقصديه كاملة ألقت الكاتبة بحمل ثقيل ومثلما أبكتنا كلمات روايتها فإن دموعنا سفحت ميازيبا من اجل ذلك فهذا الحمل الثقيل قد تحول من رمز ديني إلى رمز أيدولجي من دون أن تمس الكاتبة بالقيمة الحقيقية لهذا الرمز بل إستطاعت ان تخرج من سطوته الدينية وتفاعلها الأحادي الجانب بسبب عدم مقدرة المتلقين من فهم النصوص الدينية والتاريخية فهما يكشف عن الجمالية التي أتلفتها الروح التي لا تستطيع الا أن تتعاط بشكل أحادي.
وعلياء الأنصاري فككت الرمز الايدلوجي وأستطاعت ان ترتقي به الى الأعلى وهي تبحث عن سر الخلود في أن تكون النهاية ذات جدل متواز. ومثل كل الأمهات العراقيات اللواتي ذهبن إلى المقابر ليودعن أجزائهن هناك.
ولم يبقى للكاتبة إلا ان تحرك فينا كل المخبوء والمخزون من الذكريات الأليمة العارمة التي طالما استمعنا لها من الأمهات وهن يجلسن ملفوفات بالعباءات يحركن مهد الوطن (دللول…………….يمة………..)
تمت

حسين مبدر الاعرجي
قاص وناقد